سليمان الناصر
سليمان الناصر

@salnasser

11 تغريدة 49 قراءة Aug 17, 2020
في اللسان العربي يستعمل اسم(الحق) ليشمل الحقَ والواجبَ جميعًا، فـ(الحق) يشمل الحق (الذي لنا) والحق(الذي علينا= الواجب)، فحقوقنا واجباتٌ على غيرنا، وهي حقٌ عليهم لنا، وواجباتنا هي حقوقُهم وهي الحق الذي لهم علينا، فكلها حقوق لا تنفصل،=
وهذا التعالق اللغوي بين الحقين(الذي لنا والذي علينا) منبهٌ على وجودهما متساويين بنفس القدر والقدرة، أشبه بالترابط الشرطي، فإذا ما انفكّ هذا الترابطُ الوثيق أنزلق أحدهما جهة الغلو وبالآخر جهة الإهمال، ويغلب على المجتمعات المحافظة تغليب الواجباتِ على الحقوق، بسبب ترسّخ مبدأ أولوية=
المجتمع على الفرد، فيؤدي هذا إلى تسويغ المظالم الفردية والتهوين من وجوب رفعها، وبالمقابل تميل المجتمعات الفردانية إلى تقديم الحق وإهمال الواجب، وما يتبع هذا من سلبيات لا يصعب إدراكها، كالاضرار بالمجتمع وروابطه وضماناته الإخلاقية، فالاستعمال الحداثي- لمفهومي الحق والواجب- تطور =
خلال القرنين الماضيين حيث تحول المجتمع الأوروبي من أزمنة "تغوّل الواجب" وتمهيش الإنسان-فضلًا عن حقوقه-إلى حقبة مركزية الحقوق، رغم استمرار حضور مفهوم الواجب، إلا أن المراحل المتأخرة من الحداثة بالغت في مركزة الحقوق وأضعفت الصِلة بينها وبين الواجبات، =
ثم آل الآمر إلى تراجع مفهوم الواجب الفردي، وظهور ما سمّاه أحد مؤرخي الأخلاق الغربيين بـ (أفول الواجب)، نفهم من هذا أن التفريق بينهما يؤول إلى الانفصال بينهما كما هو ملاحظ تأريخيًا ومدرك مفهوميًا، في حين أن الوصل بينهما يؤكد تلازمهما بما يجعل الانسان يدرك أن ماله مرتبط بما عليه،=
فإسقاطه ماعليه أو تساهله فيه يفضي إلى سقوط حقه هو والتساهل فيه، وكذلك يعلم الآخرون أن تساهلهم في حقوقنا يؤول إلى تساهلنا في واجبنا تجاههم والذي هو حقٌ لهم.
من هنا يتضح أن التفريق بين الحق والواجب يحوِّل (الحق)إلى (حظ)، و(الحظ) لا ثمن له، بل نحصل عليه مجانًا، =
فلا نشعر بضرورة الإلتزام بما علينا من حقوق، في حين أن "الحق الذي لنا" ثمنه ( الحق الذي علينا= الواجب)،
وتحوُّل الحقوق إلى حظوظٍ مستحقة مجانًا يسبغ عليها عدة سمات مثل التكاثر السريع والتوسيع بلا حدود والغلو المفضي إلى التأبيد والتضارب. =
وبلا ريب فإن تضخم الحق الذي لنا وتضاؤل الحق الذي علينا يفضي- من جهةٍ أخرى- إلى تضخم ذاتنا وتقزيم الاخر، وإلى تسرطن شعورنا بالتملك والتسيّد، وبالمقابل غروب الواجب هو غروب للأخلاق، أو على الأقل ارتخاؤها وليونتها وضعفها، =
بحيث تكون أخلاقًا بلا لزوم، أخلاقًا ناعمة- غير مؤلمة- لا ضير من تجاوزها واهمالها إذا شكّلت أدنى عائقٍ دون رغباتنا، في حين أن الواجب والشعور بالإلتزام( بغض النظر عن نعومته أو خشونته) هو ركن الأخلاق الركين وسقوطه سقوط للأخلاق حكمًا ومن ثمّ وجودًا، =
فالسلوك الأخلاقي لايطلب الانتفاع بقدر ما يطلب الالتزام، إذ أن الالتزام يجعل النفع الخاص مرهونًا بالنفع العام، وإذا كان الحق قد ينقلب حظًا فإن الواجب لايزداد إلا وجوبًا لقربه من الكُلفة، فهو أضمن للنفع المتعدي، وهذا هوجوهر التلازم بين الحق والواجب، الحق الذي لنا والحق الذي علينا،=
وكم تطول الدهشة في تأمل حديث:
"أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟"، ومع حفظ الفارق اللامتناهي بين الخالق والمخلوق، وكذلك بين علاقة مخلوق بمخلوق وبين علاقته بالخالق، إلا أن هذا الربط بين حق الخالق وحق المخلوقين يفتح أفقًا تأمليًا مدهشًا جامعًا بين الجلال والجمال.

جاري تحميل الاقتراحات...