"خطاب الموت في عدن.. يقتل الشباب وأحلامهم"
رن هاتفي ظهر يوم الجمعة لتذكيري بموعدي مع بعض الرفاق لقضاء بعض الساعات معاً بعد طول انقطاع بيننا.
قررت قبل بضعة أيام أنا وعدد منهم أن نكسر الملل وروتين يومنا المعتاد، للذهاب إلى حفل دعانا إليه أحد أصدقائنا.
رن هاتفي ظهر يوم الجمعة لتذكيري بموعدي مع بعض الرفاق لقضاء بعض الساعات معاً بعد طول انقطاع بيننا.
قررت قبل بضعة أيام أنا وعدد منهم أن نكسر الملل وروتين يومنا المعتاد، للذهاب إلى حفل دعانا إليه أحد أصدقائنا.
كانت المناسبة افتتاح أحد الأسواق التجارية الكبرى في المدينة.
كان يوم الجمعة رتيباً كعادته، لكن كانت بعض خلجات من السرور تتملكني لأسباب حقيقية، كان إحداها شعور الطمأنينة الذي يدب بداخلي كلما سمعت عن حدث احتفالي يعمه السرور والبهجة.
كان يوم الجمعة رتيباً كعادته، لكن كانت بعض خلجات من السرور تتملكني لأسباب حقيقية، كان إحداها شعور الطمأنينة الذي يدب بداخلي كلما سمعت عن حدث احتفالي يعمه السرور والبهجة.
ينقل تعب وضنك عيش هذا الشعب بعيداً عن أرواحهم المهترئة التي مزقتها الحروب والنزاعات المتواصلة.
والآخر لأنني سألتقي ببعض أصدقائي الذين لم أرهم من مدة طويلة، وواحد منهم هو صاحب إحدى فقرات ذلك الحفل الذي سيقام.
أتذكر ليلتها، لم أستطع العمل، طلبت من صديق آخر أن يعمل بدلاً عني. كان الأرق قد استوطن رأسي منذ أيام. يأتي لي الآخر بحبة دواء لتساعدني على النوم، نتفق انهُ ما من شيء سيحول ليمنعنا من الذهاب للتمتع بمشاهدة عرض ألعاب الخفة، تمر ساعات الليل بطيئة ولم أنم أيضاً.
حلت ساعات العصر الأولى ليأتي صديقي، نركب السيارة سوياً، ننطلق صوبَ منطقة شارع الكثيري في مديرية القاهرة في عدن لأخد صديقٍ آخر، نراه ملوحاً لنا، يركب معنا، وتبدأ أجواء المرح.
يتبقى صديق آخر وتكتمل الرفقة كما خططنا لها تماماً، تشقُ السيارة طريقها صوبَ المكان المحدد.
يتبقى صديق آخر وتكتمل الرفقة كما خططنا لها تماماً، تشقُ السيارة طريقها صوبَ المكان المحدد.
كنا حينها نتبادل النقاشات، والمزاح، وأحاديثنا الخاصة، لم يأخد الطريق أي حيز في أذهاننا، لم نشعر بالوقت حتى وصلنا إلى المكان، ولم نشعر بمرور الوقت، نلتفتُ يميناً شمالاً
نبحث عن صديقنا لاعب الخفة وهو يستعد لعرضه ولا نجده، حتى وأثناء ذلك،لمحنا صديقاً آخر لنا مستلقياً في جانب الشارع كأنه من أحد البؤساء الذين لا مسكن لهم سوى قارعة الطريق، زمرنا له مرة، مرتين، حتى تنبه لوجودنا! أشرنا له، توجه صوبنا، صعد إلى السيارة، حينها لمحنا الحزن والخوف في عينيه
كالعادة، كل يوم تفاجئنا هذه المدينة بصور جديدة للبشاعة. آخرها ما حدث لصديقي محمد "تيكا"، لاعب الخفة.
قدم تيكا فناً جديداً لم تشهده المدينة كثيراً، فلم يستوعب أحد الخطباء، بالتحديد خطيب مسجد عثمان بن عفان بشارع الكثيري، ببساطة ما يقوم به محمد، وصور له عقله المريض أن ما يقوم به صديقي يستدعي تكفيره وإباحة دمه بكل بساطة.
حكى لنا صديقنا أن عرض التيكا تم إلغاؤه، وكيف بات العرض مكاناً للخوف بعد تفجير قنبلة صوتية قرب المكان لتخويف الناس من حضور عرضه.
أخبرني أن فور وصول التيكا لأداء العرض تفاجأ بالعشرات من أهالي الحي، يهرعون نحوه، ليخبروه عما حدث في خطبة الجمعة، وكيف أن إمام المسجد حرض على قتله، معتبراً العرض الذي قام به ليلة الأمس نوعا من أنواع السحر وعقوبة الساحر القتل، غيرة على دين الله، كما أمر الشرع!
لم أنطق ببنت شفة، من هول الصدمة، صرخ أحدنا: لم نهنأ كثيراً حتى عاد الخطاب التكفيري الذي تصدره منابر مساجد عدن مجدداً، فجأة ساد الصمت بيننا جميعاً.
وفجأة أصاب قلبي الرجف الشديد، وقلتُ متمتماً لنفسي وقلبي يمتلئ بالألم، إن السجين حين يتعود على سجنه يخيفه ما هو غريب.
طغى صوت محرك السيارة منبئاً بنهاية المشوار. تحركنا صوب مدينة الشيخ عثمان ولسان حالنا يقول: "ما لهذه المدينة، تحرمنا من الفرح، وما هذا البؤس المُخلص لنا
أثناء عودتنا، تذكرت أحاديث سبق وأن دارت بيننا أنا وتيكا في أحد الحوارات الصحفية التي قمت بعملها معه في السنين الماضية، حينما كانت المدينة تغرق في الفوضى، والتشدد الديني
سالته، حينها، ألا يخاف على روحه من هذا الوباء الذي يسكن عقول بعض قاطني المدينة، ولأن ما يقدمه تيكا فن جديد على المدينة يكفي أن لا يفهم أحدهم ما يحدث ويعتقد "مثلما اعتقد خطيب المنبر ويحرض على قتله أو يقوم هو بذلك".
قال لي حينها: أنا أمتلك أسلوبي الخاص والبسيط الذي يختلف عن مشاهير الخفة وبما يناسب بيئة مجتمعنا، وأكد لي حرصه الشديد في استخدام كلماته بدقة وعدم التطرق إلى وصف السحر على الإطلاق
بالرغم من ما يقوم به عالميا يتم وصفه بالسحر، ولكن اختلاف المفاهيم جعله يستخدم وصف لاعب خفة كي يسلم من الأذى.. وبحزن شديد أخبرني: بالإمكان أن نطلق على الفن الذي يقدمه قول خدع سحرية، لكن تجنباً لكلمة سحرية أصبحنا لا نستخدمها لأن البعض يعتقد أن ما أقدمه هو سحر..
وللأسف ما زال الكثير يعتقد ذلك، والحقيقة أن ما يقوم به لاعب الخفة هو فن وموهبة لا شأن لها بالسحر على الإطلاق".
لمن لا يعرف تيكا.. هو شاب عدني يدعى محمد عبدالكريم، عرفته عن قرب منذ الصغر هاويا لألعاب الخفة في سن السابعة، مكتسبا المهارة من أبيه الذي كان يحب هذا المجال لكنه أخذه منه، واهتم فيه بكل عزيمة وطموح، كان يحب أن يقوم بعمل الخدع لأصدقائه في المدرسة،
وهو ما كان يجعله يشعر بشعور رائع حين يرى ردة فعل الناس أمامه ويشعر بالأنس، ويوم عن يوم تطور واكتسب مهارة جديدة. شكلت ما هو عليه اليوم. وبات يعرف في كافة مدن اليمن باسم "تيكا"
وبالرغم من معاناته من عدم توفر الأدوات التي يلجأ لشراء بعضها من الخارج، يقوم دائما بعمل أدواته بنفسه ويخترع أفكاره الخاصة، ولم تمنعه معاناته من عدم وجود بيئة مناسبة لعروضه، كون مسارح عدن غير مهيأة لعروض الخفة وتعيق عمله، إلا أنه دائما ما يقوم بإيجاد حل مناسب وعروض تناسب المكان
ولم يكتف بهذا القدر، فقد طور من طريقة تقديمه لعروضه حيث يقدمها من خلال، شاشة عرض عملاقة (بروجكتر) وتصوير مباشر كي يشرك الجميع في الرؤية ويستمتع في العرض. وهو ما ساهم في زيادة شعبيته، نظرا لاهتمامه بالتواصل مع المشاهدين على المسرح أثناء تقديم عروضه الاستعراضية بأسلوبه الخاص
الذي أضفى سحراً وجمالاً على عالم "الماجيك" وزاد من شعبيته وأبهر العامة في حفلات متنوعة في مدينة عدن ومحافظات أخرى، ويعتبره البعض رمزاً لا يفارق المتعة والحياة لما ينشره من سعادة بين الحضور، ينشر بسمته، يشاركها مع أبناء مدينته بالخدع التي يقدمها وبابتسامته البشوشة
عدنا إلى الشيخ، في الليلة ذاتها لم تمض الحادثة أو تمر مرور الكرام، وتضامن الكثير من ابناء عدن الذين حضروا العرض أو سمعوا خطيب الجمعة وهو يقول، في خطبته "إن الحفل الذي أقيم حدث فيه الفسق والفجور، من أغان ورقص.. وأنهم قاموا باستضافة ساحر، والساحر في الشرع والدين وجب قتله".
عقب ذلك أثيرت إدانة شريحة واسعة من نشطاء واعلاميين وحقوقيين في مختلف مدن اليمن وبالأخص "عدن" وتعالت الأصوات الرافضة للتكفير والتحريض ضد أحد شباب عدن الموهوبين بألعاب الخفة والخدع البصرية.
وشنت حملات مختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي، تطلب من الجهات الأمنية معاقبة خطيب المسجد. وعدم السكوت أبدا من قبل الرأي العام الذي يجب عليه الضغط لمحاسبة خطيب المسجد للتحريض قبل أن يندم الشعب.
وأثناء تصفحي تلك الليلة مررت على أحاديث متفرقة يسخر بها الناس من جهل الخطيب فيما يتحدث به، كون تيكا ليس له بالسحر أبدا، كما يعلم جميع أبناء عدن، والتحريض على قتله تعد سابقة خطيرة في مدينة التعايش عدن.
أغلقت حاسوبي، وأخدت هاتفي، أجريت اتصالا مع محمد كي افهم عن قرب تفاصيل ما حدث، وأطمئن عن حالته وأفهم أيضا ما الذي ينوي القيام به.
كانت الساعه تشير إلى الثانية في منتصف الليل، أجابني بنبرة حزينة وقلقة وهو يشرح لي: "اليوم ذهبت كي أقدم فقرتي، ولم أكن أعلم بتفاصيل خطبة الجمعة حينها..
كانت الساعه تشير إلى الثانية في منتصف الليل، أجابني بنبرة حزينة وقلقة وهو يشرح لي: "اليوم ذهبت كي أقدم فقرتي، ولم أكن أعلم بتفاصيل خطبة الجمعة حينها..
وتفاجأت أن الأمن التم حولي، وكانت هناك حراسة مشددة علي، وقاموا بإرسالي للأمن لأجل تقديم بلاغ رسمي، الوضع كان متوترا، وهناك أخبار على وجود جماعة مترقبين لي!
هناك أيضا من قام بتفجير قنبلة صوتية قريب نهاية الحفل ولكن بعيدا من الحفلوتم تبليغ العمليات. والعمليات بلغت الإدارة بضرورة إلغاء فقرتي، لأجل الاحتياط والأمن..
وأخبرني بصوت غاضب "لا بد أن يتم القبض على من حرض علي، ويجب عليه أن يعتذر علنيا وعبر المنبر ويفهم العوام.. أنه التباس عليه الأمر وأن محمد تيكا لاعب خفة.. وهذه مهارات ويجب أن يقوم أيضا بتصوير تسجيل مرئي يتكلم فيه ويعتذر ويشاركه بمواقع التواصل الاجتماعي".
وقبل أن أنهي الاتصال معه قال بحزم شديد: "لست خائفاً من الخطيب، تعودت على أقوالهم، وعادة ما كنت أتجاهلهم حين يكون الحديث شخصيا، ولكن أن يأتي القول من خطيب وعبر منبر فهذا تحريض بالقتل، وله اتباع، والمتجملون كثر، ومثال ذلك ما حدث في دار العجزة في السنين الماضية ..
مضت الأيام ثقيلة على قلب محمد وعائلته، مضت تدهس عقله الذي لم ينفك عن التفكير بحل يخرجه من المأزق الذي لا ذنب له فيه، حينها تواصلنا كثيراً، أخبرته أن يغادر هذه المدينة بلا عودة لأجل سلامته،
ولكنه لم يكن يفكر بذلك إطلاقاً، لم يرغب بمغادرة المدينة ويأمل بالخروج بحل ودي مع هذه الجماعة، الذين ما إن علموا بالحملة الإعلامية التي شنت ضدهم حتى جن جنونهم وأجروا اتصالاتهم بتيكا يعبرون عن غضبهم من تحريضه هو ضدهم، وبات في لحظة الضحية جانياً في عقولهم.
أملا في إغلاق القضية كي لا تكبر ولأنه إنسان مسالم لم يعهد هذه الظروف، تجاوب محمد معهم وعبر وساطات أمنية وجهات مختلفة اتفق الطرفان على الجلوس مع بعض، وكان يعتقد تيكا أن بإمكانه إقناعهم ببراءته من الزيف الذي وجه ضده والاعتذار عما بدر منهم تجاهه كي يعود لممارسة عمله
حاول جاهداً أن يخرج بحل ودي بينه وبين هذه الجماعة، لكن دون فائدة تذكر، قال لهم مراراً إنه ليس على استعداد أن يُؤجج الموضوع وإدخال الصحف والمواقع الإخبارية بالموضوع، رغم محاولات الكثيرين منهم إقناعه لأخذ منحنى أكبر وإرجاع الموضوع قضية رأي عام..
بح صوت محمد وهو يحاول أن يشرح لتلك العقول أن كل ما يفعله مجرد ألعاب خفة وحركات يسابق بها أعين الناس ممن يتابعونه بحب، فعلاً اختاره لإدخال البهجة إلى قلوب أبناء هذه البلاد البائسة، لكن دون جدوى..
لم يكف الشيخ من اتهام محمد بممارسة السحر، بل كان يكرر اتهاماته بإصرار وعنجهية جاهلة.
وما زاد الطين بلة أن رجال الأمن ممن كانوا حاضرين في تلك الجلسة، كانوا خاضعين لكل كلمات الشيخ المسمومة والمحرضة لقتل روح لم تقم بإيذاء أحد.
وما زاد الطين بلة أن رجال الأمن ممن كانوا حاضرين في تلك الجلسة، كانوا خاضعين لكل كلمات الشيخ المسمومة والمحرضة لقتل روح لم تقم بإيذاء أحد.
المكان الذي يجدرُ به أن يكون مبنى إحقاق الحق وإزهاق كل ما هو باطل، أصر موظفوه على أن الدعوة لإزهاق روح محمد صحيحة، وأن الشيخ لم يقل شيئاً من عنده بل يطبق كل ما أقر به سابقوه من الشيوخ.
على طول امتداد الطريق وهو يجر أذياله خائباً بعد جلسته المشؤومة تلك معهم، أحس محمد أن السماء تود لو تتخلى عن مكانها نكاية به، والأرض تتشقق من تحت قدميه، وكأن الطبيعة قد أصابتها حماقات البشر، واعتادت على أن تكون سجناً يموتُ فيه من يمتلئ قلبهم بالفن والحياة.
في الليلة تلك لم أنم بعد أن قص علي محمد تفاصيل ما حدث، وكيف أنهم قاموا بالكذب عليه لأيام طويلة أجلت فيها الجلسة لأكثر من مرة تحت ذرائع مختلفة
آخرها أن لا يذهب للشرطة كما أخبره مدير الأوقاف بنفسه عبر اتصال هاتفي أكد له أن الجلسة ستكون عبرهُ، وكان الغرض فقط أن يكسبوا صمت محمد كي لا يقوم بهز صورتهم أمام الشعب بمساعدة الإعلام، ونجحوا بذلك.
ها هي الأيام تمضي، والكل نسي ما حدث، وعاد لممارسة حياته، والخطيب استمر ببث سمومه على عامة الشعب من المنبر، وهم يهزون رؤوسهم بلا أدنى تفكير، ومحمد في منزله، يصارع أفكاره، يمر العيد وهو على حالته السابقة بلا جديد..
وعوضا عن أن يكون في المسرح كعادته ينشر بهجة العيد بعروضه الجميلة بات حبيس منزله، ينتظر فرجا من السماء بعد أن انتهت حلول الأرض، ويمضي يومه وهو لا يعلم أي أيادٍ غادرة قد تتربص به.
أشرقت الشمس عليّ ليلتها عن سماء صافية، وأنا أتامل أمامي، وأفكر بالذنب الذي اقترفه محمد حتى يعيش كل ذلك، شعرتُ بالانقباض، وانطلقت في أعماقي صرخاتِ مدوية، ورحت أجول بمخيلتي علِي ألمس خيالاً يغير شيئاً.
لكن لا شيء يتغير، عدا شكل السجن تضيق حيطانه أكثر، حينها أيقنت أن الفن في هذه المدينة البائسة يحتاج للكثير، أكثر من أن تتكون لاعب خفة يتحلى بالشجاعة كي يعود لممارسة عمله.
جاري تحميل الاقتراحات...