#ثريد
في ذكرى يوم عاشوراء من كل عام، تكثر الأقاويل والكذب والافتراءات في واقعة الفتنة الكبرى، وفاجعة المسلمين العظمى، يوم مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، سنة 61هـ، وكذلك عن مسؤولية يزيد بن معاوية عنها، وموقفه بعد استشهاد الحسين رضي الله، وما موقف أهل السنة والجماعة منه
في ذكرى يوم عاشوراء من كل عام، تكثر الأقاويل والكذب والافتراءات في واقعة الفتنة الكبرى، وفاجعة المسلمين العظمى، يوم مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، سنة 61هـ، وكذلك عن مسؤولية يزيد بن معاوية عنها، وموقفه بعد استشهاد الحسين رضي الله، وما موقف أهل السنة والجماعة منه
لا يزال المسلمون في محنة وبلاء، من إيراد الأخبار الواهية، والأقاصيص المكذوبة في سجلات التاريخ، ولو أن عاقلًا تأمل قول الله تعالى (تلك أمةٌ قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون)
ثم كفّ بعد ذلك لسانه، وسكت عن الخوض في أحاديث الفتن، وبرأ إلى ربه من الظلم، واعتقد حُب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وبُغض من عاداهم، لكان أتقى لربّه وأسلم لدينه
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله (وُلِد يزيد بن معاوية في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولمن يكن من المشهورين بالدين والصلاح، وكان من شبان المسلمين، وتولى بعد أبيه على كراهةٍ من بعض المسلمين ورِضا من بعضهم، وكان فيه شجاعة وكرم، ولم يكن مُظهرًا للفواحش كما يحكي عنه خصومه)
وجرت في إمارته أمورٌ عظيمة، أحدها، مقتل الحسين رضي الله عنه، وهو لم يأمر بقتل الحسين، ولا أظهر الفرح لقتله، ولا حمل رأس الحسين رضي الله عنه إلى الشام، لكن أمر بمنع الحسين رضي الله عنه، وبدفعه عن الأمر ولو كان بقتاله
فزاد النّواب على أمره، وحضّ الشِمر بن ذي الجوشن على قتله لعبيد الله بن زياد، فاعتدى عليه عبيد الله، فطلب منهم الحسين بن علي رضي الله عنهما أن يجيء إلى يزيد، أو يذهب إلى الثغر مرابطاً، أو يعود إلى مكة، فمنعوه رضي الله عنه، إلا أن يستأسر لهم، وأمر عمر بن سعد لقتاله
فقتلوه مظلومًا، وكان قتله رضي الله عنه من المصائب العظيمة، فإن قتل الحسين وقتل عثمان قبله رضي الله عنهما، كانا من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمة، وقتلتهما، من شرار الخلق عند الله، ولما قدم أهله رضي الله عنه على يزيد بن معاوية، أكرمهم وسيّرهم إلى المدينة
ورُوي عنه أنه لعن ابن زياد على قتله، وقال (كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين)، لكنه مع هذا، لم يظهر منه إنكار قتله، والانتصار له، والأخذ بثأره، كان هو الواجب عليه، فصار أهل الحق يلومونه على تركه للواجب مضافًا إلى أمور أخرى، وأما خصومه، فيزيدون عليه من الفِرية أشياء
وقد ورد أن يزيد ندم بعد ذلك على قتل الحسين، وكان يقول (وما كان عليّ، لو احتملت الأذى وأنزلته في داري، وحكّمته فيما يريده، وإن كان عليّ في ذلك وَكَفٌ ووهَنٌ في سلطاني، حفظًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورعاية لحقهِ وقرابته)
ثم يقول (لعن الله ابن مرجانة، يعني عبيد الله بن زياد، فإنه أخرجه واضطره، وقد كان سأله أن يخلي سبيله، أو يأتيني، أو يكون بثغر من ثغور المسلمين، حتى يتوفاه الله تعالى، فلم يفعل، وأبى عليه وقتله، فبغّضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة
فأبغضني البرّ والفاجر، بما استعظم الناس من قتل حسينًا، مالي ولابن مرجانة، لعنه الله وغضب عليه)، وليس هذا دفاعًا وموالاةً ليزيد، فإن المذهب الوسط فيه، أن حكمه حكم غيره من ولاة السوء الظلمة، فلا يُوالى ولا يُعادى، ولا يُحب ولا يُسب
قال ابن تيمية (ولهذا كان الذي عليه مُعتقد أهل السنة وأئمة الأمة، أنه لا يُسب ولا يُحب، قال صالح بن أحمد بن حنبل، قلت لأبي: إن قومًا يقولون، إنهم يحبون يزيد، قال: يابني وهل يُحِب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقلت يا أبتي فلماذا لا تلعنه؟ قال يابني، ومتى رأيت أباك يلعن أحدًا)
وقال أيضًا (وقال أبو محمد المقدسي لما سُئل عن يزيد، لا يُسب ولا يُحب، وبلغني أيضًا، أن جدنا أبا عبدالله بن تيمية، سُئل عن يزيد فقال: لا تنقص ولا تزد، وهذا أعدل الأقوال فيه وفي أمثاله واحسنها)
حدثت الكثير من الأحداث السيئة في السنة الأولى في فترة خلافته، منها ما ذكرنا من استشهاد الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما، وجمع من آل بيته الأطهار
كما شهدت فترة خلافته، قيام ثورة عبدالله بن الزبير في المدينة، فجهز يزيد الجيوش لهذه الثورة، حتى قامت موقعة الحَرّة، التي نتج عنها مقتل عدد هائل من الصحابة إضافة إلى حريق الكعبة المشرفة، بعد ضربها بالمنجنيق
على جانب آخر، فقد شهد عهد يزيد بعض الإنجازات، منها توسيع أحدى قنوات نهر بَرَدى، والتي يطلق عليها اسم قناة يزيد، نسبة له، كما شهد عهده عددًا من الفتوحات، منها فتح جبهات إفريقية ورومية ومشرقية، شملت سمرقند وخوارزم
لم يعش يزيد طويلًا بعد كل هذه الأحداث، ولم تدم فترة حكمه، إلا قرابة الأربعة سنوات، وقد انتشرت الأقاويل حول وفاته، فبعض الناس يرى أنه قُتل بواسطة أحد الرجال انتقامًا لمقتل الحسين رضي الله عنه، ومنهم من يقول أنه توفي وفاةً طبيعية
وعلى كل الأحوال، فقد توفي في اليوم الخامس عشر من شهر ربيع الأول عام 64هـ، ويوم عاشوراء له فضيلة عظيمة، وحرمة قديمة، وصومه لفضله، كان معروفًا بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد صامه نوح وموسى عليهما السلام
ففي الصحيحين عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنه قال (قَدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود صُيّامًا يوم عاشوراء، فقال لهم (ما هذا اليوم الذي تصومونه، قالوا هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه
فقال صلى الله عليه وسلم فنحن احق وأولى بموسى منكم)، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وامر بصيامه، وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة، ان رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام عاشوراء، فقال (أحتسب على الله أن يُكفّر السنة التي قبله)
#انتهى
#انتهى
جاري تحميل الاقتراحات...