ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

24 تغريدة 401 قراءة Aug 11, 2020
حين نأتي على ذكر الموضة والإتيكيت والموسيقى وإعطاء كل شيء حقه من النظام والدقة، فإن أوروبا تبرز لنا فورًا كمنطلق ومثال مميز لا يزال ينبض بالحياة، لكن عبر تتبع تاريخي بسيط نجد أن هناك اسمًا عربيا بارزا ساهم بقدر لا يوصف في تعريف أوروبا بكل هذه الأنماط والفنون..
من هو؟
حياكم تحت
لقد قضى هارون الرشيد على الفتن واستتبت له الأمور وحانت لمجالسه الراقية أن تذخر بصنوف عدة من الفنون، مناظرات وعلوم وعقول واعية ترتفع بهذا المجلس إلى عنان المعنى والفكر، كان لفن الموسيقى والغناء موضعهما من هذا المجلس، وقد قام عليه شخصية فريدة هي إسحاق الموصلي.
"كان الغناء أصغر علوم إسحاق وأدنى ما يوسم به" هكذا كان رأي الأصفهاني فيه، فقد جمع الرجل بجانب موهبته الموسيقية والغنائية الفذة؛ معرفة جمة بعلوم اللغة والشعر والأخبار، لذلك حق له أن يكون نديمًا ومقربًا من الرشيد، ليس الرشيد فحسب بل من بعده نادم المأمون والمعتصم والواثق.
أراد الرشيد يوما لمجلسه أن يتجدد بسماع موهبة موسيقية جديدة، مال على الموصلي آمرًا إياه بذلك، بحث الأخير في دائرة تلاميذه فلم يجد خيرًا من أبو الحسن علي بن نافع والذي عُرف لاحقًا بـ زرياب، ما إن أخبره حتى خالجه الخوف، لكن ما تعلمه وأتقنه على يد الموصلي من فنون يكفي كي يثبت ذاته.
في الليلة التالية مر زرياب إلى مجلس الخليفة والرهبة لا تزال تتردد أصداؤها في داخله، أمسك عوده ومضى بقوة موهبته يصدح بغناء وثير يقول "يا أيها الملك الميمون طائره .. هارون راح إليك الناس وابتكروا" ما إن انتهى حتى طار الرشيد به فرحا، آمرًا له بالعطايا وموصيا بإحضاره دوما لمجلسه.
لكثرة ثناء الخليفة على زرياب وإعجابه بموهبته الفذة، اتقدت الغيرة في نفس أستاذه الموصلي، شاب صغير لا يمتلك سوى موهبته أمام أستاذ رصين له أكثر من 40 مصنفًا في الموسيقى، لم تمنعه مصنفاته ولا رجاحته المفترضة أن يهدد زرياب بالقتل؛ إذا ما انتوى الاستمرار في الاتصال بالخليفة.
لم يكتف الموصلي بالتهديد بل دبر له مكيدة جعلت زرياب مجبرًا على الرحيل والابتعاد إلى أقصى ما يمكنه، مضى الرجل ووخز الألم يعتصره، الصحراء من حوله وقدماه تدفعانه من بلد لآخر دونما استقرار، إلى أن انتهى به المطاف في المغرب العربي، تحديدًا في القيروان.
أشرق زرياب بثناء صوته على أهل القيروان، فحملته الأخبار إلى قصر بني الأغلب، حيث قضى في بلاطهم ردحًا من الزمن، وذلك قبل أن يطير بخياله إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط، حيث الأندلس العامرة في أوج رخائها وجمالها تحت سلطة الحكم بن هشام الأموي.
بعث زرياب برسالة إلى الحكم بن هشام أمير الدولة الأموية في الأندلس، يعرض عليه خدماته، فلم يكن من الأمير إلا أن وافق على قدومه لما عرفه عنه من فن وإجادة، وصل زرياب قرطبة العاصمة عام 206 هـ، كل هذا والأحلام تمنيه بلقاء الأمير، لكنه فوجئ بخبر صادم، لقد مات الأمير.
تيه وتخبط وبلاد غريبة لم يعرفها من قبل وموعد ووعد ضاع أدراج الرياح، لم ييأس الرجل ودق باب الخليفة الجديد عبد الرحمن الثاني، ففتحت له الأبواب وأشرعت له النوافذ، وأغدقت عليه العطايا وأكرم أيما إكرام، كل هذا بعدما حمل زرياب بموشحاته وصوته الشجي قلب الخليفة إلى مواضع أخرى من الجمال.
لم يمض كثير من الوقت حتى صار زرياب نديما للخليفة وأقرب أقربائه، حيث أجرى عليه الخليفة راتبًا شهريًا قدره 200 دينار، هذا فضلا عن قصر منيف، ولم يقف الأمر عن تلك الأعطيات، بل حظى بمكانة علية مكنته من إنشاء مدرسة هي الأولى من نوعها لتعليم الموسيقى وفنون الغناء أسماها دار المدنيات.
كان زرياب مبتكرًا، لم تقف مهارته الموسيقية عند ما وفد به من بغداد ومن قصور العباسيين، بل قام بتطوير آلة العود؛ فأضاف وترًا خامسًا إلى أوتاره مما أضفى أبعادًا أخرى للتنغيم، كما جعل من قوادم النسر مضرابًا للعود مستعيضًا في ذلك عن الخشب، الأمر الذي ساعد في إنتاج ألحان موسيقية أفضل.
لم تقع لزرياب تلك المكانة من خلال الموسيقى والغناء وحدهما، بل كان لسعة اطلاعه وقوة حجته وإلمامه بعلوم شتى مثل الشعر والفلك دورًا محوريًا في شغف الناس به واحتفالهم به، لقد أحدث الرجل بقدومه إلى قرطبة ثورة اجتماعية طالت كل مناحي الحياة.
قدم زرياب قرطبة ولا يزال الامتزاج الثقافي بين الفاتحين وأصحاب البلاد لم يتمخض عنه تلك الصورة المبهرة المعروفة عن الأندلس، التحضر والتمدن لم يعرف طريقه بعد إلى الناس، فالطعام ذا أصناف محدودة يقدم في طبق واحد، فيما الآكلين يقدمون عليه بشكل وظيفي دون نظام يذكر.
أما زرياب فقد عمد إلى نقل صور الحضارة المشرقية إلى الأندلس وابتكر فيها وأضاف إليها، فظهر على يديه فن الإتيكيت، إذ علّم الأندلسيين لأول مرة طريقة تقديم الطعام وتنظيمه في أطباق مختلفة ومتنوعة تبدأ بالحساء والمقبلات ثم يلي ذلك الطبق الرئيسي ثم ينتهي الأمر بالحلويات
اهتم الرجل بتنسيق الطعام واستبدل الأصحن المعدنية بالأطباق الزجاجية ذات الشكل الجمالي، كما اتخذ فكرة السكاكين والشوك والملاعق، كما آثر افتراش مكان الموائد بالجلد الناعم عن افتراشه بالكتان وذلك لصعوبة تنظيف الثاني من بقايا الطعام في مقابل الأول الذي كان سهلًا يسيرا.
لم يبخل زرياب على الأندلسيين فأمدهم بوابل من أصناف الطعام والأكلات التي اهتم بجمعها من العراق فدمشق حتى بلاد المغرب، فصنع بذلك للمطبخ الأندلسي هوية كان يفتقدها، ومن أشهر الأطباق التي أضافها طبق يعرف باسم asparagus، كما له الفضل في ابتكار حلويات الزلابيا.
تسجل صفحات الأندلس التاريخية ابتكار زرياب لأول معجون أسنان عرفته أوروبا، لم تتضح على وجه الدقة المادة التي صنع منها زرياب معجونه، لكن ثبت أنها كانت مادة فعالة وذات طعم مستساغ، كما اهتم زرياب بتطوير فكرة الحلاقة وأضاف تسريحات شتى ومتنوعة لم تعهد من قبله.
جاء زرياب إلى الأندلس وملوكها يستخدمون الورد والريحان للتخفيف من حدة العرق، لكن الورد وغيره كان يترك الملابس وقد اتسخت، فابتكر لهم زرياب أول مزيل عرق لا يترك وسخا على الملابس وقد صنعه من المرتك، كما أدخل فكرة تبييض الملابس وتنظيفها بالملح وهي أمور كانت محل انبهار.
قبل قدومه كان الأندلسيون يرتدون ذات الملابس طيلة العام، لكن مع زرياب اختلف الأمر، إذ ميّز لكل وقت من اليوم ما يخصه كما ميز لكل فصل ملابسه وأقمشته الخاصة، فخصص للصيف الملابس البيضاء الخفيفة، أما الربيع فاختصه بالحرير والألوان الزاهية، أما الشتاء فكان له الفراء والملابس المبطنة.
لأجل كل هذه المظاهر الحياتية المهمة والتي سهلت كثيرًا من تعاطي الناس مع الحياة، أحب الجميع زرياب والتفوا حوله ووضعوه في مكانة يستحقها، ولا يزال زرياب في كتب الغرب والأوربيين يُرجَع إليه بالفضل في ظهور الموضة والإتيكيت والتمدن، لكن لدينا يضعه البعض سببًا من أسباب سقوط الأندلس.
أتى زرياب قبل سقوط الأندلس بنحو ستة قرون، وكان قدومه في مرحلة الأندلس الذهبية التى نحكي ونتحاكى عنها اليوم، بجمالها ومظاهرها العمرانية والحياتية التي فاقت كل تصور، الأندلس التي كانت يلتهب نجمها في سماء الحضارة، بينما أوروبا غارقة في الظلام وجهل قرونها الوسطى.
آن الآوان أن ننظر إلى ذلك الرمز العربي نظرة إيجابية منصفة تضعه في مكانته التي يستحقها، فلا يصح أن يعترف الغرب بما أنجزه لهم من نقل للمعرفة والفنون حتى أقاموا له نصبا في قرطبة، في حين نلعنه نحن وننسب له تهما هو بريء منها.
ختاما
رشحوا شخصية ترون أنها لم تأخذ حقها في عصرنا الحالي ؟

جاري تحميل الاقتراحات...