يقال عادةً إن"الألم والشدائد"هو ما يكشف لنا وجوهًا أكثر من وجودنا ويعمِّق شعورنا بالأشياء من حولنا، ووجه هذا التفضيل أن "اللذة والمتع" تحجب الشعور عن الأسباب والمقاصد عبر كثافة تلذذ الذات، (وكأن اللذة تضخم الأنانية) فيغلقنا انشغالنا باللذة على ذاتنا فلا نرى ما عداها بما يكفي،=
ولا تشعر الا بتلذذها، في حين أن "الألم" يورثنا منظورًا أكثر شفافية، حيث نلمس ما نفتقده-من أسباب الألم-ونشعر به جيدًا، فمن يستعمل جوارحه بشكل معتاد يبتلعه نسيان وجودها وقيمتها التي لا تقدر بثمن، لكن اذا ما اصيبت يد أحدنا بألم وعطًلتها عن الحركة فوقتها نشعر بها وبقيمتها وكونها جزء=
ثمين منا، وفي ظني أن هذه المقارنة لا تخلو من تضييق بسبب نزول مستواها، و حدود دلالة هذين المفهومين ( اللذة- الألم) وهما مفهومان حيويان، حتى مع تعالقه بالمستوى النفسي، لكان لو وسعنا المقارنة وجعلناها بين مفهومين من مستوى أعلى وهما ( الصبر والشكر) وهما مفهومان روحيان أخلاقيان،
لربما- حيئذ- تتسع الرؤية، فالشكر يعطي وجود النعمة معنى وجوديًا إيجابيًا، وهو شعور وجداني ينبني على ادراك وجداني متكامل وعميق للوجود، وهو يستتبع عملًا ظاهريا للعمل القلبي، فالشكر يدفع نسيان السبب الأصلي ونسيان الاسباب التبعية( من حيث هي نِعَمٌ في ذاتها وتحتاج شكرًا يتلوه شكر)=
وأيضا فالشكر يستدعي حضور المقاصد والمعاني العلية وليس السببية فقط، خلافًا لدلالات مفهوم اللذة والمتعة الحيوي المجرد عن المعنى الأخلاقي، ونحن نجد في كتب السلوك والأخلاق مقارنات طريفة وغنية بين مقام الشكر ومقام الصبر، و بين(الفقير الصابر) و(الغني الشاكر) يمكنها أن توسع هذا النظر،=
ولعل هذه المقارنة تكشف المزيد من جماليات المعنى في قول النبي عليه السلام ( عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كل خير، وإن أصابته ضراء فصبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء فشكر فكان خيرًا له)، وفي رواية ( لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له..).
جاري تحميل الاقتراحات...