شادي باداود Shadi
شادي باداود Shadi

@Shadi_Badawood

65 تغريدة 98 قراءة Aug 17, 2020
المرحلة الأولى (جدة - الشميسي)
وفي تمام الساعة ٨م يوم الأحد ٢ أغسطس، انطلقت من محطة الرحيلي بعد أن أوصلني شقيقي مهند إلى هناك.. ولا أنكر أن شيئاً من الخوف ارتابني حينها؛ فساعة الجد حانت ولا مجال للتراجع عن الهدف والوجهة التي أقصدها.. ولكن توكلت على الله وأخذت بالأسباب.
كنت أتوقع أن تستمر الرحلة ٣ أيام، ولكن الحسابات اختلفت على أرض الواقع خصوصاً مع تضاريس المدن والمسارات التي سلكتها.. وبدأت أسير بمحاذاة طريق جدة-مكة السريع وكنت أرتاح قليلاً بعد كل ٢-٣كلم وأواصل حتى وصلت (بحرة) الساعة ٢ص وذلك لان حقيبة الظهر كانت ثقيلة نوعاً ما..
بدأت أشعر بالانهاك حينها، ووجدت كثبان رملية عالية في منتصف الطريق تقريباً، وقررت أن أجلس هناك.. استفدت من الأدوات التي أحملها واستمتعت بجمال المكان وضوء القمر .. وما أن تمددت على ظهري وأبحرت في السماء؛ إلا وأدركت حينها أنها رحلة تأمل في المقام الأول
وجدت أن الوقت تأخر؛ فواصلت المسير ..وقد أوشك الماء على النفاذ وجلست جانباً من التعب والعطش بالقرب من الطريق العام. وإذا بسيارة الشرطة تقف بمحاذاتي،وكان يقودها شاب خلوق من جيزان.. بعد أن تحقق من هويتي، بادرتهُ قبل أن يسألني: هل هناك بلاغ بشأني😀؟ قالها وهو مبتسم:نعم بلاغ من مواطن.
قال هذا أمر وارد وأنت تعلم كونك قريب من الخط العام.. قلت والله ما جلست هنا إلا من شدة التعب. فقال: كيف أقدر أساعدك؟ قلت شكراً يكفيني أدبك ولطفك. فأعاد سؤاله أكثر من مرة حين علم أن الماء نفذ والمحطة المقبلة بعيدة جداً.
فقلت كل ما أحتاجه هو الماء الآن..قال إصعد لأوصلك للمحطة إذاً،وأعيدك لمكانك فيما بعد.قلت لا أريد أن أسبب لك حرجاً..
فذهب بنفسه وأحضر لي الماء وأظهر بفعلهِ هذا أخلاق وإنسانية رجال الأمن.شكرت في نفسي حينها ذلك المواطن الذي قدم البلاغ،فلم يعلم أن ببلاغه هذا أرسل لي رجلاً شهماً أنقذني
وبعد المشي لمسافة ليست بالقصيرة أصبحتُ قريباً من جسر تفتيش الشميسي، وكانت الساعة حينها ٧.٣٠ص، وسلكت بعد ذلك طريق غير المسلمين والذي يؤدي الى مدن الساحل وكذلك الطائف.. ووصلت محطة الحياة وأنا منهك القوى تماماً، فاستأجرت غرفة بالساعات كانت متوفرة لديهم ونمت حتى٤م.
لم أشعر بنفسي.. استيقظت وخرجت للمحطة التي تتواجد في أرجائها جميع احتياجات المسافر كونها في موقع استراتيجي يؤدي لـ الشعيبة وكذلك الجبل وعدة قرى ومدن.. غسلت ملابسي في مغسلة وأكلت وجبة خفيفة وتوكلت على الله في الساعة ٦م
بدأت المرحلة الثانية (الشميسي-دفاق) في اليوم الثاني، وهي مرحلة "خط الخواجات" كما يسميه البعض..وهو خط خالٍ من المحطات والخدمات وامتداده حوالي ٦٢كلم. سرت فيه طوال الليل وهذه المرة بكمية ماء كافية،لكن المشكلة كانت في قداماي أصبحت تؤلماني جداً ولابد لي من فترة راحة ليست أقل من ساعتين
كان زوجتي على تواصل معي، فاقترحت عليها أن تزورني مع الأولاد، وفعلاً قدمت وجلسوا معي مايقارب ساعتين، ووجدتها فرصة لأغسل قدماي بالماء البارد ووضع الدهان عليها. ثم غادروا وواصلت السير، وكان ذلك في منتصف طريق الخواجات الساعة ١٢ص..
سِرت وسط ظلامٍ حالك حتى أشرقت الشمس، وجلست لأتناول الفطور وبعدها أبحث عن مكانٍ أنام فيه..ولم أجد سوى مسجد على قارعة الطريق يأويني. إلتفت يمنةً ويسرة لعلي أجد أحداً،لدرجة أنني توقعت أنه خيال!
كان المسجد نظيفاً؛فحمدت الله واستلقيت فيه بعد أن تحممت وغسلت ملابسي ع يدي في دورات المياه
لم يكن نوماً عميقاً بقدر ما كان غفوات متقطعة.. دخل وقت الظهر، وبدأ بعضاً من المسافرين يدخلون المسجد لتأدية الصلاة، شعرت وكأني سادن المسجد :) .. كانت الشمس في كبد السماء بالخارج ودرجة الحرارة عالية.. فانتظرت حتى العصر لأكمل المسير..
لملمت أمتعتي ورحلت ولما يتبقى سوى مسافة قصيرة على مفرق الشفا والهدا، وحين وصلت؛ سلكت مسار (دفاق) المؤدي إلى جبل الشفا. وجدت بائعاً للبطيخ يجلبه من وادٍ قرب الرياض، جلست في خيمته وأكلت من البطيخ ما أكلت، وبعدها توكلت على الله..
#هايكنج #رحال
اقتربت الساعة من السادسة وأردت أن أصل المحطة الأولى قبل الظلام، فاجتزت نقطة محافظة البيضاء ووصلت للمحطة.. وعلى الفور خلعت حذائي وجلبت اناءاً من محيط المكان ووضعت فيه ثلجاً وماء ونقعت قدماي للتعافي من التورم والآلام..
كان جوالي في ذلك الوقت مغلقاً .. وصديقي العزيز د.رامي الباشا أحد رواد الهايكنج كان يحاول الوصول إلي. وبالصدفة بعد أن فتحت جوالي اتصلت عليه، وإذا به يقول: يا أخي الحمدلله انك فتحت جوالك، بحثت عنك في كل زاوية. وكان قد استعان بصور وإحداثيات سناباتي الأخيرة..
لم يمض وقت طويل إلا وهو في المحطة؛ وأنا أتجهز فيها لقطع الجزء الأخير من المرحلة الثانية.. ولقد وصل في الوقت الذي تكسر فيه ظهري من الحقيبة، فاقترح علي استبدالها بأخرى صغيرة جداً كوني اقتربت من الجبل، كما وأنه سيلتقي بي غداً حيث أكون ومعه الحقيبة الكبيرة..
ودعّت صديقي د.رامي في الـ١٠م وسرت في طريقٍ تكاد تكون فيه شبكة الاتصال معدومة.. إنهُ طريق (دفاق - ١٩كلم) ولا توجد فيه سوى محطة واحدة في منتصف الطريق الذي يسوده ظلامٌ دامس، ولا أرى سوى ضوء القمر، وأصوات الكلاب الضالة تنبح..
استعذت بالله وحاولت التركيز على الطريق والوصول إلى المحطة التالية، وما أن وصلت الساعة ١٢.٣٠ إلا وأنا في محطة أم الزُلّة، إلا أن المفاجأة كانت عندما وصلت ووجدت المكان كُلهُ في سكونٍ تام :(..
اتجهت مباشرة للمسجد وكنت أدعو أن لا يكون مغلقاً، والحمدلله أنه كان مفتوحاً..
هذه المرة كانت الحشرات الصغيرة في أرجاء المسجد ولم استطع النوم، سوى التقلب وأخذ غفوات .. خرجت من المسجد أكثر من مرة ووجدت ٣ أو ٤ بيوت تحيط بالمسجد والمحطة، إلا أن السكون كان مخيّماً على أرجاء المكان.. والمفاجأة الأكبر هي إنقطاع الشبكة تماماً!
حان وقت الفجر ولم يظهر أحداً بعد من القانطين هناك.. ولكن رجل هندياً حضر بعد الوقت بثلث ساعة.. عرفني بنفسه وصلينا سوياً. سألته عمن يسكنون هنا قال لن ترى أحداً قبل الـ ٦.٣٠ص. فقلت كم تبلغ المسافة من هذه المحطة حتى (دفاق)..
قال تقريباً ٥كلم، فاندهشت وقلت عظيم! هذا يعني أنني قطعت أكثر من نصف المسافة، وللأسف أن شبكة الانترنت لا تعمل ولا الاتصال حتى أتأكد.. وأكملت السير بعدها، وبدأت الشمس تشرق وحرارة الجو تزيد. ولا أرى سوى طريق طويل دون تعرجات وتبدو الجبال في نهايته..
#هايكنج #هايكنج_السعودية
لم أصل دفاق (ديار هُذيل أبناء عمومة قريش) إلا وأنا منهك وأجر رجلي جراً على الأرض.. إنه (المثلث) كما يطلقون عليه؛ نهاية المرحلة الثانية وبداية الثالثة والأخيرة.. وهو نقطة التقاء ٣ طرق: البيضاء وجبل الشفا ووسط القرية او الوادي..
من الواضح أن المسافة الأخيرة التي قطعتها لم تكن ٥كلم؛ بل أكثر من ذلك، ولو أن الرجل الهندي ذكر لي طول المسافة الحقيقي لعدِلت عن المشي وأخرت المسير!
** هناك أمور في الحياة لو عرفناها بتفاصيلها الدقيقة لما أنجزنا فيها شيئاً.. ولعل ذلك من رحمات الله بنا..
ظهر أمامي محل كان مكتوب على لوحته (تميس أفغاني)، اتجهت على الفور نحوه.. واستقبلني رجل افغاني ودود يُكنى (أبو وحيد). عرفته بنفسي ومن أين قدِمت؛ فقدم لي التميس والقلابة والجبنة والحلاوة والشاهي.. كان فطوراً ملكياً بالنسبة لي.
وكعادتي الكريمة :) طلبت سطل المال والثلج من البقالة، وأبقيت قدماي في الثلج بينما كنت أتناول الفطور.. وبعد ذلك جاء رجلٌ كبير من هذيل وعليه الوقار وشاركنا الجلسة على (دكة) الأفغاني ولَحقهُ يماني وحبشي وأحد شباب القرية..
وجلست أروي لهم قصتي وكيف وصلت إلى دفاق.. فاستطرد الرجل الكبير: "كنا يا ولدي نذهب مشياً لـ مكة مساءً ونعود في صباح اليوم التالي في عز الشباب نغدو ونروح.. كانت أياماً جميلة مختلفة عن هذه التي نعيشها اليوم".
ظل الجميع يتشارك الحديث.. حتى الأفغاني بأسلوبه الودود يشاركنا شيئاً من النقاش ويبيع تميسهُ الساخن للمارة..
توقفت لوهلة حينها وتساءلت كيف لـ الديرة أن تكون بهذا النسيج الجميل والمزيج الثقافي!؟ من الذي أتى إذاً بالعنصريةِ في قلب المدينة المتحضرة؟
تركت هذا السؤال جانباً .. وبدأت استفسر عن الجبل وطبيعته كونهم أقرب له. ووجدت أن الجميع متفق على طول المسافة وصعوبة الصعود.. ولكن كم من الممكن أن يستغرق الصعود؛ كان سؤالاً يختلف الجميع في إجابته.
قلت لهم أنني بحاجة للراحة، فأخذني محمد الحبشي وفتح لي باب المسجد وهيئ لي المكان لعدم وجود غرف إيجار بالرغم من دعواتِهم لي في بيوتهم..
جلست منذ الضحى وحتى فجر اليوم الثاني، وقررت عدم ممارست أي عمل قد يرهق قدماي؛ وعكفت على تدليكهما ومعالجة أي جرح أو تورم؛ إستعداداً للصعود في الصباح
وفي الظهر؛ جاءني د.رامي وكنتُ حينها غارقاً في سباتٍ عميق بزاوية المسجد.. كان الباب مفتوحاً ودخل ووجدني ممدداً منهكاً .. فعاد لسيارتهِ ليحضر شيئاً وإذا بباب المسجد ينغلق!
فجلس يطرق الباب بقوة حتى أسمع وينادي يا شادي ياشادي.. استيقظت مفجوعاً وكأني أحلم، ولكن أدركت أنه وصل.
فتحت له الباب وجلسنا سوياً..نقل لي انتقادات بعض الرحالة بعد أن علم الكثير عن سير الرحلة؛وكانت الانتقادات عن إجراءات السلامة والسفر منفرداً..
قلت:"تعلم جيداً أنني لست لوحدي إن جاز القول،وهذا الحديث الآن لا يقدم ولا يؤخر في الأمر شيئاً؛ينبغي أن نكون عمليين أكثر ونأخذ خطوة ذات فائدة
..أنا لست مؤيداً لسفرِ المُرتحل منفرداً ولكن هكذا جاءت الظروف". فعرض علي العودة لـ جدة بحجة أن الجبل شاق ومتعب وقد شار عليه البعض بذلك، وقال: أعلم انك سترفض ولكني أحاول أن اقترح لك حلولاً تجنبك المخاطرة بسلامتك.
قلت لن يكون الأمر أكثر مما مضى..
قال: ماذا عن النزول من الجبل بدلاً من الصعود إليه كفكرة بديلة؟
أجبته: هذا ليس ما أتيت من أجله! بل أتيت من أجل الصعود وعلي أن أصعد بمشيئة الله..
حينها قال: إذاً دعنا نستثمر الوقت ونقف على الجبل عملياً ونصعد بالسيارة ونحدد مبدئياً النقاط المهمة وكيف يمكن أن تصل لها..
قلت: أحسنت هذا هو ما احتاجه الآن ..
وصعدنا للجبل بالسيارة وكانت المفاجأة أن مسار الجبل كان شاقاً فعلاً بسبب كثرة تعرجات الطريق وحدة إرتفاع بعض المسافات فيه..
كنا نتوقع أن يكون أقصر قليلاً، ولكن حين قمنا بحساب المسافة وحتى الوصول إلى الشفا وجدناها أنها لا تقل عن ٤٨كلم!
عُدنا إلى دفاق .. واتفقنا مبدئياً أن الجبل قد يستغرق يومان من الصعود، وقد أضطر للنزول من أجل المبيت وإكمال الصعود في اليوم التالي من النقطة التي توقفت عندها.
#هايكنج
وقبل أن يغادرني د.رامي؛ ترك معي جوال بشريحة (زين) كونها الشبكة الوحيدة التي تعمل في المنطقة وحتى الثُلث الأول من الجبل.
كنت محبطاً بعض الشيء كون المسافة طويلة وقد لا أتمكن من إتمامها في يومٍ واحد.
أذكر أنني جلست معظم اليوم وأنا أتأمل الجبال التي تحيط بالطريق
وأحدث نفسي كيف لي أن أتجاوز هذا الطريق وجباله الشاهقة.. كيف أصمد وكيف أبقى قوياً حتى النهاية..
أخذت بالأسباب وقلت أن ما جعلني أصل إلى هنا مسافراً من جدة؛ سيجعلني بإذنه تعالى أصل للقمة..
لم أنم طويلاً تلك الليلة في المسجد، وتأكدت من أن الأجهزة التي أحملها مشحونة والشنطة الصغيرة جاهزة، وما أن جاء الفجر؛ إلا وصلينا جماعة وبعدها طلبت من محمد الحَبشي و أبووحيد الأفغاني أن ينتبهوا لشنطتي الكبيرة وودعتهم وقلت لهم قد أعود في المساء بعد قطع نصف المسافة.
حان وقت الجِد كما يقولون.. توكلت على الله وبدأت في السير عقب صلاة الفجر. لم يكن الطريق على وتيرة واحدة في الصعود، بل صعوداً ونزولاً في البداية. أرسلت لأخي مهند رسالة أبلغتهُ فيها أنني بدأت السير بين الجبال.
كنت كلّما قطعت مسافة طويلة أقف لأرى المنظر كيف يبدو من الأعلى كوني في إرتفاع مستمر فوق سطح البحر. فتزداد همتي وترتفع معنوياتي..
بعد مايقارب مسافة ٨ك بدأت التضاريس تختلف والمنحنيات تزداد حدتها، والخضرة بدت واضحة على الجبال. كانت الساعة على ما أذكر الـ ٩ والشمس زادت حرارتها.. فرفعت غطاء الرأس العاكس للحرارة لتقليل أثرها.
#هايكنج #رحالة
ومن بين تلك الجبال سمعت صوت أغنام وأناس يتحدثون.. اقتربت قليلاً؛ وإذا بمرعى وبيتٍ من حجر وسيارة جيب قديمة على السفح.. وقفت على المكان متفرجاً؛ وإذا برجلٍ يقول: تفضل الله يحييك..
سألني من أكون ومن أين أتيت.. فعرفته بنفسي وحدثته عن رحلتي. كان رجلاً في مطلع الخمسين من عمره يُكنى (أبو جمال) ومعه إبنه فايز وراع للغنم اسمهُ يحيى يساعدهم في تدبير الأمور..
طلبت من أبي جمال أن يحدثني عن حياة الجبل وكيف يعيشون.. فقال: دعنا نفطر سوياً ثم أحدثك.
قلت وهو كذلك إذاً..
وبدأ يحدثني عنه وعن أسرته، ويتغنى في حياة الطبيعة التي يعيشونها بعيداً عن صخب المدينة..
#البادية #هايكنج
لفت انتباهي فايز الطفل ذي الـ١٣ عاماً.. كنت أن أتحدث إليه وكأني أحدث رجلاً بالغاً ناضجاً..
يفيق منذ الصباح الباكر ويسبق أباه للجبل مع من يصعد من أهل الوادي ليرعى (حلال) والده كما يقول.. ولا يعود إلى مع غروب الشمس..
على الرغم من جمال الجلسة وبساطتها إلا أنني كنت مضطراً لإكمال رحلتي.. طلب مني أبو جمال أن نتغد سوياً، ولكن اعتذرت منه بلطف وأخبرته أن الوقت يداهمني وعلي الرحيل..
#هايكنج #الشفا #الطائف
قطعتُ مسافةً لا بأس بها بعد تلك الاستراحة.. وإزداد الطريق صعوبة، وبدأت شبكة الجوال تختفي. فحاولت إرسال رسالة لأخي مهند الذي كان يتواجد في الهدا حينها؛ أنني انتهيت من الثلث الأول من الطريق، وبالكاد وصلت الرسالة، وبعدها إنقطع الإرسال تماماً..
كنت أسير والقردة تنظر لي من أعلى الصخور وكأنها مجموعة من البشر يتأملون ما أفعل وأنا أقطع المسافات.. ووجدت في طريقي رجلٌ وقد أوقف سيارته المتهالكة بالقرب من صخرة كبيرة وكنت أسمعه يحدّث رفيقاً له ويقول: خلاص أنا أنتظركم عند صخرةْ "خالدة" وجايب الفطور وكل شي..
توقفت عنده وسألته كم تبقى لي على الوصول للجسر الذي يربط الجزء الأول من الطريق مع عقبة المحمدية.. قال لي أن أمامي ٣ ساعات، خصوصاً وأنني اقتربت من "الريع" الذي يتحول في السير نزولاً لمسافة ٥كلم حتى الوصول للجسر..
انطلق أخي مهند بسيارته من محل إقامته للالتقاء بي قرب الجسر.. وبحسب التحديث الأخير بيني وبينه أنني على مشارف الوصول لتلك النقطة في الخريطة..
ولكن مشقة الطريق الحقيقية بدأت، كما زادت الانهيارات الصخرية، وفي أي مكان قد تجد الحشرات والسحالي والعقارب والأفاعي..
أصبح السير نزولاً وهذا يعني أنني اقتربت أكثر من الجسر .. توقعت حينها مصادفة أخي مهند في أي لحظة.. وبالفعل إلتقيت به قبل الجسر بـ ٤كلم.. أوقف سيارته جانباً وزودني بالماء البارد لأن ما تبقي معي أصبح وكأنها ماءً مغلية من شدة حرارة الجو..
جلست معه قليلاً وأخبرني أنني قريب من الجسر
ودّعتهُ، وسرت متفائلاً كوني قطعت هذه المسافة.. بدأت ملامح الجسر تظهر لي من بعيد، وزاد ذلك معنوياتي وأكملت السير حتى وصلت في تمام الساعة ١م. كان على اليمين طريقاً يؤدي لوادي (حوية نمار) وعلى اليسار الطريق للمحمدية وجبل الشفا..
#هايكنج #الطائف
وعلى قدر سعادتي إلا أنني شعرت بالإحباط عندما رأيت طول المسافة المتبقية (٢٩كلم).. استرحت قليلاً على قارعة الطريق تحت ظل شجرة، كان المكان جافاً والشمس حارقة والسحالي في كل زاوية.. حدثت نفسي هل أستطيع أن أكمل الطريق قبل الظلام؟
فالمنطق يقول لا، ولكن همتي تحثني على إكمال المسافة..
توكلت على الله وتابعت المسير.. بالرغم من أنه وبحسب الخطة يفترض أن أكمل منتصف الطريق في اليوم التالي، ولكن قلت لطالما أنني بلغت هذا المكان في ذلك التوقيت فلا تزال أمامي فرصة وأمل..
كان الصعود هذه المرة أشد مما مضى، فقطعت ١٠ك بعد جهدٍ جهيد.. وكان من لطف الكرام المارين بسياراتهم أن يتوقف البعض منهم ويسلم ليعطيني الماء البارد.. يقول بعضهم رأيناك هذا الصبح أسفل الجبل وها أنت تقترب من القمة..
كلمات كانت تجعل معنوياتي في السماء..
ولكن يبقى جبل الشفا طريقاً محفوفاً بالمخاطر، ففي إحدى المنعطفات أثناء الصعود، وجدت سيارة (وانيت) بغمارتين متوقفة وواجهتها نحو الهاوية، وحين مررت بها، فتح الباب من جهة السائق رجلٌ كان متعمماً شماغه ويقول تعال تعال.. توقفت ولا يحول بيني وبينه سوى المسار المعبد، وقلت: خير إيش عندك؟
قال: لا تخاف .. قلت: لست بخائف ولكني أستعيذ بالله من الشيطان، فأمامي طريق طويل..
وأعدتها مرة أخرى: إيش عندك؟
صمتَ قليلاً وهو ينظر للباسي وما أحمله، ثم قال رافعاً يديه: خلاص أجل.. واقفل باب سيارته..
كانت تلك اللحظة الوحيدة في الرحلة التي لم تحتمل المجازفة، واختصرت فيها الموقف قدر المستطاع دون أي تبعات غير محمودة.. فقد سلكت طريقاً وأُدرك جيداً مخاطره، والحكمة في مثل هذه المواقف مطلوبة دون التخلي عن القوة إن لزم الأمر.
وما أن سرت أميالاً قليلة إلا وبدى جبل الشفا يلوح في الأفق، كان منظراً عظيماً بالنسبة لي.. إنه المقصد الذي أتيت من أجله .. ولكن لا تزال المسافة طويلة بعد..
حلّت الغيوم وعانقت الجبال.. وبدأ ذلك الهتان الذي يبعث الروح .. لم يتبقى سوى ١٥ ك ولم أعد أشعر بقدماي..
#هايكنج
واصلت المسير وأنا أتألم من التسلخات الجلدية التي لولا مرطب "الفازلين" لنزفت دماً من شدتها..
إشتد المطر وكان يهطل بغزارة فلبست معطفاً بلاستيكياً، وكنت أسير وحذائي ممتلئ بالماء، فتوقفت وخلعته وأكملت المشي حافياً..
#هايكنج
كان كل من يتابعني يحاول الاتصال او إرسال رسالة، ولكن دون جدوى.. لاسيما وأن الجميع يعلم أنني لن أكمل الصعود للشفا ذلك اليوم.
بدأ المساء يحل واقتربت الساعة من السادسة ولا يزال أمامي ١٠ك تقريباً.. واصلت وتحملت وصرت أجر رجلي جراً حتى أصبحت على مقربةٍ من الشفا..
عادت شبكة الاتصال.. وكان الكثير يتوقف ويسأل ما إن كنت بحاجة لمساعدة، ومن بينهم شابٌ في غاية الأدب يدعى عبدالكريم العتيبي؛ قال أنه رآني في الطريق مرتين وعرض علي خدماته..
سألته كم تبقى على الشفا؟ فرد: ٧ك تقريباً..
كنت بحاجة لاتخاذ قرار سريع، لأن الظلام بدأ يحل..
فقررت أن أركب معه ليوصلني للأعلى..
وهذا ماحدث .. لم أصدق نفسي حين وصلت للشفا..
كان شعوراً مختلفاً وكأني أصل #الشفا لأول مرة.. رأيت القمة بعينٍ مختلفة هذه المرة..
#هايكنج_السعودية #الطائف
كنت أسير والناس من يحولي يلتفتون إلي ويتساءلون من أين أتى هذا.. فردائي وحالي قد يُغني عن السؤال.. ولكن لم يكن يتوقع أحد أني أتيت من جدة مشياً على الأقدام!
وبدأت تهل الرسائل من الأصدقاء من الطائف وخارجها..
كانت بالفعل لحظات لا تُنسى..
والدرس الأعظم الذي خرجتُ به:
ثمةَ نجاحات لها مذاقٌ مختلف في الحياة .. لا يعرفهُ إلا أصحاب الهمم العالية والإرادة القوية.
#علمتني_الحياة

جاري تحميل الاقتراحات...