فلنبدأ أولًا بأكثر استدلالات القائلين بنفي العقل شيوعًا:
عن عليّ رضي الله عنه قال: "لو كان الدينُ بالرأي لكان أسفلُ الخف أولى بالمسحِ مِن أعلاه، وقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسَحُ على ظاهر خفَّيْه".
فأول الملحوظ أن المصطلح الثابت وروده هو "الرأي" وليس "العقل".
عن عليّ رضي الله عنه قال: "لو كان الدينُ بالرأي لكان أسفلُ الخف أولى بالمسحِ مِن أعلاه، وقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسَحُ على ظاهر خفَّيْه".
فأول الملحوظ أن المصطلح الثابت وروده هو "الرأي" وليس "العقل".
والتمييز مهم، فكثيرًا ما يقتبسه القائلين بنفي العقل مستبدلين قوله "الرأي" بقولهم "العقل" وهذا تحريفٌ إن تعمدوه ولَبسٌ إن لم يتعمدوه. لكنّ الدقة مهمة، فلهذا عند الفقهاء واللغويين معانٍ ولذاك أخرى وإن تقاربت، بينما يختلف ما يُبنىَ على هذا وذاك.
أما الرأي فمن الرؤية لغةً وله في الآيات والأحاديث استخداماتٌ كثيرة، واصطلاحًا عند الفقهاء يتلخّص فيما يراه المجتهد حسبما استعرضه من أدلّةٍ منقولة واستنباط الأحكام منها بما يظهر له صوابه أو أقربه إلى الصواب.
وأمّا العقل فأكثر من ذلك، إذ يتوقف عليه التكليف في الدين لكل فردٍ بعينه.
وأمّا العقل فأكثر من ذلك، إذ يتوقف عليه التكليف في الدين لكل فردٍ بعينه.
ذلك أن الرأي بالتعلّم والاكتساب، أما العقل فبالفطرة ويُسقِط سقوطه التكليف بالكلية، فلا عبادة على مَن لا عقل له، بينما يثبت التكليف على المُتّبِع دون اجتهاد ما دام يعقل برأيٍ أو بدون رأي.
ولولاه بعد الله لما اجتهد حتى القائلين بنفيه، فمن نفى العقل نفى النقل.
ولولاه بعد الله لما اجتهد حتى القائلين بنفيه، فمن نفى العقل نفى النقل.
وأما في قول عليّ رضي الله عنه، فإنه رجّح العقل ولم ينفيه، إذ استدل بعقله على صحة الاقتداء في الأحكام بمَن أُنزَلت عليه الأحكام وأوحي له بها صلى الله عليه وسلّم، وما ذلك إلا إثباتًا للعقل لا نفيًا له. كما أن جذر الكلمة نفسها ورد مرّتين في الحديث نفسه لمن تدبره: "رأيت رسول الله"..
فعززت الرؤية الرأي، مما يدل على أن المراد بقوله "لو كان" هو إقصاء الدلالة والبيّنة تفضيلًا للرأي، وذلك من كمال العقل. فالظاهر أن مراده رضي الله عنه أن الاقتصار على الرأي دون دلالةٍ يُستدلّ بها لا يوافق العقل. وفي قوله استنتاجٌ عقليّ ظاهر، فكيف ينفيه وهو يستنتج به ويخاطبه؟
إذن فدلّ حديث عليّ رضي الله عنه أن الرأي من وظائف العقل، يعززه ثبوت البينة ويُنقِصه تجاهلها، حيث أن غاية المسح النيابة عن الطهارة بالنية والجهد، وليست الغاية تحقيق الطهارة بالمسح إذ تعذرَت لقلة الماء أو انعدامه، والمسح أسفل الخف لا يحققها، بل يضيف دنس أسفل الخف إلى اليدين.
بل إن لسداد الرأي عند عليّ وغيره من الصحابة أهمية تُنصَر بها الأُمّة في الحرب فكيف بالسلم، فها هو في التخطيط لمواجهة عدوان الفُرس يقول لعمر رضي الله عنهما: "وأنا أرى يا أمير المؤمنين رأيًا من تِلقاء نفسي" ويطرح رأيه فيؤيده عمر قائلًا "الله أكبر، الله أكبر، هذا رأيي، هذا رأيي!"
وفي ذلك دليلٌ واضحٌ على توظيفه رضي الله عنه للرأي واعتداده به ما لم يعارضه العقل والنقل، وهو بذلك يهتدي بالقرآن عقلًا ونقلًا، فهذا إبراهيم عليه السلام يستمد رأيه من رؤيته في قوله تعالى (فلما رأى الشمس بازغةً قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفَلَت قال يا قومِ إني بريءٌ مما تشركون)..
وذكر الطبري عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى (ما كَذَبَ الفؤادُ ما رأى، أفتمارونه على ما يرى) قال "رآه بفؤاده". وفي قوله تعالى (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) دلالةٌ على أن ليس كل الرأي بالرؤية إذ لم يراهم ﷺ بالعين إنما يتجلى الرأي فيهم والاعتبار بالبينة من صِدق الخبر.
وهذا الرسولﷺ يأخذ برأي أصحابه ويطلبه صراحةً، فبعد معركة بدر يقول له أبو بكرٍ رضي الله عنه في الأسرى "يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا"-
فيقولﷺ "ما ترى يابن الخطّاب" ويرد عمر رضي الله عنه "والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكِّنني من فلان فأضرب عنقه، وتمكن عليًّا من عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم"
فيُرجّحﷺ رأي أبي بكر بالإبقاء عليهم لِما رآهﷺ من سداد رأيه رضي الله عنه، فيعمل به. وفي قولهﷺ وقولهما رضي الله عنهما ذِكر الرأي باللفظ صراحةً لا تترك لنفي الرأي ولا العقل مجالًا، وكذلك كان نهجهﷺ في أخذ الرأي العمله به في السلم والحرب والحكم، وأمثلة ذلك كثيرة يطول سردها وشرحها
ولعله يكفي عن كثيرها ما ثبت في سنن أبي داوود من قصة انتداب معاذ رضي الله عنه إلى اليمن، عندما سأله ﷺ كيف يقضي إن لم يجد ورود الحكم في الكتاب والسنة فأجابه معاذ "أجتهد رأيي" فضرب ﷺ صدره وقال "الحمد الله الذي وفَّق رسول رسول الله لِما يرضي رسول الله".
ويقول الغزالي: "وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل فإنه يأخذ من صفو العقل والشرع سواء السبيل، فلا هو تصرفٌ بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع والقبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد"
ويوضحّ المجددي في شرح سنن ابن ماجة قائلًا "لو لا يحكم الناس بالاجتهاد في قضاياهم لهلكوا وفسد معاشهم..ولو لم يعذر الله تعالى داوود حين حَكَم..و خالفه سليمان عليه السلام، فحمد سليمان بقوله (ففهمناها سليمان) وعذر داوود عليه السلام بقوله (وكُلًّا آتيناهُ حُكمًا وعِلما) لهلك القضاة".
جاري تحميل الاقتراحات...