إبراهيم آل سنان
إبراهيم آل سنان

@Ibrsin

70 تغريدة 20 قراءة Feb 19, 2022
وصلني للتو رسالة من اللذيذة جسيكا، وقد يكون هذا الوصف وقحا أو مهينا أو شهوانيا في وصف إمرأة، ولكن الأكيد أنه ما حفظته ذاكرتي عنها عندما التقيتها في عام ٢٠١٧ بمعرض الشارقة الدولي للكتاب، كانت تحدثني، وطعم لماء الورد والسكر في فمي كمهليبة رمضان التي كانت تصنعها أمي رحمها الله.
اهلا سنان
هل قتلتك الكورونا ؟
ملاحظة : مازلت لست غجرية :)
الإجابة الوحيدة التي قفزت إلى أطراف أصابعي للرد هي : "ما كان ليقتلني شيء غير عينيك" ومنعني ثقل الصفة العملية التي تجبرني على التراجع عن كلمات ينطق بها القلب سريعاً، و ذلك لم يحدث حينها، عصراً في هروب سريع بعيدا عن جناح الدار المزدحم أدور بلا هدف في بقية أقسام المعرض وأجنحته.
تقودني قدماي إلى حيث يكون الازدحام ممتعا وبلا معنى مليئا بالسعادة والفرح، قسم كتب الأطفال، يتراكضون في الممرات يخطفون الكتب من فوق الرفوف لألوانها ولا يعطون أي اعتبار للبائع الذي يحاول تهدئتهم والمحافظة على كتبه من البعثرة، هناك اختبيء عن المثقفين ونقاشاتهم حول الكتب.
مطرقاً رأسي انظر بحذر حيث اخطو، اخاف من التعثر بأحد الأطفال، وفي كل لحظة ارفع رأسي يفاجئني وجه بائع على وجهه ابتسامة هي أقرب لزم الشفتين غضبا. وكعادة الجميع نسمع الأغاني الجميلة إلا أننا لا نتخيلها. حتى سمعت عيناي عبدالحليم يغني ( والشعر الغجري المجنون)، نعم سمعت عيناي..
على الأرض تحاول فك خصلات من شعرها في يد طفل غاضب، وتمسك بطفلة تحاول تهدئة بكاءها، عيناها تختفي في خدين ترفعهما ابتسامتها وضحكات تصدر نيابة عن صرخات الألم كلما شد الطفل شعرها الأسود المجعد. تنادي اسما بلغة أقرب للروسية، ثم تضحك، هكذا حتى دبت الأرض من تحتي بخطوات ثقيلة لعجوز غاضبة.
انفض التجمع بسرعة كمظاهرة تداهمها قوات الشغب، نساء يلتقطون أطفالهم بسرعة، وآخرون يجمعون الكتب الواقعة على الأرض، وتدافع يبعدني للخلف متراجعا وعيناي للأمام، يوقفني زميل ناشر واضعا يده على كتفي :ايش عندك هنا؟ يلا نتغدا مع الشباب. ذهبت معه ومازالت عيناي تغني ( يسافر في كل الدنيا).
إذا اضعت ناشرا جائعا في معرض الشارقة فأكبر احتمال أن تجده هنا .. 😊
أغادر ذاكرتي المكتظة بوجه جسيكا وصوت جسيكا ، وأعود لصندوق الوارد في ايميلي، أقرأ رسائلها القديمة، هي أربع رسائل فقط، تطل قليلاً على قلب يمتليء بها ، إحدى الرسائل كانت عام ٢٠١٨ قبل بداية معرض الشارقة أيضا. أرسلت لها أسألها إن كانت ستحضر، وكان ردها: سافعل إذا كنا سنتزوج.
تفعل ذلك عمداً، لا ينتهي النقاش معها حول أي موضوع لا تجد عليه إجابة صريحة، إمرأة تعرف أن الرجل الشرقي جبان في الحب، أو ربما ضعيف في اتخاذ قرار الزواج من خارج حدود منطقة الأمان التي تعودها، تختبر ذكوريته التي يتفاخر بها في مجتمعه، وتصفعه بجرأتها ليبدو كطفلة خجولة.
سؤالها هذا امتداد لنقاش بدأه صديقي حسام معها في معرض القاهرة من نفس العام ٢٠١٨، كنا قد خرجنا من المعرض سويا لخان الخليلي تلبية لدعوة حسام على العشاء في مقهى نجيب محفوظ. يتناقشان وفي قرارة نفسي اعرف أنها تقصدني بكل كلمة تقذف بها حسام الذي يحدثها عن المجتمع الشرقي وعاداته وتقاليده.
بدأت هذه المعركة بينهما كعادة الأشياء في ثقافتنا المتناقضة. فتاة عربية غير محجبة بجانبنا في المقهى نظر لها حسام بطريقة ازدراء انتبهت له جسيكا وحشرته في زواية نظرته تلك، شعرت برغبتي بالهروب من هذا النقاش والابتعاد عنها بعكس رغبتي بالعودة إليها عندما كنت في مطعم أبو وحيد بالشارقة.
هناك قبل سنة الكل مشغول بقراءة المنيو والطلبات، وأنا انسج في عقلي مشاهد تقديم نفسي لتلك الفتاة، اتململ بين الرفاق، التقط لقم سريعة من أول صحن واعتذر وأغادر، بين المعرض والمطعم شارع صعب لا اذكر كيف تجاوزته بسرعة. قدماي كأنها تردد في كل خطوة، قسم الأطفال، قسم الأطفال، الأطفال، ...
أي الشخصيات سأختار؟.مهتم بكتب الأطفال،ناشر، مؤلف، قاريء، رب عائلة؟ وكل شخصية يأتي معها سيناريو بكل الاحتمالات، مشاهد كثيرة تتوارد وأنا اتجه لجناح الدار أريد ان اخبر زملائي بأنني سأتأخر عنهم الليلة. وهناك أجد تلك العجوز الغاضبة التي أكاد اذكر اسمها ولا استطيع، تجلس داخل الجناح.
بوهدانا bohdana، نعم هذا هو الاسم، تنتظرني بشعر أشقر قصير بتسريحة رجولية، يداها كقبضتين حجرية، تمسك في حضنها كتالوجا لدار نشر أوكرانية، تريد أن تعرض حقوق بعض الكتب، لغتها الانقليزية رديئة وفي كل مرة تلتفت إلى زوايا الجناح، وفجأة يرتفع صوتها جسيكا جسيكا، قفز قلبي وقفزت وراءه.
تسا، تسا، تسا، بنبرة غاضبة تنقر بوهدانا بإصبعها الغليظ على إحدى صفحات الكتالوج، أرى شفتي جيسكا ترد بابتسامة، وأنا في رأسي احضر حفلا غنائيا لعبدالحليم حافظ يغني قارئة الفنجان، غائب عن كل ما حولي لا اسمع إلا صوت بوهدانا الحاد كصدى يتردد في عقلي
يقطع كل ذلك ضحكة من جسيكا وألم حاد في كتفي، بوهدانا تنقره، يبدو أنها لاحظت غيابي وشرود عيني في وجه جسيكا التي تشير إلى الصفحة وتسألني بوضوح هل تعرف هذا: Liubko Deresh، "نعم نعم معروف" أجبت مفزوعا أجمع شتات ذهني، روائي كتب أول رواية في عمر الـ ١٥ عاما ويعتبر ظاهرة أدبية اوكرانية.
لم يعد النشر حينها مهما، رددت بالكلام العام عن إمكانية الترجمة وأخذ الحقوق مددت يدي ببطاقة العمل لجسيكا للتواصل عن هذا الموضوع، ولكن بوهدانا أخذته ووضعته في شنطتها الجلدية الاثرية، تودعني جسيكا بتلويحة وتغادر وراء بوهدانا. ووقفت ابحث عن سبب للحاق بها..
رسالة على الخاص عن هذه القصة تستحق النشر والتعليق عليها ، أستأذنت المرسلة وسمحت لي بنشرها دون معرف.
الخميس ٢٩ اكتوبر، صندوق الوارد:
" هل كنت ستأتي لو أخبرتك أنني سأكون موجودة؟ أكره أنك اضطررتني لسؤال فهمي عنك، شخص بغيض عيناه تحاول تعريتي، عيناك تفعل نفس الشيء أحيانا ولكنني أتقبله منك، بل يعجبني، لن أقول أنني حضرت لأراك فغرورك لا يحتاج لمن يغذيه" .. الغجرية جسيكا
يبدأ #معرض_الشارقه_الدولي_للكتاب هذا العام في ٤ نوفمبر، الناشرون يجتمعون قبل ذلك لحضور مؤتمر الناشرين والعديد من الفعاليات، هي الفرصة الأكثر اتساعا لتحصل على الوقت الذي تريد للحديث مع أي ناشر أو أديب، فلا قراء يشغلونك بشراء الكتب ولا جناح تحتاج للوقوف فيه، في قلبي غصة، سأفتقده.
افتقد لحظات أخرى على هامش هذا المعرض، أو افتقد جسيكا، قبيح ما وصفته عن نظراتي، شعرت بأني أخبيء في داخلي رجل شهواني، رجل كهف لم تعد الثقافة والأخلاق قادرة على السيطرة عليه، أليس هذا ما يفترض بنا فعله دائما، نتمسك بالقيم والمباديء كفعل مقاومة لغرائزنا البدائية. أين حدثت تلك النظرة؟
مزعجة رسائلها، مستفزة، حتى أحاديثها، تداهم عقلي في أكثر لحظاته اطمئنانا، عن أي نظرات تتحدث؟، عن أي غرور؟.هل تقصد ما حدث في نهاية المعرض عام ٢٠١٧، في دبي، على الشاطيء العام، لم أكن الوحيد هناك، ربما العربي الوحيد، الذي يقف يحاول أن يجد له مكانا يناسب تحفظه بعيدا عن كل ما يفعلونه.
النظرات الوحيدة التي اتوقع أنها كانت تخرج من عيني هي الخوف من بوهدانا، تحرس نظراتي تجاه جسيكا، هذا ما شعرت به، ما أن انظر باتجاه الشاطيء وأعود لالتفت حتى أجدها تترصد لعيني بنظرات التهديد، اتهرب بالنظر لكتاب بين يدي، أول محاولة نفض الرمل عن قدمي، أو اشعال سقارتي، كان يوما متوترا
- لماذا حضرت ؟
ظل هذا السؤال يشغل بالي وأنا مع مجموعة من الاوكرانيين والفرنسيين والبريطانيين، وجهوا لي دعوة عابرة وسريعة في نهاية معرض الشارقة والتقطتها من عيني جسيكا كفرصة لأكون حاضرا حيث تكون. لكن بوهدانا جعلت من تلك الرحلة في دبي عذابا جعلني أنشغل بسؤال آخر: لماذا تكرهني؟
- لأنك عربي.
كانت إجابتها في نهاية تلك الرحلة على العشاء، سألتها فيه عن كره بوهدانا لي، لتفقد الابتسامة وتطرق رأسها تقلب الطعام بملعقتها. تعرف أن جملتها عنصرية، ولكن الحزن الذي لف إجباتها يشي بقصة خلفه أثار فضولي لأقول ساخرا على رغبتهم بترجمة كتبهم للعربية : ولكنها لا تكره لغتي.
إن استفزاز إمرأة مثقفة ليس أمراً سهلا، والظرافة في مواضع الجد يجعلك أحمقا، هذا ما شعرت به عندما رمت الملعقة من يدها، وقالت : "نعم أنتم لا تستحقون لغتكم. فيها من الأخلاق والحب وقيم الرجولة ما لا تملكونه الآن. شعركم وكأنه يعبر عن آخرين انقرضوا وورثوا اللغة لـ أناس كذابين ومنافقين".
بوهدانا على الطرف الآخر من الطاولة، نهضت واتجهت نحوي بجانب جسيكا وتحدثت معها بالروسية بنبرة حادة تنفض إصبعها بغضب في وجهي، وكأنني فهمت أنها تسألها ( ماذا قال لك )، وربما شتائم أخرى، اخذتها جسيكا بيدها وهدأتها واعادتها إلى كرسيها ، ثم عادت لي وأخبرتني أن وجودي لم يعد مرحبا به.
بدايات عام 2018، في الرياض، اجهز لاطلاق خط الترجمة، اقلب كل المقترحات والكتب التي اخترتها، ارتب بطاقات العمل من معرض الشارقة، اتذكر كل اسم واللحظة التي عايشتها معه، الاحراجات، المواقف الجميلة، أصدقاء جدد، علاقات من كل العالم، تختصرها البطاقات، وأقرأ بطاقة ( جسيكا شربل )؟( شربل )!
شربل اسم عربي، جسيكا تعود لذاكرتي شاردة في البحر، تلعب بحلقات شعرها الغجري، النمش على خديها واكتافها العارية، على بشرتها البيضاء كأنه نقش يزخرف منحوتة رخامية. تتلاشى ابتسامتي مع ظهور بطاقة عمل باسم ( بوهدانا بافل ) واتذكر نبرتها وغضبها وما حدث في ذلك المساء في دبي.
لماذا تكره جسيكا العرب إذا كان اسمها ينتهي باسم عربي، الايميل في بطاقتها نافذة لفضولي، أو لعله مبرر يختبيء ورائه قلبي لأبادر، ماذا سأقول لها؟ .. لقد انتهينا على أن وجودي غير مرحب به، فهل كانت تعني تلك الليلة فقط أم على الإطلاق، طيفها المبتسم في مخيلتي يشجعني على المغامرة مرة أخرى
لم يطل الأمر قبل أن أقرر الإرسال لها، كل ما احتجته هو أغنية عبدالحليم حافظ ( قارئة الفنجان )، استمع إليها صباحا في طريقي إلى العمل، واتوقف كل لحظة عند ( الشعر الغجري المجنون )، اصل المكتب، وافتح جهازي وارسل
العزيزة آنسة شربل
اتمنى أن تكوني بخير، كنت سعيدا للقاءك في معرض الشارقة، ونحن مهتمين في بعض العناوين لديك، أود معرفة إذا كان بإمكاننا النقاش حول الحصول على حقوق نشرها بالعربي، هذا في حال كان مرحبا بي مرة أخرى. 🙂
تحياتي
لم يطل الأمر وكأنها كانت تترقب هذه الرسالة، جائني الرد كما توقعت لاذعا، يورطني مرة أخرى في الكشف عن شيء اتمناه وأخاف الإفصاح عنه. يبدو الأمر وكأننا نرقص متقابلين حول نار مشتعلة، وأنا ربما الأكثر خوفا من الوقوع فيها.
العزيز سنان
نعم ، والدي عربي، لست في حاجة للتذاكي، ويمكنك طلب الكتب التي تريد من بوهدانا 😋، هل ستحضر لمعرض القاهرة للكتاب في فبراير ؟
.........
وكأن حديثنا لم ينقطع أبدا، لا تبدأ بالسلام ولا تختتم بتحية، تعتز باسمها ولا يعني لها اسم والدها شيئاً . هناك قصة تعرف فضولي لمعرفتها
لم يحتج القرار للكثير من الوقت، في منتصف يناير لعام ٢٠١٨، اتصل بالصديق حسام اخبره بقدومي قبل المعرض لقضاء عدة أيام في القاهرة حيث السعادة في ابسط أشكالها، لن أخبر جسيكا وسأترك الأمر كحضور عادي ليس له علاقة بوجودها، أمارس ما نسميه " الثقل" مع إمرأة تجعل قلبي بعينيها خفيفا كالريشة.
في 26 يناير 2018، قبل يوم من بداية معرض القاهرة الدولي للكتاب، صباحا أمام فندق سمير اميس انتركونتنتال انتظر حسام، يمر بي، اطلب منه ترك السيارة للمشي على كورنيش النيل، عيناي تراقب العديد من الناس ينزلون حقائبهم لتسجيل الدخول في الفندق، ابحث عنها بعيني وأرى فم حسام يتحرك ولا اسمعه
مصر بناسها، الكل يصبح على الكل، والكل يمازحك أو كما نقول " يطقطق عليك" كأن يعلق بائع متجول " ملقتش غير ده تتمشى معاه ع الكورنيش"، ولا أدري يقصدني أم يقصد حسام، وطفل يلح ليبيعني نكتة بربع جنيه ( هات النكتة )، يلقيها ببرود وأرد ( ما تضحك ) ، تشع عيناه ذكاءا ويقول( ما تجرب أم جنيه )
يومي لا يتغير كثيرا في القاهرة، الحسين هي وجهتي التي يمر الوقت خفيفا يحمله عني الناس، مقهى الفيشاوي، مقهى نجيب محفوظ، بداية من شارع المعز، مرورا بخان الخليلي، في كل مرة أزروها وكأنها أول مرة، متحف النسيج، مجموعة قلاون، قبة أيوب،اختلطت مع بساطة الناس، وأصبحت جزءا من يومهم.
عودة إلى الفندق،قبل المصعد صوت غناء وتصفيق وطبلة، مجموعة من الأوربيين في طرف من اللوبي يجتمعون وقوفا وجلوسا ومصري واحد يعزف على الطبلة، الجميع منتبه لهم ، وفي الوسط يطير شعر أسود، إمرأة ترقص في المنتصف، يلوح شعرها، يفز له قلبي، اقترب، إنها هي، تنتبه لي وتصرخ " سنااان "
اختلطت علي مشاعر الإحراج والفرح، تقترب وهي تهز خصرها تربط شالا مزين بالخرز على خصرها، تنزعه ووتتحجب به، وتسألني ( هل تفضله على رأسي أم على خصري؟)، ولا تنتظر الإجابة، (تعبت، سأخرج لاتنفس)، تمسك يدي سريعا، تستأذن الجميع ونصل للخارج نقطع الشارع لكورنيس النيل، تأخذ نفسا " إذن حضرت"!
مليئة بالحياة، تسرقك من نفسك، تسلب إرادتك وتفكيرك، وتصبح مجردا من كل تردد، وقفت تسرح شعرها، وهواء الشتاء البارد يلفحنا، تلم الشال على كتفيها، ( معرض كتاب، طبيعي احضر )، كانت تنظر للنيل قبل ان تلتفت لي بابتسامة ساخرة، ( صحيح، صحيح ، من أجل المعرض)، وشيء ما مختلف فيها عن الشارقة.
يهدأ اللقاء، تستقر وتيرته، ابحث عن الكلام بعد أن فقدته، ومازلت أشعر باختلافها، ( تبدين أسعد مما كنت عليه في الشارقة )، وتضحك بصوت فاضح يلفت انتباه جميع المارة، (ستشعر بذلك أيضا، صديقتك بوهدانا لم تحضر) تكمل ضحكتها، لقد صدقت في لحظة تذكرت بوهدانا وامتعضت ثم شعرت براحة لعدم حضورها
" جسيكا، جسيكا"، عملاق ينادي عليها، على الرصيف الآخر عند مدخل الفندق، تطلب مني الإسراع باتجاه عكس الفندق، تكاد تركض وكأنها تهرب، أجاريها بالسرعة، حتى تتوقف خلف كشك مغلق على الكورنيش وتسألني من ورائه ( هل مازلت تراه؟)، انظر هناك حيث كان يقف، وأجيبها بالنفي، وتردف بزفرة (روسي غبي)
على مقاعد الكورنيش جلسنا، صمت طويل، منتصف الليل، الجو يزداد برودة، احتاج للنوم، اعمال كثيرة تنتظرني في الغد، كل ذلك لم يعد مهما، أنا معها، وفي عقلي سؤال ملح ( لماذا أنا؟)، وقبل أن افتح فمي وكأنها سمعته تجيب ناظرة للأرض
- لديك نفس نظراته الجارحة
- من؟
- والدي
- شربل
- جريس شربل
النساء الجميلات يسرقن الليل، لم يكن الكلام معها، ولا قصة والدها التي بدأت في بيروت، كانت عيناها اللامعة حزنا بعكس فمها المبتسم سخرية، أوقفت الوقت من حولي حتى بدأ نور الفجر يتكسر على أمواج النيل ، ومركب يطلق زاموره يوقظني من تعويذة حضورها، ( أريد أن أنام )، هكذا انهت اللقاء.
عدنا للفندق، تتأخر قليلا عن خطاي، وكأنها تختبيء في ظلي، ترفع رأسها قليلا تنظر للأمام، تريد التأكد من شيء ما، توترها السميك يلبسني أيضا، دخلنا اللوبي، إلى المصاعد، نفس الطابق، وبفارق ثلاث غرف وقف كل منا أمام غرفته، كانت ترسم الصليب على صدرها، فتح بابها نظرت لي نظرة استغاثة، ودخلت
الصباح يتسارع، يجب أن اتجهز للخروج للمعرض، ولا وقت لدي لأنام، ولا لكتابة يومياتي وأهمها، ليلتي مع جسيكا، ولكن سأدون عدة نقاط كي لا أنساها، ( العملاق، بيروت، حسون، شوبنهاور)، أصوات خصام شديدة في إحدى الغرف المجاورة، تتوقف، يتبعها خطوات ركض وتتحول إلى طرق قوي على باب غرفتي.
الآن فقط شعرت بالخزي حين فتحت الباب ،نظرة الاستغاثة تلك كانت حقيقية، كنت جبانا حين أهملتها، جسيكا حافية القدمين، تنتفض وتلملم روب الحمام حول جسدها العاري، شفة متورمة، عين بهالة بنفسجية، حتى روحها تنتفض، كل ما أحبه فيها محطم، تجري إلى حمام غرفتي تقفل الباب ( اذهب للمعرض واتركني ).
متجها للمصاعد، المح بطرف عيني ذلك العملاق الروسي يخرج من نفس غرفة جسيكا، يتملكني رغبة بالتهجم عليه، ولكن منطق الشجاهة هنا اخرق ولا وجود لقبيلتي لـ تفزع، اتجاهله واكمل طريقي مفكرا كيف تركتها دون ان احضنها وكانت كل حواسي تصرخ تطالبني بذلك.
رجل عربي آخر يخذلها، أقف في معرض القاهرة قلبي ورائي في الفندق وبقيتي جسد مفرغ يبتسم ببلاهة، في مصر كل شيء يضحك، حسام يحاول شد انتباهي لمشاكل الجناح، ( مالك فيك ايه ؟)، اتجاهل سؤاله اغيب في استحضار بعض انكشافات جسدها واغالب في نفسي ما اشتهيه منها بتذكر رعب عينيها. واحتقر غريزتي
محمد حسان يفرك عينيه، يزيح عنها الغبار، يقف مترنحا، يتلمس طريقه في الركام، في اذنيه نغمة طنين واحدة يجتمع فيها كل صراخ الاستغاثة وأنين الضحايا. قدماه تتعثر بجثثهم يدوسها كأنها قطع الاسمنت باتجاه النور في نهاية الكراج ، وفجأة تعلق ساقه قي يد تخرج من بين الانقاض .
بدأت بكتاب ذلك على الكمبيوتر، بعد أن عدت من المعرض عصرا للراحة، دخلت الغرفة ووجدتها بروب النوم، تجلس على السرير، تضع ثلجا على عينها، ( افتح كمبيوترك واكتب)، (ماذا ؟ )، جمالها ورقتها اختفت كشف الكدمات عن توحش قلبها، شعرت بحدتها، ( سنكتب قصة أبي حسون أو هاسون كما تنطقه ماما).
كيف خرج من بيروت في الحرب الأهلية، وتحول من محمد حسان إلى شربل ليصل إلى اوكرانيا، عندما دخل مكتبة صغيرة يبحث عن كتب رخيصة تساعده على تعلم الروسية، لتعجب به بائعة الكتب. والعربي الوسيم، ببشرته السمراء وشعره الأسود الكثيف، وملامحه الحادة. وتبدأ معه قصة حب أنقذته وأهلكتها.
هذه الرسالة أشعرتني بالتوتر، جسيكا كانت في إحدى الغرف التي أتحدث فيها بكلوب هاوس، تخيلت لو أنها امسكت بالمايك وتحدثت تجاهي مباشرة، اتذكر كيف افقد الكلمات وأشعر بالخجل، ليست إمرأة مجنونة، ولكنها تحاول إضاتي في كل فرصة سانحة، تختبر كل التحفظات لدي، أن تضعني في مواجهة العالم ونفسي
لا تتحدث بشكل مباشر عن ما يزعجها، ولكن أشعر بأنها تريد مني إكمال القصة، هي تقرأ العربية كما أشرت سابقا، ولكنها لا تتحدثها أمام الجميع، وتجعلها سلاحا سريا لاكتشاف العرب ومفاجئتهم، كتبت الكثير من الأشياء ما يمكن له أن يكون رواية، ولكن الأمر أكثر من أن تتحمله تغريدات صغيرة.
والدها العربي محمد حسان أو ما كانت أمها تناديه بـ حسون، نقل جثمان أحد ضحايا انفجار إبان الحرب الأهلية في بيروت، وأوصله لأمه الثكلى، والتي وجدت في حسون بديلا له كابن، فانكرت موت ابنها والبسته اسم ابنها المسيحي المتوفي، جريس شربل
ومن هنا كانت بداية اختلاط هوية شاب يتيم يحاول الهرب من ويلات الحرب الأهلية في لبنان، بحثا عن حياة، لتساعده أمه الجديدة على السفر إلى روسيا، أوكرانيا تحديدا، ليدرس الهندسة، وهناك في مكتبة صغيرة يدخل أشعثا مرتبكا خائفا يبحث عن كتب تساعده في دراسة اللغة الروسية، يقف أمام فتاة جميلة
بإشارات كثيرة وقليل من الكلمات، فهمت بائعة الكتب أنه يبحث عن كتب أطفال روسية، يريد البداية منها، تتفهم ما يريد، أختها بوهدانا كانت قد شعرت بانجذاب اختها لهذا الرجل الغريب، تسرع بفض اجتماع النظر بينهما، فتطلب منه دفع قيمة الكتب، وتلتف إلى أختها بنظرة موبخة، لكن الحب كان قد تمكن
حين كانت تحكي جسيكا عن والدتها، تصفها برقة ونعومة كأنها تصف غيمة صيفية وحيدة تمطر على مجموعة من الأطفال في حديقة، وعرفت أي ملامحها الذي ورثته من والدتها وأيهم من والدها العربي، كذلك الصفات، كانت مزاجيتها وعاطفتها المتقلبة عربية، كمزاجية شاعر تثيرها وردة، أو جثة، بين غضب وسلام
تعرف في نفسها هذا الشيء وتكرهه، وتتذكر كيف كان والدها يحب والدتها ولكنه حين يغضب يضربها حتى تفقد الوعي، جسيكا عالقة في ذكريات كره وحب، تتذكر حب والدها لوالدها، وحبه لها، تلك اللحظات الكثيرة التي ملأت حياتهم سعيدة، ولكن الحوادث القليلة العنيفة أكثر رسوخا في وعيها مخيفة ككابوس
جريس أو حسون اليتيم الهارب من الحرب، كان يحملها معه في قلبه وعقله، يستدعي كل دفاعاته إذا شعر بتهديد، وكل الخدع عند كل حاجة أو عجز. تذكر لي جسيكا أنه كان يصلي صلاة المسلمين وعند التكبيرة الأولى يقبل الصليب على صدره، ذلك الصليب الذي أهدته له أمه التي تبنته قبل رحيله إلى روسيا.
كثيرة هي المشاهد والتفاصيل التي أريد كتابتها، ولكن أقف دائما عند ذكرى واحدة، شرحت كثيرا من القصة في كلمات قليلة، لخصت كامل تاريخها من الحب والكره، كنت قد عدت إلى الفندق ولم أتوقع أن أجدها في غرفتي، ولكن فتحت الباب على صوت موسيقى وغناء صاخب، ترقص بعين متورمة وابتسامة دامية
صوتها الجميل يتقطع بنوبات بكاء، أتوقف أمام تجسيد حقيقي لقول المتنبي:
"ولا تحسبوا رقصي بينكم طربًا
فالطيرُ يرقصُ مذبوحًا من الألمِ"
امسك يديها، ادفعها بهدوء للكرسي، رائحة الثمالة تفوح منها، تشتمني بأكثر من لغة، الروسية، والفرنسية، والانقليزية، تطلب مني إفلاتها.
ضغطت أكثر بيدي كي اثبتها على الكرسي، ثم هدأت، وسكت صوتها الذي شككت أنه جذب انتباه الغرف المجاورة، ولعل صوت هاتف الغرفة قد أفاقها قليلا وجعلها تدرك الأمر. اكتب الآن واتذكر أشياء لم انتبه لها حينها، انكشاف صدرها، وأجزاء كثيرة من جسدها، ومحاولتها لاحتضاني والتي بدت حينها مقاومة لي
- هل ستضرب زوجتك؟
سألتني وأنا اضع كمادة من الثلج على عينها، ممسكة بذراعي وتنظر بانكسار في عيني. ( لا ) أجبتها وشعور بالتورط يأخذني بعيدا بالتفكير ماذا سأفعل بها، تجاهلته ، ( هل نذهب بك للمستشفى؟)، ترد بنصف ابتسامة ( سأعود إليه)، ستعود للضخم الذي هربت منه، ( انصحك بالذهاب للسفارة)
ابراهام : (كانت أمي على سرير المرض يقولون أنها مصابة بالتهاب رئوي، وأمي يمرضها ويهتم بها ويصلي بجانب سريرها، وما لا يعرفه أحد أنه كسر أحد ضلوع صدرها، ورفضت أمي أن تبلغ عنه حتى عائلتها خوفا عليه). قالت لي في يوم وفاتها :( إنه طيب ولكنه مسكون بأشباح طفولته، لا تكرهيه يا جسيكا ).
- وهل كرهتيه ؟
نهضت فجأة، بدأت بترتيب ملابسها، بحركات سريعة وغاضبة، عادت للجلوس أمامي ( ليس لأنك عربي، لأنك تشبه أبي، رجل مسكون بالأشباح )، واتجهت للباب والتفت لي، ( كانت تحبه يا ابراهام، ونعم أنا أكرهه، ولكني احب رجل يشبهه ). ولم افهم من تقصد أنا أم الروسي الضخم الذي ستعود إليه.
تمت

جاري تحميل الاقتراحات...