اغلب الجيتوهات التي يقطنها السود تفتقر الي جميع الخدمات الاجتماعية، بينما تصل ميزانية الشرطة بمدينة لوس أنجلوس إلى ما لا يقل عن أربعة مليارات دولارسنوياً، أي ما يعادل نصف الميزانية العامة لكل القطاعات (التعليم، الصحة، الإسكان، إدارة الطوارئ، البيئة)
هذه الأموال الطائلة تمكن أقسام الشرطة من اقتناء أسلحة ومعدات [من طراز عسكري] تسخر لقمع الطبقة العاملة السوداء ومعاملتها على أنها عدو محارب....هكذا تعمل العنصرية بشكل مؤسسي في الولايات المتحدة الأمريكية.
الوضع العنصري الذي يعاني بسببه السود في الولايات المتحدة الامريكية من قتل واضطهاد وتهميش عائد الي التأصيل الجينيالوجي لإديولوجية التفوق الأبيض منذ التعديل الدستوري الرابع عشر عام (1865).
فبينما ألغى ذلك التعديل العبودية، بصورة قانونية، فتحت صيغته الإستثنائية باباً لممارسات لا تقل خبثاً عن العبودية المنصوص عليها قانونياً. للتوضيح؛ ينص التعديل على إبطال “العبودية و العمالة الجبرية، باستثناء كونهما عقابا”
فكانت هذه الجملة الإعتراضية بداية لعهد جديد/قديم في الطرق التي تتعامل بها منظومة التفوق الأبيض مع السود. فجاء عهد “قوانين عقوبات السود” (Black Codes) و”قوانين جيم كرو”(Jim Crow Laws) تمكنت فيه الحكومات المحلية من التضييق على مواطنيها السود ومطاردتهم و تجريمهم باسم القانون.
جدير بالذكر أن هذه الحكومات كانت مخترقة من قبل جماعات يمينية كارهة مثل الكوكلكسكلان (Ku Klux Klan). في هذا السياق إذن نشأت القوة السلطوية البوليسية في أمريكا.
ثم نشأت حركة القوة السوداء وحزب الفهود السود لفك الحصار على المواطنين السود و ضمان حقوقهم المدنية. لكن ردود فعل أجهزة الدولة كانت متوقعة: مزيد من العنف والإغتيالات، وتهميش الأصوات التحررية وشيطنتها مثل هيوي ب نيوتن، اساتا شاكور، فريد هامبتون، طبعا من قبلهم مالكوم و وليام ديبوز.
ففي هذه الفترة تمكن المحافظون من ربط المطالبة بالحقوق والعدالة المدنية والإحتجاج لانتزاعها بخرق القانون والدعوة إلى الفوضى. فكانت حملة نيكسون الرئاسية الداعية إلى “تطبيق القانون وإحلال النظام” بمثابة فترة التأطير النظري لحزب جمهوري “جديد” “صارم تجاه الجريمة”.
وهكذا في السبعينيات والثمانينيات، استغل الحزب الجمهوري الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لإعلان الحرب على السود تحت ذريعة “الحرب على المخدرات”. ومن ثمة أضحت فزاعة “الافريقي المجرم” استراتيجية مُثلى لتحصيل الأصوات الإنتخابية من محافظي ولايات الجنوب والغرب خصوصاً.
قد كان فوز جورج بوش الأب بالرئاسة سنة 1988دليلاً على نجاعة هذه الإستراتيجية العنصرية. لكن قبل مجيئه، كان عهد ريغان حافلاً بالممارسات العنصرية على الصعيدين الوطني والدولي. فكما هو معلوم، كان ريغان بمثابة العراب الفعلي للسياسات النيولبيرالية المدمرة للأقليات العرقية الأمريكية
و لأن ريغان جعل من “الحرب على المخدرات” واقعاً اجتماعياً وأولوية مؤسساتية، فلقد فتحت سياساته النيوليبرالية المجال لأجهزة الدولة والقطاع الخاص لمراقبة الطبقة العاملة السوداء وتأديبهم ثم تجريمهم.
فبينما أخضعت إدارة ريغان معظم البرامج الاجتماعية لاقتطاعات في ميزانياتها، جرى تضخيم ميزانيات الدوائر الأمنية على الصعيد الفدرالي.. وأما القطاع الخاص، فقد استفاد من حزمة السياسات النيوليبرالية المتمثلة في الخصخصة، ورفع القيود الجبائية لتركيز دعائم”الدولة السلطوية العقابية”.
وبذلك استثمرت السلطة البيضاء مليارات الدولارات في ما يسمى بالمجمع الصناعي للسجون (Prison Industrial Complex) لاستيعاب الأعداد الهائلة من سجناء الطبقة العاملة السوداء الذي جرى تسليع أجسادهم من أجل الربح. من أهم القطاعات المستثمرة في هذه المجمعات السلطوية نجد:
"شركات البناء، تكنولوجيا المراقبة، شركات توفير الأطعمة والخدمات الطبية للمساجين، شركات متعاقدة من أجل العمالة السوداءالرخيصة، شركات الخدمات القانونية وكذا مجموعات الضغط التي تمثل مصالح هذه القطاعات".
حين صعود كلينتون الى اعلي هرم السلطة، تبين للحزب الديمقراطي أنه لا مناص من تبني منطق “الصرامة في مواجهة شغب احياء الأقليات”، ولو على حساب قتلهم، قليل جدا من يعلم ان كلينتون كان وراء السياسات العمومية الأكثر عنصرية في التاريخ الحديث للولايات المتحدة.
و لهذا تبنى كلينتون ممارسات و قوانين، لو تبنتها دولة من العالم الثالث، لتهافت الإعلام الأمريكي بالدعوي لاحتلالها. فمثلاً قانون “المجرم الإعتيادي”، مكنت اصغر رتبة شرطية من الحصول على معدات عسكرية وتكوين كوماندوهات شبه عسكرية لإخضاع جيتوهات السود بالتعذيب والقتل.
جرائم القتل التي تقع بحق السود تذكرنا بأهمية الوعي بأن خطورة العنصرية لا تكمن في سلوك أفراد عنصريين متفرقين، بل هي متجذرة في كل البنى المكونة للمجتمع: من قانون و اقتصاد و سياسة بل وحتى في الوعي الجماعي الأمريكي.
جاري تحميل الاقتراحات...