قبل كل رأي لازم الواحد يتكلم عن قصة هذا المسلسل بكل تجرّد حتى لا يُتّهم بأنه متحامل على جهة على حساب جهة أو تيار معين.
المسلسل يتكلم عن فتاة (١١ سنة) تشق طريقها "الفني" لرقص التعري، ويستعرض المسلسل خلال حلقاته هذه الرحلة حتى تصل لمبتغاها.
شيء مهم لازم نعرفه..
الصناعة السينمائية والتلفزيونية بآخر ١٥ سنة علمتنا شيء واحد؛ وهو أن النظر للأعمال ببراءة هو نوع من السذاجة، والوقوف في موقف الحياد وادعاء الجهل بالقصد سذاجة مضاعفة.
الصناعة السينمائية والتلفزيونية بآخر ١٥ سنة علمتنا شيء واحد؛ وهو أن النظر للأعمال ببراءة هو نوع من السذاجة، والوقوف في موقف الحياد وادعاء الجهل بالقصد سذاجة مضاعفة.
كل صناعة في أي مجال بالعالم لها استراتيجية، والعالم المرئي تحول من فن إلى صناعة، وهذا يعني بالضرورة أن له استراتيجيات وسياسات.. هذا واضح لكل من تابع هذا العالم آخر ١٥ سنة وكان مواكب لكل تطوراته.
كلامي لا يعني أننا بصدد مؤامرة معينة، ولكن إتاحة الحرية من أجل حصد الأموال أتاح الحرية لبعض صناع السينما والتلفزيون للعمل على استراتيجيات معينة لكسب الدولارات.. كل ما في الموضوع أن هنالك منتج يملك استراتيجية ويريد من ورائها مالاً.
نحن لسنا بصدد مؤامرة على فريق أو جهة معينة، ولكن الواضح والصريح في نتفلكس منذ تدشين منصتها وهي تحاول إبراز فئات معينة بطرق مستفزة ولا داع لها أساساً.
تخيل مثلاً مشهد ملاحقة بين شرطي ولص وفجأة تشوف لقطة فرع فرعية (مدتها ثانية) على الجانب؛ رجل في أحضان رجل آخر، وتكرار هذه اللقطة بأساليب مختلفة يدل على القصد بوضوح، واعتبار ذلك من سبيل المصادفة سذاجة واستغفال.
توجه الشركة واضح وصريح، وهو أنها تريد أن تعزز من انتشار هذه الأخلاقيات في الأجيال الجديدة، وهذا المسلسل امتداد لتلك الاستراتيجية، ويبدو أنها تعبت من التلميح وأعلنتها بصراحة.
طيب هل الأمريكان مع هذا التوجه؟ ليس كل الأمريكان مع هذا التوجه، هنالك ممن يرفض نشر هذه القيم وتلويث أخلاقيات المجتمع بهذه الأفكار، بل ويعتبرها موجة قوية مقصودة لهدم أخلاقيات المجتمع وإعادة صياغتها.
بل حتى بعض أفراد التيار اليساري والذي يشرّع نشر هذه المواد يرفض هذه الإنتاجات ويعتبرها خطة إباحية علنية، وهذا واضح لكل من يعيش في واقعنا اليوم.
الإشكالية كلها في العرب الذين يحضون على قبول هذه الأفكار برحابة بالغة، ويحاولون عقلنة هذه الأخلاقيات في إطار "العالم صار يقبلهم وإحنا ليش ما نقبلهم؟".. يعني هذا العالم لو قال بيوم من الأيام داعش تنظيم شرعي لازم نقبل فيه؟!
هؤلاء المؤيدين لنشر هذه القيم في المجتمع يحاولون تصوير دائماً بأن المجتمع الأمريكي والعالمي موافق، وبغض النظر عن كذب هذا التعميم، ولكن ما دخل اتفاق المجتمعات على صحة فكرة من عدمها؟!
لا محل للاتفاق هنا أصلاً والأفكار صريحة.
لا محل للاتفاق هنا أصلاً والأفكار صريحة.
أقل تقدير أقول لك روح وشوف كومنتات إنستقرام لما نتفلكس تحط إعلانات هذي النوعية من المسلسلات والأفلام، رفض واستهجان وسخرية أكثر من المؤيدين.
المشكلة لا تقف عند هذا الحد فحسب، بل أن هذا التيار الذي يدّعي ضرورة بسط ونشر الحريات يقمع رأيك ويشنع عليك بمجرد الوقوف في وجه أفكاره، ومع الأسف أن مؤسسات السوشل ميديا وإداراتها تدعم هذا المفهوم الزائف من الحرية الذي يدّعونه.
التيار اليساري العربي هو التيار الذي يستقبل الأفكار الحداثية العالمية بأثر رجعي، وهو التيار الذي لا يملك تأسيساً واحداً على الأقل لأي فكرة أخلاقية ينشرها، وإذا سألته كيف تبرر أن هذا صحيح؟ فيقول: إجماع العالم + هذه الفكرة لن تضر أحداً 😅
هل هذا تنظير؟ عيب والله.
هل هذا تنظير؟ عيب والله.
علماء الاجتماع دائماً يقولون نقطة مهمة: لو أردت غرس فكرة في المرء ابدأ بلاوعيه، وطريقة التأثير في اللاوعي هو إما بالإعلام أو التعليم.
وهذا ما نشاهده اليوم؛ والعجيب أن عملية الغرس هذه لم تكن في مشاهد رمزية أو خفية، بل واضحة وصريحة في قلب المشهد، وتستفرد فيها الكاميرا والشاشة!
ما يحدث اليوم استهداف صريح للقيم والمبادئ، ومحاولة تجاوز الأخلاق بهذه الحداثة الركيكة، حداثة لا تملك تأسيساً واحداً ولا تبريراً واحداً لأي قيمة وأي فكرة تطرحها، وكل ما يريده اللوبي المسيطر في هوليوود يكاد يكون في حكم المقدس الذي لا يُمس، وإلا فستُتهم بالتخلف والرجعية!
ما القصد بالتبرير أو التأسيس؟ هو وجود مرجعية فكرية تؤصل للفكرة وتضع لها حجر أساس أثناء التحدث عن شرعيتها إن أردت إلزام أحد بها، مثل العالم عندما يستدل على شيء ما فهو يضع استدلاله على الثلاث الركائز المعروفة، وبالمثل عند أي تأصيل أخلاقي.
الحياة الآن أخذت منعطف مغاير، وباتت الأفكار والاتجاهات تدخل عليه في كل إعلان وفيلم ومسلسل وعبر كل وسيلة تواصل اجتماعي، لأن العديد من الاختصاصات تحولت من فنون إلى صناعات.
كل ما علينا هو النظر بجدية، يؤسف جداً أن عصر النية السليمة مات، أصبحنا في عصر تتحكم اللوبيات في أعماله واستراتيجياته، والمشاهد البريء صار في حكم المتفرج الأبله الذي يتشرّب الأفكار بلا رادع.
جاري تحميل الاقتراحات...