Dr. Ahmed Alojairi
Dr. Ahmed Alojairi

@Dr_Alojairi

32 تغريدة 150 قراءة Aug 20, 2020

"لا تصير بيروقراطي"!
"ذبحتنا البيروقراطية"!
 
سلسلة تغريدات خفيفة (ثريد) خارج النسق المعتاد..
قراءة هادئة لنظرية "البيروقراطية" في صورتها الأصلية..
سأحاول الكشف عن بعض جوانب الجمال في "البيروقراطية"🙃
 
اقرأ أولاً ثم احكم..
احفظها في المفضلة❤️
سلسلة متجددة🔃
قراءة ممتعة😊

سأحاول عرض نظرية "البيروقراطية" على طريقة:
اسمع مني، ولا تسمع عني😊
سأستعرض في البداية نظرية "البيروقراطية" كما جاءت على لسان أشهر منظريها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر..
بالمناسبة تكتب ويبر وتنطق بالألمانية فيبر😉
سنحاول فهم جذورها، ومنطلقاتها، والسياق الذي ولدت فيه..

سوف يكون النقاش بالتحديد عن النموذج "الإداري" البيروقراطي..
بمعنى؛ لن أتحدث عن صور البيروقراطية القديمة، وتطبيقاتها المختلفة في شتى العلوم والأزمنة، والذي يُرجعه البعض إلى العصر الفرعوني..
الطرح هنا سيكون محدد عن البيروقراطية في العصر الحديث، وبالتحديد في المجال الإداري..

البعض لديه موقف محسوم من "البيروقراطية"..
لنتفق -على الأقل- بأن مفهوم "البيروقراطية" من الأمور الجدلية..
القابلة للأخذ والرد..
هذه المرونة الذهنية مهمة.. لرؤية الوجه الآخر الجميل للبيروقراطية أو بصورة أقل حدة لنرى الوجه الأقل قبحاً😉
يعني تفكير بصوت.. وسّع صدرك، وكبّر مخك😊

لابد من التفريق بين النظرية في صورتها المثالية وبين الممارسات والتطبيقات..
قد تكون النظرية جيدة في أصل تكوينها لكن هناك من طبقها بصورةٍ خاطئة أو بصورةٍ حَرفية دون مراعاة للسياقات التي تصلح لتطبيق النظرية..
هذا الفصل بين النظرية والتطبيق
يجعل الشخص أكثر اتزاناً في الرؤية.

البعض للأسف لا يعرف من "البيروقراطية" إلا الالتزام الأجوف بالأنظمة والقوانين والجمود في سلوك الأفراد والبطء في اتخاذ القرارات!
ولا غرابة أن نجد مصطلح "بيروقراطية" و"بيروقراطي" يتصدر الكثير من المقالات الصحفية والبرامج التلفزيونية.. حتى صارت البيروقراطية حديث من لا حديث عنده😉

لنتفق مبدئياً..
أن أي كلمة لها دلالة أو حمولة إيجابية (positive connotation).
مثلاً؛ حين نسمع كلمة "فريق"
يتبادر لأذهاننا صورة إيجابية
مع أن "العصابة" في حقيقتها فريق😉🔫
"البيروقراطية"
كلمة ذات دلالة أو حمولة سلبية (negative connotation)
والمطلوب تحرير المصطلح ثم الحكم عليه.

هذه المقدمة مهمة..
لأن وجود دلالة إيجابية للمصطلح الإداري لا يعني بالضرورة أن التطبيقات والممارسات صحيحة، والعكس بالعكس.
خذ مثلاً
التمكين
إشراك المستخدمين
دعم الإدارة العليا
مفاهيم إيجابية قد توظف بطريقة سلبية.
بل إن أحد أكبر قصص الفساد الإداري حدثت باسم "التدقيق المحاسبي"😊

خذ مثال آخر..
على افتعال مشكلة بسبب التحيز السلبي للمصطلح أو ضده..
هناك معركة متوهمة بين "الكم" و"الكيف"..
حين نضع "الكم" في مقابل "الكيف"..
يتبادر إلى أذهاننا دلالة سلبية لمفهوم "الكم"..
مع أن "الكم" طريق "الكيف"..
و لا "كيف" بدون "كم"!
وصدق الأوائل:
"قمِّش ثم فتِّش"😉

بالطبع لفهم أي نظرية لابد من فهم السياق التاريخي الذي خرجت فيه..
لماذا؟
حتى نفهم العوامل المؤثرة في تشكل النظرية، والإشكاليات التي جاءت لإصلاحها..
لابد من تتبع تطور النظرية، وبناؤها المادي والبشري..
حين يتم تناول النظرية بصورة مجردة من الظروف المحيطة.. لا يتم فهم المعنى..

تعود بدايات حكاية "البيروقراطية" إلى عهد النظام الإقطاعي في أوروبا، والذي يقوم على إدارة الفرد والاحتكار.
خرج النموذج البيروقراطي كبديل يرفض هذه الممارسات الإدارية الخاطئة، ويدعو إلى العمل الإداري المستند على القانون والأسلوب العقلاني وليس الأهواء والميول الشخصية والارتجالية.

ترافق بروز "البيروقراطية" مع عصر ما بعد الثورة الصناعية حيث برزت الحاجة إلى وجود نظام إداري يستطيع التعامل مع التوسع الهائل في الإنتاج الصناعي.
وصعوبة قيام شخص واحد بأعمال متعددة ومعقدة في آن واحد.
هنا برز نجم عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864-1920)، ونظريته البيروقراطية

كان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر أشهر من درس البيروقراطية رسمياً، ويطلق عليه "أب نظرية الإدارة البيروقراطية" وأدت أعماله إلى تعميم هذا المصطلح من خلال مقالته "البيروقراطية"، وكتابه الاقتصاد والمجتمع
حيث وصف فيبر العديد من الأشكال المثالية النموذجية للإدارة العامة والأعمال.

حاول ماكس فيبر من خلال نظرية "البيروقراطية" الوصول إلى المؤسسة المثالية التي تكون فيها العلاقات الإدارية مدروسة مسبقاً بأسلوب علمي..
على صورة تعليمات رسمية يعمل جميع أفراد المؤسسة على تنفيذها؛ مما يحقق الاستقرار والثبات لهذه المؤسسة..
حتى ولو تغير جميع أفراد المنظمة..

في ضوء رؤية "ماكس فيبر"..
يجب أن تكون "البيروقراطية" مرادفاً للنظام والاتساق والعقلانية والموثوقية والعدل والثبات.
من أجل الوصول إلى هذه السمات
تحتاج المنظمات إلى قواعد تفصيلية محددة ودقيقة وواضحة، والتأكيد على أن هذه القواعد هي المستند للعلاقات الإدارية وليس الأمزجة الشخصية.

تعريف "البيروقراطية" في رؤية ماكس فيبر:
هي أنموذج من الهيمنة العقلانية تبنى فيه السلطة على أساس قانوني يحدد بشكل علمي العلاقات الإدارية بطريقة تلغي الولاءات الشخصية.
الطاعة في تنفيذ الأوامر لا تعود إلى شخص الرئيس الإداري إنما تعود إلى اللوائح القانونية التي يستند عليها الرئيس.

هذه بعض سمات النموذج "البيروقراطي":
1)تقسيم العمل مع تحديد الصلاحيات
2)تسلسل هرمي للوظائف
3)قواعد قانونية وفنية وموضوعية (لا شخصية) تحدد السلوك الواجب اتباعه
4)الفصل بين الموقع الإداري وشاغله لإلغاء حالة التملك وتوريث الوظائف
5)الترقية التدريجية حسب القِدم وعلى معايير موضوعية.

قد تقول:
يعني أفهم منك أن "البيروقراطية" حاجة كويسة😃
لا.. لا.. لم أقل هذا..
ما أريد التأكيد عليه أن "البيروقراطية" في أصلها ليست فكرة غبية كما يصورها البعض..
بل نظرية جاءت لإصلاح إشكاليات إدارية عميقة..
بالطبع هذا المنطلق النبيل لوحده غير كافي لتزكية الفكرة وتطبيقاتها..

أعود للتأكيد بأن النموذج "البيروقراطي" في الصورة التي طرحها "ماكس فيبر" قد تختلف عن التطبيقات، والممارسات التي جاءت من بعده..
والتي قد تؤدي إلى تحريف وتشويه النظرية في صورتها الأصلية..
النظرية في الأصل عبارة عن الترشيد العقلاني للعمل، وتأطير العلاقات الإدارية على أساس قانوني..

تنقسم كلمة "بيروقراطية" (Bureaucracy) إلى كلمتين:
Bureau وتعني مكتب
Cracy  وتعني حكم
وبذلك يصبح المعنى اللغوي للبيروقراطية هو "حكم المكتب" أو الحكم عن طريق المكاتب..
في إشارة للرجال الذين كانوا يجلسون خلف المكاتب الحكومية، ويمسكون بأيديهم السلطة😊

أهم سمة في النظام الإداري البيروقراطي هو وجود تسلسل هرمي للسلطة، وتقسيم واضح ومحدد للعمل، وتخصص المهام، بالإضافة لوجود قوانين وأحكام وإجراءات تطبق بصرامة..
كل هذا الهدف منه هو محاولة حماية أفراد المنظمة من الاحتكار الإداري أو المزاجية أو الولاءات الشخصية على حساب مصلحة العمل!

أهم ملامح الموظف في التنظيم البيروقراطي -في ضوء رؤية ماركس فيبر- هو الولاء التام للوظيفة، ولمصلحة العمل والمنظمة؛ حيث يعتبرها مهنته التي يخصص لها كل وقته وجهده، ويستمد منها مركزه، وأهميته واحترامه، كما تعتبر كل مستقبله وتطوره الوظيفي..

أسمع كلامك يعجبني..
أشوف أفعالك أتعجب😊
المعروف عن "البيروقراطية" هي الإفراط في استخدام السُلطة أو التمسك بصورة حرفية في تطبيق الأنظمة، والمماطلة في إنجاز الأعمال، وفقدان روح النظام..
 
أين الجميل في البيروقراطية؟!
طيب.. لنستعرض المنظمات التي تصلح معها "البيروقراطية" وتزهر😉

أولاً؛ يعزز "التنظيم البيروقراطي"
الموضوعية واللاشخصية (Impersonality)
فالعلاقة بين الرئيس والمرؤوس علاقة تقوم على أنظمة وقوانين وتعليمات تحكم جميع الأفراد دون تميز، ولا دخل للاعتبارات الشخصية فيها، ولا يعترف هذا التنظيم بعلاقات الصداقة أو الممارسات الانفعالية أو العاطفية.

ثانياً؛ توافر سجلات موثقة (Written Records) لكافة الإجراءات والتعاملات
تساعد المنظمة في إعداد التقارير أو صنع قرارات أو في عملية التقييم.
هذا "الروتين" الذي يراه البعض جموداً.. هو في حقيقته "ذاكرة طويلة" للمنظمة والتي تعتبر مكوّن رئيسي للمنظمة المتعلمة (Learning Organization)

طيب ما ترسي على بر😊
البيروقراطية جميلة أم قبيحة؟
سؤال ذكي..
هي جميلة من وجه، وقبيحة من وجه آخر😉
كيف؟
البيروقراطية أداة إدارية إذا استخدمتها في غير ما صنعت له.. ستعطيك نتائج مشوهة وضعيفة، ولن تساعد في تحقيق أهداف المنظمة..

من الواضح أن "الآلة" كان لها تأثير في صناعة "البيروقراطية".
الآلة تعمل بانتظام وميكانيكية دقيقة.
بينما الإنسان متحيز..مزاجي..غير موضوعي!
ماذا لو قمنا بتحويل المنظمة البشرية الناقصة إلى نظام يشبه الآلة الكاملة (Machine-like-system)؟
أهلاً بك في عالم المكننة و"البيروقراطية"😊

"الآلة" هي مفتاح فهم "البيروقراطية"..
متى تعمل الآلة بكفاءة؟
1)بيئة مستقرة (Stability)
2)أعمال تتسم:
أ)اليقين (Certainty)
ب)منظمة (Structured)
ج)بسيطة (Simple)
"البيروقراطية" مثل "الآلة"
تنجح في العمل في بيئة مستقرة، ومع أعمال تتسم بعدم الغموض والتنظيم والسهولة والتكرار.

إليك مثال على قطاع تنجح فيه "البيروقراطية":
قطاع "البريد" من المنظمات ذات الأنشطة الروتينية في بيئات عمل مستقرة.
ضع "البيروقراطية" في مثل هذه البيئات وستزدهر.
بإمكان التقنية إلغاء العنصر البشري بحيث يمكنك إرسال الشحنة ومتابعتها واستلامها لوحدك.
فقط أنت والآلة الصماء العمياء😉

بالمناسبة، هل تتخيل نفسك تركب مع كابتن طائرة ليس بيروقراطي..لا يحتكم للأنظمة، ومتوسع في الاجتهاد، ويؤمن باختصار الإجراءات (Shortcuts)؟
هل ستسلم قلبك لطبيب جراح ليس بيروقراطي..يختصر في إعداد غرفة العمليات، ويجتهد في استخدام أدوات العمليات؟
لا أتوقع ذلك..على الأقل بالنسبة لي😉

الخلاصة؛ البيروقراطية -في نظري- ليست مرضاً من أمراض الإدارة.
هي "أداة" يخطئ البعض في استخدامها، و يسيء بعض المدراء في طريقة تطبيقها..
تحولت "البيروقراطية" لدى البعض من وسيلة لخدمة العمل إلى هدف وغاية في حد ذاتها!
برأيي؛ المشكلة ليست في "البيروقراطية" بل في "البيروقراطيين"😉

انتهت سلسلة تغريدات (ثريد):
"البيروقراطية الوجه الآخر"..
أتمنى أنني استطعت إقناعكم -ولو جزئياً- بأن "البيروقراطية" ليست ديناصور إداري يجب أن ينقرض!
"البيروقراطية" -في نظري- ملاكم من الوزن الثقيل..
لا تدخل به منافسات وزن الريشة، وأبشر بالبطولات الإدارية😉
ألقاكم على خير🌹

جاري تحميل الاقتراحات...