قالت البنت الفرنساوية وهي تتمطّع وتتقصع: حدثني عن التخطيط في بلادكم وعن المخططين عندكم؟ فقلتُ لها: أما عن التخطيط فليس في الدنيا كلها تخطيط مثل الذي عندنا. أما عن المخططين، فكل الشعب يخطط! أحيانًا على ورق، وأحيانًا على حجر، وأحياناً على بلاط.
ادخلي دورات مياه في بلاد العصر الحميري، ستكتشفين أن كل الرواد قد تركوا خطوطاً على الجدران وعلى الأبواب. انظري إلى سيارة تمشي في بلاد العصر الحميري، ستجدين خطوطاً ظاهرة: (الصبر جميل) و (سيري بأمر الله) و (إلى الأمام يا محروسة إلى الأمام).
قالت: ولماذا يُخططون على الحوائط وعلى السيارات ولا يُخططون على الورق؟ قلت: لأن التخطيط على الورق يُعتبر في بعض بلاد العصر الحميري نوعاً من أنواع المغامرة. وفي بعض المناطق يُعتبر التخطيط على الورق جريمة.
والورقة المخطوطة يُسمونها منشوراً، ومخطِّط المنشور يقدم للمحاكمة بتهمة قلب نظام الحكم. قالت: مسألة غريبة! كيف يُتهم بقلب نظام الحكم، مع أن كل الذي ارتكبه التخطيط على ورقة؟ قلت: جريمة حمل الورقة في بعض بلاد العصر الحميري أخطر من جريمة حمل السلاح!
والقاتل في العصر الحميري يعامل في سجنهِ معاملة أفضل من مخطِّط المنشور، ويفرج عنه بنصف المدة إذا كان حسن السيرة والسلوك. أما مخطِّط المنشور فسيقضي مدة الحكم كلها، ويوم الإفراج عنه لن يغادر السجن إلى الشارع كبقية المساجين.
ولكنه سيخرج من السجن إلى إدارة الأمن في بعض المناطق، وإلى المباحث العامة في مناطق أخرى، وإلى مباحث أمن الدولة في مناطق ثانية، وإلى المخابرات في مناطق ثالثة. (وبعد ذلك) قد يخرج إلى الشارع، وقد يعود مرة أخرى إلى سجنه :). قالت البنت وقد اندهشت وانهبشت: هل يوجد قاض في هذه الأماكن؟
قلت: السجن في بلاد العصر الحميري لا يحتاج دخوله دائمًا إلى حكمٍ من القاضي، فلدينا أبواب أخرى لدخول السِّجن، وذلك تيسيرا على المواطنين من الذهاب إلى المحكمة والوقوف في قفص الاتهام، واستئجار محامين، وصدور أحكام، ثم استئناف هذه الأحكام.
وبدلاً من خوتة الدماغ ووجع القلب، يمكن للمواطن أن يذهب إلى السِّجن بأمرٍ من المباحث أو بتليفون من المخابرات. قالت: ويدخل الشخص السجن من أجل هذا؟ قلت: ويموت فيه أحيانًا، ومن يسأل عنه يدخل السجن هو الآخر. قالت: وهذا الاجراء قانوني؟ قلت: بل هو القانون ذاته.
لدينا هناك قوانين شتى؛ قانون الطوارئ، قانون الاشتباه، قانون التحفّظ، قانون الاعتقال. (وبعد ذكر أحوال بعض المساجين، وأن بعضهم أُعدم وبعضهم لا أحد يعلم مصيره إلى الآن) قالت البنت وهي تكاد تبكي: ولماذا لم يحتجّ أهلهم؟ ولماذا لم يلجأوا إلى جمعيات حقوق الإنسان؟
قلت: في العصر الحميري لدينا جمعيات لرعاية الحيوان، أما الإنسان فليس له جمعية حتى الآن. باعتبار أن هذا الصنف من المخلوقات يمثّل أقلية وسط أغلبية من جميع أصناف الحيوان. ثم إن هؤلاء المعتقلين ليس لهم أهل على الإطلاق. قالت: تعني أنهم مقطوعون من شجرة؟
قلت: لا أعني هذا بالضبط، ولكن هؤلاء المعتقلين كان لهم أهل قبل الاعتقال، وبعد الاعتقال اختفى أهلهم بقدرة قادر. قالت البنت الخواجاية: هل ذهبوا في رحلة سياحية للترويح عن النفس؟ قلت: بل ذهبوا حيث لا يعلم إلا الله. وبعض الحكومات في العصرِ الحميري تأخذ بالأحوط.
ما دامَ فرد من الأسرة متهماً بالتآمر، فلابد أنه من أسرةٍ كلها متآمرون، ولأننا نؤمن بنظرية ”العرق دساس“ فلابد من أخذ الحيطة حتى لا يتكرر نفس الأمر من نفس الأسرة. وطبقاً لهذه النظرية تلجأ بعض حكومات عصرنا إلى القبض على أسرة المتآمر الذي ذهب وراء الشمس.
قالت: وإلى أين يذهبون بهم؟ قلت: في السجون مكان لكل مواطن، ومن تضيق به السجون تتسع له المقابر. (وبعد ذكره لبعض الحكام والثراء الفاحش الذي يعيشون فيه) قالت البنت وهي شديدة العجب: ومن أين حصلوا على هذه الفلوس؟
قلت لها: عندنا في العصر الحميري يحصل على الفلوس كل حسب نيته؛ وأغلب حكام عصرنا والحمد لله من أصحابِ النيات الطيّبة. قالت: نيتهم حلوة وعرفنا، ولكن من أين جاءت لهم الفلوس؟ قلت: لم يسأل أحد حتى الآن هذا السؤال، لأن السؤال في عصرنا عيب، وأحيانًا مذلة.
انتهى.
انتهى.
جاري تحميل الاقتراحات...