حمَد الناصِري hamad alnasri
حمَد الناصِري hamad alnasri

@Nb9hMWf8q3gJbg4

20 تغريدة Aug 27, 2020
رواية : وادي الرّمال 48
الكاتِب : حَمد الناصِري .
قاطَعها الكاهِن سَاعِد ، اسْمَحِي لي مَرّة أُخْرى بطرح سؤالي مُجدداً :
ـ هَل يَعْنِي كلامُك هذا ، أنّ رِجال القُرى الظاهِرَة وزَعِيم القَرية الناشِئَة إبنَ عمّكَ (عدّار )
قد سِيْئَت وُجُوههم ولم يَعُد لهم قُبولاً فِيْما يَدّعُون ولا ذِكْراً في فِكْر الرّجال يُذكَرون أم بهم جَهْلٌ وفي أُصُولهم لا يَتَدبّرون وبأحْوالهم غَير مُسْتَبْصِرين.. أولا يَتفكّرون في رَيْبهم وشُكوكهم أم هُم غَيْر مَدِيْنين ، أم ماذا كانوا يَفْعَلُون ويَصْنَعون .؟
وفي أيّ رمال يُقِيْمُون؟ ألم يَجدوا في حَياتهم عيشٍ غير مُسْتَقر وَمتاعٍ ذي قَسْوة إلى حِيْن؟ ألم يُدْركوا أَمْرَهم المُشِين أم هُم عنهُ غافِلُون؟ أوَليسَ في دِيارهم وأنْفُسِهم وبُيُوتهم ما يَسْتحق التّفْكِير فِيه،أم السّماء تركَت لهم وُجُوداً في بِضْع سِنين فاسْتَحقُوا الحياة.؟
شَعَرت وُجُون بِسَعادة وصَفّقَت بِكلْتا يَديْها ، كأنّما طِفْلَة بشقاوتها تمَرَح وبواقِعَها تَفْرح . . اقْتَربَت مِنْهُ وقالَت بِحماسَة :
ـ كم أنْتَ رائِعٌ أيّها المُعَلّم الكاهِن الأَريب ، حِين تَصِفّ الكلمات صَفاً ، مُفْرَدات تَتابع وعِبارات مَوزونَة ، بشاعريّة مُقَفّاه ،
لكأنّكَ كاتِب يُعَبّر بَفَضفضة كتابيّة ومُحَسّنات لَفْظِيّة وشاعِر بِبَلاغةٍ شِعْريّة بَديعَة .. أنْتَ أيُّها الكاهِن سَاعِد ، ترَبّعْتَ عَرْشَ الكلامِ المُقَفّى وجِئْتَ بِسَجاعَةٍ مَوزونَة وحُروفٍ تَساوَتْ بِنَغْمَة الحدِيث وتَشابَهت عِباراتها ومُفْرَداتها
لكأنّما فواصِلها مُتّصِلة وتَفْصِيلاتها تُوافِق فواصِلَها ، وحِينَ تَبْدأ بالحَرف الأوّل يأتِي الحَرف التالي تُباعاً كأنّما فقراتها وجُملها رُكّبت فوقَ بَعْضَها وتدرّجت في سَرديّة رِزِيْنَة وكَلِمات مَوزونة تَتساوى في طُولها وعَرضَها..
أنْتَ أيّها الأَبْ الكاهِن ، كاهِناً أَمِيْناً وأباً رُوحِياً لِكَهانة قَرية مَجَن السّاحليّة .؛ أنْتَ أبَاً كِريْما ومُعَلّماً جَليلاً بَعْدَ أبِي مَعْن السَدّاح ، ذلكَ الرّجل أبِي العَظِيم مُرَبّي حَياتي ومُعَلّم أخْلاقِي، فكانَ أَدَبُه تَكْويْناً لِصِفاتِي .؛
زَوَتْ بِعَيْنيها جانِباً ، لكأنّها تَسْتَدعي صُورة ماثِلة أَمامَها ،وأطْبَقت شَفَتيها على بَعْضِهما ..
ثم قالَت :
ـ دَعْنِي أُفْهِمكَ قليلاً ، أنّهُ وفي ظِلّ تَساؤُلات قائِمَة ومُغْرية في حَدّ ذاتِها ، أنّ التّعايُش مَفْهُومه كبير ومُصْطَلحهُ قَويْم ... ماذا يُمْكِنُكَ أنْ تَفْهم من ذلك القَول الغامِض .؟ ونقول ، أنّ الإِعْتِراف بِحق الآخَر مَكانةً وثَقافَة وفِكْراً وتُراثاً
وحَياة عامِرَةً بالسّلام والأَمانِ وبقيّة مِمّا تَركَتْهُ إنْسانيّتهم العَصْماء المُمْتَنعة ، وما اخْتَزلته حَضارَتهم بِرُموزها الحيّة السّاعِيَة وإشاراتِها الغابرة في الرّمال والوادِي
وعَقْلِيّتها المُجَانِبَة لِصَواب الإنْسانيّة ، ومَودّاتها الباقِيَة وآثارٍ مِن سُلوك عامِرٍ بأَدَب التّعايُش ، لَهُو أَمْر بالغ الأهَمِيّة والمَسْؤوليّة .
أَعُود مَرة أُخْرى ، فأطْرَح عليكَ مَعنى التعايُش في إنسانية رجال القرية المكينة بعد أنْ أوضَحتُ لكَ مَفْهُوم التَعايُشَ عِنْد رجال القَريَة . فالتّعايُشات لديْهم تَتَعاظَم بِرواسِخ ثابِتَة مُنذ سِنين طَويلة وأَزْمَنة غابِرَة ..
والسؤال المَطْروح في جَدليّته وفَلْسَفَته ، هلْ يَقْدر عَدّار اللّئيم ورِجاله الآثِمين ، أنْ يَكونوا صَفاً واحِداً وحُرّاساً أَوْفِياء على رِمالهم فيُحصّنوها من تدخّلاتٍ غير آمنة ،وبمعْزلٍ عَن قُوّة رِجال القريَة المَكينة التي أشادَ بِمَكانَتها ورِجالها وليد الحيَاة .؟
هُنا يُمكن أنْ تَقْرأ المَعْنَى المُراد والمَقْصُود مِن مَفْهُوم التّعايش في الوادي ..؟ وأمّا الفَلْسَفة مِن ذلكَ المَفْهُوم .. أُجيبُ عليها ، أنّ عَدّار لا يَقْدر على شيء ، غيْرَ الجَهْر بفُحْش الكلام ، وكذا الحال مَن هُم مَعه عاجزونَ أنْ يُبلغوا بقوتهم عَنانَ سَماء القرية
ناهيكَ عن الوادي والرّمال .؟ أقول لكَ وأنا مُطّلعةٌ على عَقليّة إبنَ عمي عدّار ، فهو ضَالٍ بلُؤمه وخِسّته . قرأتُ كتاب عَقله ذاتَ يوم، ولم أجِد ما يُقنعني فيه ، غير فزعة واحدة ودَناءة ثابِتَة وشحاحَة مُتَغلغلة ومَهانة راسِخة . فأيْنما ولّى بوجهه شَطْراً وَوجدَ اتفاقاً يُفْشِله
أو صُلْحٍ يُنْقِضه أو مُثَلٍ يُهْمِله أو حَسَنٍ يُبْعِده او جميلٍ قذّره او قداسة اسْتقبحها؛ فمن أيْنَ يأتيه الخَير يُدنّس بخسّته ماضي الرّجال،وبِلُؤْمه يَمْحُو الدّيار ويَبْتَعد عن كُلّ قريب وجار ولذا تَجِده عن الخَير بَعيد،يأتي بالشر ويكون عنه بَعِيد،كما بَعدت السماء عن الرمال.!
دعْنِي اطرح عليكَ أسئلة جدليّة .. هَل القُوة بأسْبَقيّتها الكلامِيّة أمْ بقُوة الحَديث فنُسَوّقه هُنا وهُناك، حيث وكيف نشاء .؟ أم هيَ مُفْرَدة دعاية مُغْرضة نُخْرِجَها كيفَ نَشاء ، حتىّ ولَو أَخْرَجتنا عَن الرّكْب ،
بلا آفاق نَتطلع إِليها ولا نجاحات حياتية سَاعية على مُستوى الوادي نَتُوق إليها .؟ وهل يحقّ لنا سرقة ما احْتواهُ الآخرين مِن كنُوز عبر سِنين خلتْ من القوة الشامِخة والهيبة الراسِخَة، ونَسْتحوذ بخسّتنا ما جَمَعه الرجال ونأخذُ دَور مكانتهم الثابتة وإبْداعهم وتَدْبِيرهم المُمْتَنِع.؟
الجواب نجده هُنا ..!
لنْ يَصِل عَدّار إلى تعايُش الرّجال ولا تَرقى قَريته الناشِئَة ورِجاله البائِسُون ، حُدودَ تفكير أؤلئكَ الرّجال الذينَ آمنوا واطمأنّت قلوبهم بحياة النّاس في الرّمال تعايشاً وحياة وأمْناً واطْمئناناً ..
أما مَن اخْتَلطت دَناءَته وتَساوَتْ برَذالة فَهْمِه وفِكْره ، لَن يجلبَ غَيْر رذالة الأضْرار في الرّمال ، مُدمّراً بِنَذالته ، وخِسّة إنْسانِيّته وادي الرمال.؛
* كاتِب عُماني .

جاري تحميل الاقتراحات...