حسام السبيعي(ابو غيث)
حسام السبيعي(ابو غيث)

@hss_503

69 تغريدة 17 قراءة Dec 07, 2020
تحت هذه التغريدة سأنقل شيئاً يسيراً من سيرة الإمام ابو محمد ابن حزم منذ نشأته حتى وفاته رحمه الله ولعلها تبين البيئة التي عاش فيها والعوامل التي تعرض لها وكان لها أثر كبير على شخصيته.
ابن حزم هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ونسبه المدون ينتهي الى رجل اسمه يزيد بن أبي سفيان وقالوا انه فارسي الأصل وانه من موالي يزيد بن أبي سفيان أحد رجال الفتوح الشامية، ومع ذلك فإن فارسية ابن حزم لم تكن أمراً مسلماً عند معاصريه.
فإذن ابن حزم خرج من أسرة من أهل اسبانيا الغربية كانت تقيم في لبلة وكانت تدين بالنصرانية وظلت على نصرانيتها بعد الفتح الإسلامي حتى اعتنق حزم الإسلام ومنذ ذلك الوقت جعلت الأقدار تهيء لهذه الأسرة مكاناً جديداً وتتيح لحفيد هذا الرجل حزم أن يصير أحد الوزراء النابهين في الدولة العامرية
ولد ابو محمد ابن حزم في صبيحة الأربعاء آخر يوم من شهر رمضان عام ٣٨٤هجرياً بعد أخ له يدعى ابا بكر سبقه الى الوجود بخمس سنين وقد نشأ الأخوان معاً نشأة مترفه في قصر أبيهما الوزير بالقرب من قصر الزاهرة التي اختطها المنصور ابن ابي عامر
وفي هذا القصر أمضى ابن حزم حياته الأولى الى أن بلغ الخامسة عشر من عمره لا يكاد يغادره إذ ذاك إلا الى قصر وزير آخر من الوزراء أو رئيس من الرؤساء أو الى قصر الحاجب نفسه المنصور أو المظفر في بعض الأحيان.
وفي هذا القصر تلقى تعليمه في هذه الفتره الأولى من حياته فلم يتخلف الى استاذ يأخذ عنه ولم يتصل بزملاء ورفاق يلعب معهم ويعبث وإياهم ويتحدث إليهم فإنما هو أخوه الأكبر أبو بكر رفيقه الوحيد في هذه البيئة ولكن فرق ما بينهما في السن جعله مفرداً عن الزميل في التعليم والتلقين
وبذلك أمضى مدى سنينه الأولى حياة مقصورة لا صلة بينهما وبين الحياة خارج القصر إلا ما عسى أن يترامى إلى سمعه عنها فكان النساء وحدهن بطانته وصحابته وأساتذته إليهن وكل أمره وبهن نيط تعليمه وتربيته ويقول في ذلك( ولقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن مالا يكاد يعلمه غيري
لأني ربيت في حجورهن ونشأت بين أيديهن ولم أعرف غيرهن ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب وحين تبقل وجهي وهن علمنني القرآن وروينني كثيراً من الأشعار ودربنني في الخط ولم وكدي وإعمال ذهني منذ أول فهمي وأنا في سن الطفولة جداً إلا تعرف أسبابهن والبحث عن أخبارهن وتحصيل ذلك)
ومن الجدير بالذكر هو أنه أصيب في مرحلة طفولته بخفقان القلب وكان يعاني أيضاً من مرض الكبد فهذه الأمور جعلته يحاط بجو خاص من العطف والرعاية وملأ القلوب إشفاقاً عليه ورحمة له فبذلك نرى في حياته الأولى عاملاً جديداً من عوامل التدليل إلى جانب ذلك التي تبعث عليه الحياة المترفة.
وإلى جانب هذا كان محوطاً بكثير مما يرقق الحس و يرهف العواطف و يقوي فيه هذه الناحية الفنية ، ففي وسط مظاهر الترف وألوان الجمال التي كان يعبق بها الجو حوله، تعرض منذ صباه لفنون من الحب، ثم ما يتتبعه الحب من ألوان المشاعر وصنوف الخوالج .
وهو يحدثنا عن هذا الحب الذي تعرض له في صباه، إذ يقول :(وعني أخبرك أني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر ،فما استحسنت من ذلك الوقت سوداء الشعر ، ولو أنه على الشمس أو على صورة القمر نفسه و إني لأجد هذا في أصل تركيبي من ذلك الوقت ، لاتؤاتيني نفسي على سواه ، ولاتحب غيره البتة )
ولكن هذه البيئة المشحونة بكل ذلك مما يدعو إليه الترف كانت مع ذلك بيئة تسيطر عليها أوامر الدين وتعاليم الخلق وضوابط الترفع والتعفف إذ كان بيت ابن حزم من البيوت المحافظة الآخذة بتقاليد التصون
وقد عرفنا كبير هذا البيت وصاحب ذلك القصر الوزير أحمد ابن سعید رجلا متزناً بعيداً عن الاستهتار والاستخفاف بالرغم من ذلك الترف البالغ وتلك الرفاهية المتفننة مما هو جزء من طبيعة الحياة في مثل هذه القصور في ذلك الوقت لا انفكاك له .
وبانتهاء هذه المرحلة تبدأ مرحلة أخرى في حياة ابن حزم ، وحياة الأندلس جميعاً، وهي المرحلة التي بدأت في سنة ۳۹۹ هجري.
وفي هذه السنة يبدأ ابن حزم دور التحصيل المنظم كما هو الشأن عند طلاب العلم عامة بالسماع من أئمة العلم والتلقي عن رجال الأدب ورواية فروع المعرفة المختلفة الأسلوب المعهود بالجلوس إلى هؤلاء الشيوخ في مجالسهم التي يتخذونها أو حلقاتهم التي يعقدونها في مسجد قرطبة الجامع وغيره من المساجد
على أن ابن حزم لم يكتف من الدراسة المنظمة في هذه الفترة بالتردد على حلقات الحديث والأدب فقد كانت نزعته المتطلعة ونزوعه الطبيعي إلى مقاومة مشاعر الخوف والقلق يدفعانه إلى التماس أبواب المعرفة المختلفة ولا ريب أن الفلسفة وعلومها كانت تثير رغباته وكانت قرطبة تزخر من علماء الفلسفة.
وقد بدأت في العام الذي خرج فيه فتانا ابن حزم إلى الحياة العامة فهو قد خرج من النقيض إلى النقيض من حياة هادئة كل الهدوء مقصورة أشد القصر يسودها الحب وترفرف عليها ملائكة الجمال واحة، إلى حياة مضطربة مضطرمة يموج بعضها في بعض تسيطر عليها أبالسة الشر، وتقودها شياطين البغضاء والحقد.
وفي أثناء هذه الفتنة حدثت ثلاثة أحداث متعاقبة ارتجت لكل منها نفس ذلك الشاب وأحس لقاءها أن القضاء يريد أن يفصله فصلاً تاما بينه و بين حياته الأولى فيقطع ما بقي له من الأواصر التي كانت تصله بها ،أما أولهما فموت أخيه أبي بكر أليف روحه ورفيقه في تلك الحياة الأولى
حيث أصابه الطاعون الذي أناخ على قرطبة وعاث فيها ولم يكد ينقضي على ذلك الحادث الذي تفرقت له نفسه عام واحد حتى كان موت أبيه ثم لم ينقض على مصابه هذا إلا عام أو نحوه حتى كانت فجيعته في حبيبته (نعم ) وهي فجيعه نستطيع أن نتصور مدى تأثره بها ، في هذه العبارات التي عبر بها عنها
بعد مضي عهد طويل يقارب ١٥ سنه لم يستطع أن ينسيه إياها وذلك إذ يقول(كنت أشد الناس كلها وأعظمهم حباً بجارية لي كانت فيها خلا اسمها (نعم) وكانت أمنية المتمني وغاية الحسن خلقاً وخلقاً وموافقة لي وكنت أبا عذرها وكنا قد تكافأنا المودة ففجعتني بها الأقدار واخترمتها الليالى ومر النهار
وصارت ثالثة التراب والأحجار وسني حين وفاتها دون العشرين سنة وكانت هي دوني في السن فلقد أقمت بعدها سبعة أشهر لا أنجرد عن ثيابي ولا تفترلي دمعة على جمود عيني وقلة إسعادها وعلى ذلك فوالله ما سلوت حتى الآن ولو قبل فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف وببعض أعضاء جسمي العزيزة علي
مسارعا طائعا. وما طاب لي عيش بعدها ، ولا نسيت ذكرها ولا أنست بسواها . ولقد عفى حبي لها على كل ما قبله ، وحرم ما كان بعده ) ومن تمام هذا ما أورده من مراثيه فيها بيتين هما :
كأني لم آنس بألفاظك التي
على عقد الألباب هن نوافت
ولم أتحكم في الأماني كأني
لإفراط ما حكمت فيهن عابث
ثم انقضى الحصار وسلمت قرطبة لسليمان المستعين ودخلها بجنوده من البربر ولم يشفع لآل ابن حزم ما قاسوه في هذه الفترة من الأذى والضر فقد أجلوا عن قرطبة ولم تعد لابن حزم دار مقام وقد تركها وهو في العشرين من عمره.
وقد هاجر ابن حزم من قرطبة الى المرية وتابع ما بدأه في قرطبة من تحصيل العلم وكان من النواحي التي بدأ فيها بمارسة الجدل والمناظرة ممارسة جدية أنه اتصل فيها بالطبيب الإسرائيلي إسماعيل بن يونس والأطباءكانوا في تلك القرون الوسطى هم رجال الفلسفة وايضاً فقد ناظر ابن حزم أحد أعلم اليهود
وأجدلهم وهو اشموال ابن يوسف اللاوي الكاتب المعروف بابن النغزالي في مسألة من المسائل التي يدين بها اليهود فكانت من الحوافز القوية على تحصيل ابن حزم تلك الألوان المختلفة من المعارف اليهودية مع مقارنتها وتعمقها حتى بلغ منها ذلك المبلغ ومن ناحية أخرى أيضاً هي الحركة الكلامية
حول بعض مسائل الدين التي كانت لمذهب ابن مسرة رأي خاص فيها وكان على رأس هذا المذهب في المرية إسماعيل الرعيني.
هذا وقد لحقت الفتتة بابن حزم حيث دخلت المرية أيضاً في معمعان الإضطراب الذي تعرضت له قرطبة ووالى حاكمها خيران العامري علي بن حمود وعلى هذا أصبحت المرية تابعة لبني حمود العلويين وانتهى به الحال في المرية بالسجن ثم النفي.
وقد لاحت بارقة أمل لابن حزم عندما علم أن في بلنسية عبدالرحمن بن محمد الملقب بالمرتضى مرشح الحزب الأموي للخلافة وسارع الى بلنسية ليلقى الخليفة الذي تحوم آماله حوله وسار ابن حزم مع المرتضى وجيوشه الى قرطبة حتى اذا مرت بغرناطة وكان عليها زاوي بن زيري فطلبوا منه أن يبايع فأبى ذلك
ونشبت الحرب بين الفريقين وقد شارك فيها ابن حزم وانتهت بهزيمة الأمويين هزيمة شنيعة ووقع ابن حزم في أسر الغرناطيين ثم أطلقوا سراحه بعد ذلك.
وفي هذه الفترة العصيبة على ابن حزم أتيحت له هذه المرة أيضا تجربة جديدة جلت لعينيه من أخلاق الناس وطباعهم ما مكن في نفسه طبيعة الحذر و إساءة الظن والتشاؤم وجعلته يقول بعد في تلك الرسالة الصغيرة التي عبر بها عن تجار به في عبارات جامعة مركزة:
(محن الإنسان في دهره كثيرة ، وأعظمها محنته بأهل نوعه من الإنس )ثم يقول (داء الإنسان بالناس أعظم من دائه بالسباع الكلية والأفاعي الضارية ، لأن التحفظ من كل ما ذكرنا ممكن ، ولا يمكن التحفظ من الإنس أصلاً )
انتهى عهد علي بن حمود بمقتله في قرطبة وتولى اخوه القاسم بن حمود وقد جعلت تترامى الى ابن حزم أخبار السياسة الجديدة التي اصطنعها لإشاعة روح الطمأنينة بين أهل قرطبة وعلى ذلك لم يلبث ابن حزم أن اخذ طريقه إليها ودخلها في شوال سنة ٤٠٩ هجري بعد غيبة طويلة قاربت سبعة أعوام.
ولكن ابن حزم رجع إلى قرطبة رجلا ناضجاً قوي الشخصية مستكمل الأداة وقد نشأ معتداً بنفسه ثم زادته الأحداث التي عرضت له وأفردته في كثير من الأحيان ،اعتداداً بالنفس واستقلالاً في الرأي وكانت مجالس المناظرة التي أتيحت له في المرية ونجاحه فيها ، وشهادة مناظریه له
مما سدده في سبيل النظر المستقل والرأي الذي لايخضع إلا لما يجتمع له من أدلة تقنعه في مسائل الدين والعلم ووجه نشاطه في ذلك في هذه الوجهه التي طبعت حياته العقلية والمادية بطابعها فلم تلبث مظاهر هذه الشخصية القوية المستقلة أن أخذت في الظهور والإعلان عن نفسها بعد أن عاد إلى قرطبة
واستقرت له حياته فيها فلم يكفه أن خرج على المذهب المالكي السائد بين أهل الأندلس واصطنع مذهب الشافعي حتى تجاوز ذلك بعيداً الى مذهب آخر يرفض هذه المذاهب المعروفه جميعاً إذ يخالفها في أحد الأصول الأولى التي تبنت عليها القياس وذلك هو مذهب دواود الأصبهاني رأس المذهب الظاهري في الشرق.
وبدأ ابن حزم بذلك عهدا جديداً تعرض فيه لنوع آخر من الاضطهاد ،اضطهاد الفقهاء وجمهرة رجال الدين ،استطاع أن يثبت له ،كما بدأ عهداً جديداً من النشاط العقلي ،في تقرير مذهبه هذا وتوطيد أركانه والدفاع عنه ،ظهرت فيه شخصيته أقوى ظهور
بما كان يعقده ويديره من المناظرات المتصلة العنيفة بينه و بين هؤلاء الفقهاء . وقد أمدته ملكاته العقلية وشدة مراسه وطلاقة لسانه ومتانة خلقه ، بما أظهره في هذه الخصومة من الناحية العقلية ، وأذاع من شأنه في البيئات العلمية المختلفة .
وهكذا انصدع ما بين ابن حزم وأهل عصره وما زال هذا الصدع يتفاقم ويتسع منذ ذلك وما زالت الأعاصير تأخذه من كل جانب، وهو ماض في سبيله لايكاد يعبأ بها ،فهو يرى نفسه موکولاً إليه محاربة هذه المذاهب والآراء، وإذاعة المذهب الذي يراه المذهب الحق ،وأنه بأداء هذه الرسالة يحقق نفسه
وأن إيمانه بنفسه على هذا الوجه يجعله لايقيم وزناً لإنكار الناس وما يثيرونه عليه وما يحيطونه به من تشيع عليه بل إنه ليرى في موقفه من إنكار الناس فضيلة من اکبر فضائله ونقيبة من أجل ما يجب أن يحرص عليه من نقائبه (وهو اطراح المبالاة بكلام الناس واستعمال المبالاة بكلام الخالق عز وجل)
وبعد مدة قصيرة من مقام ابن حزم في قرطبة كان الحزب الأموي بقرطبة يقوى ويشتد وقامت الثورة على القاسم بن حمود وانتهت بخلعه وقد ولي الخلافة عبدالرحمن الناصري الملقب بالمستظهر وقد قرب هذا ابن حزم فكان من وزراءه ومن الذين قربهم أيضاً منهم ابن عم ابن حزم وهو ابو المغيره عبدالوهاب بن حزم
فلم يمضي وقت حتى وقعت الكارثة وقتل الخليفة المستظهر وانتهى ذلك الحلم الجميل لابن حزم وتولى بعد المستظهر محمد الملقب بالمستكفي ومن الطبيعي أنه لم يعد لابن حزم مكان في دولة المستكفي ومع ذلك فقد قذف به في ظلمات السجن هو وابن عمه عبدالوهاب وهكذا امتحن ابن حزم بالسجن مره أخرى.
ولم يستقر المستكفي في خلافته حتى قامت الثورة مجدداً ودخل الثوار قصره ولكن الخليفة تسلل هارباً متنكراً وأتيح لابن حزم أن يخرج من سجنه ولم تعد قرطبة مكانا آمناً لابن حزم فقد تركها مرة أخرى لاجئاً الى الأقاليم الشرقية في مدينة شاطبة وفي هذه المدينة وهذه الفترة وضع كتابه(طوق الحمامة)
وبعد فهذه صورة من مشاعر القلق والألم والضيق التي كانت تداخل نفس ابن حزم بعد أن تخلى عن السياسة وانصرف انصرافاً تاماً الى حياة العلم والدرس فلا عجب أن يتخذ هذا القلق الداخلي مظهراً خارجياً
فيكثر اضطرابه بين البلاد سواء كان ذلك نتيجة للمطارة المادية أم المعنوية فقد أشعره بالوحشة فأخذ يتنقل بين هذا البلد وذاك وكان ذهابه الى البونت مظهر من مظاهر هذه الحالة.
ثم انتقل ابن حزم الى ميورقة وكان واليها أحمد بن رشيق رجلاً مثقفاً بثقافة عصره وكان يشتغل بالفقه والحديث ويجمع العلماء والصالحين .
وفي هذه الجزيرة نجح ابن حزم في بسط مذهبه والظفر ببعض التلاميذ المعجبين به والمؤيدين له وعلى رأس هؤلاء التلاميذ (الحميدي) .
ولكن صفو الحياة الذي وجده ابن حزم في ميورقة لم يدم طويلا فلم تلبث الأيام أن تنكرت له ولم تلبث عوامل الحقد والحسد والبغضاء أن دبت دبيبها ذلك أنه لم يكن من الطبيعي أن يظل ابن حزم طويلاً متمتعاً بنعمة الروح والهدوء وهو من تعرف حدة مزاج وسلاطة لسان واعتداداً قوياً بالنفس
ثم هو الذي يدعو إلى مذهب في الدين جديد يخالف جميع ما ألفه الناس واستكانوا إليه واطمأنوا أجيالا به ولم يحك شيء في صدورهم من جهته وهو حين يدعو إليه لا يأخذ في دعوته بشيء من التلطف والترفق أو المجاراة والمسايرة و إنما كان يصك بها معارضه - كما يقول ابن حیان -صك الجندل .
و إذا كان وجد في حماية ابن رشيق ما مكن له من الاستمرار في دعوته طائفة من التلاميذ حوله فلم يكن ذلك لمنع الأحقاد والضغائن أن تتسلل إلى النفوس بل لعل ذلك كان مما يزيدها ويثيرها . وكذلك كان الأمر ولكن هذه الأحقاد والضغائن كان يمسكها في صدور أصحابها من فقهاء ميورقة
ما كانوا يستشعرونه في أعماقهم من ضالة أمرهم وهوان شأنهم وضعفهم عن جداله ومناظرته و يأسهم من إفساد نفس ابن رشیق عليه فظلوا يكتمون همهم ويكظمون غيظهم
دون أن يروا أنهم يملكون شيئا إزاءه و إزاء ما هو ماض فيه من استهواء هذه الطائفة من الشبان والأحداث ، الحميدي والعبدری
إلى أن هبط عليهم فرج الله من السماء إذ سبق إليهم (أبو الوليد الباجي) ، عائد
من المشرق. كان أبو الوليد الباجي شخصية علمية كبيرة فقد اعتمد على نفسه في تحصيل العلم وذهب الى المشرق لطلب العلم ولبث في رحلته ١٣ عاماً وبعد ما عاد من رحلته الى الأندلس سبقه إليها صيته على ما حصل من العلم
وما أفاد من تجربة فلم يكد يضع قدمه في موطنه الأول حتى راعته هذه الأصداء التي تتجاوب بإسم ابن حزم ومهاجمته لجميع الفقهاء وفي مقدمتهم مالك إمام ذلك الأفق منذ عهد بعيد وقد استقبل فقهاء ميورقة أبو الوليد الباجي وأثاروه على ابن حزم .
وانعقدت المناظرات بين الرجلين لا في الفقه فقط بل في الكلام أيضا فقد كان أبو الوليد مقدم الأشاعرة في الأندلس و بين ابن حزم والأشاعرة مانعرف من خصومة ولا ريب أن ابن حزم لقي خصماً من نوع جدید جعله يقول فيه (لو لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهاب إلا مثل أبي الوليد لكفاهم)
وأكبر الظن أن ابن حزم أنس أول أمره بهذه الخصومة و بما أتاحته المجالسه من نشاط وحيوية لعلهما كانا يشوقانه في هذه الجزيرة . ولكن الخصومة العامية لا تلبث حتى تذهب مذهب اللجاجة فإذا هي مرتع خصب تعيث فيه شهوات النفوس ونزعات القلوب والضغائن المستترة والأحقاد الكامنة
ولسنا نعلم على وجه اليقين الوجوه التي أخذتها هذه الخصومة والملابسات التي لابستها ولن لا نستبعد انها قد أتاحت أن تجد طريقها للسلطان ولكن أبو الوليد الباجي من الشخصيات المرنه التي تحسن عقد الصلة مع السلطان وإنهم ليحكمون عنه
أنه قال لبعض أصحابه وقد ذكر له صحبة السلطان ( لولا السلطان لنقلتني الذر من الظل إلى الشمس) فكان لذلك الأثر الكبير في بلوغ الدسائس الى غايتها حتى لم يجد ابن حزم بداً من أن يترك ميورقة .
وهكذا بدأ ابن حزم من جديد يضرب في الأرض ، و ينتقل بين هذا الإقليم وذاك ، يعاني ما يعاني من أحقاد الفقهاء وضغائنهم ودسائسهم وهو ماض في الدعوة لمذهبه وجمع التلاميذ حوله أينما حل يقرأ عليهم
ويقرر لهم رأيه مطبقا على أبواب الفقه وعلى مسائل الكلام وأخيراً انتهى به المطاف إلى أشبيلية.
ولم يطل بابن حزم المقام في اشبيلية حتى عاد الى ما تعوده من معاناة كيد الفقهاء له وسخط السلطان عليه وتجهم الجو حوله.
ولعل أهم الأسباب في فساد العلاقة بين ابن حزم والمعتضد بن عباد تلك الخرافة أو الخدعة التي وطد عليها أساس الدولة العبادية في أيام والد المعتضد حين زعم للناس
أن هشام بن الحكم المؤيد بالله لم يمت بعد وانه كان متخفياً متنكراً وانه وفق إليه وأحضره عنده ورد إليه حقه وأقامه في اشبيلية خليفة كسابق عهده في قرطبة وانه كخليفة جعل محمد بن اسماعيل والد المعتضد حاجبه وتمت بذلك الخدعة الكبرى التي استغل بها رجلاً شبيهاً بهشام المؤيد
وقد قال ابن حزم عن هذه الأسطورة:(واجتمع عندنا في صقع الأندلس أربعة خلفاء ، كل واحد منهم يخطب له بالخلافة ، بالموضع الذي هو فيه وذلك فضيحة لم ير مثلها دلت على الإدبار المؤيد . أربعة خلفاء في مسافة ثلاثة أيام في مثلها ، كلهم يدعي بأمير المؤمنين ، أخلوقة لم يقع في الدهر مثلها .
فإنه ظهر رجل يقال له « المؤيد الحصرى»، بعد اثنين وعشرين عاما من موت هشام ، فادعی أنه هشام ، وشهد له أنه هو قوم خساس من خصيان ونساء ، فبويع ، وخطب له على أكثر منابر الأندلس ، وسفكت الدماء به ، وتصادمت الجيوش في أمره . وأقام المدعى أنه هشام نیفا وعشرين سنة
والقاضي محمد بن إسماعيل في رتبة الوزير بين يديه ، والأمر إليه . وكان محمد بن القاسم الحسني خليفة بالجزيرة ، ومحمد بن إدريس بمالقة ، و إدريس بن القاسم يحيى بسبته)
وهكذا فلم يبق لهذا الشيخ رغم شيخوخته أن يخرج من اشبيلية ويمعن في الاتجاه الى الغرب نحو ذلك الأفق الذي نشأت عليه أسرته الأولى في لبلة.
ولكن لبلة قد صارت إلى حكم المعتضد بن عباد بعد طائفة من الحروب والمكائد
وأي شيء كان يملكه المعتضد في الإستجابة لهؤلاء الفقهاء لقاء هذا الشيخ الذي ناهز السبعين وقد ترك له اشبيلية ومضى بعيداً وانزوى في ذلك المنقطع من الأرض فلم يكن له إلا أن يؤذيه في كتبه وآثاره وذلك بحرقها وهكذا فقد حرقت كتب ابن حزم علانية في اشبيلية
وعرف ابن حزم أن هذا الوجه من وجوه الكيد له والصد عنه ولعله لم يزد عند ما بلغه من هذا الفعل على هذه الأبيات:
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي
تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي
وينزل إن أنزل ويدفن في قبري
دعوني من إحراق رق وكاغدٍ
وقولوا بعلمٍ كي يرى الناس من يدري
وإلا فعودوا في المكاتب بدأةً
فكم دون ما تبغون لله من ستر
وهذه حياة ابن حزم وقد جاوز السبعين من العمر فتمثل الموت ورأى نفسه وقد فرغ من هذه الحياة فتعزى بهذه الأبيات:
كأنك بالزوار لي قد تناذروا
وقيل لهم أودي علي بن أحمد
فيارب محزونٍ هناك وضاحك
وكم أدمعٍ تذرى وخد مخدد
عفى الله عني بوم أرحل ظاعناً
عن الأهل محمولاً إلى بطن ملحد
وأترك ما قد كنت مغتبطاً به
وألقى الذي آنست دهراً بمرصد
فواراحتي إن كان زادي مقدماً
ويا نصبي إن كنت لم أتزود
توفي ابن حزم رحمه الله سنة ٤٥٦ هجري وكان عمره ٧١ سنه وقد ترك ثروه من آثار عقله الكبير وروحه النشيطة فقد بلغت تواليفه في الفقه والحديث والأصول والملل والنحل وغير ذلك من التاريخ والنسب وكتب الأدب والرد على المعارض نحو أربعمائة مجلد
فلا عجب أن قال أحد ملوك الأندلس المتأخرين وقد مر على قبره ووقف عليه بعد وفاته بمائة عام(كل العلماء عيال على ابن حزم)

جاري تحميل الاقتراحات...