معاذ صفوت
معاذ صفوت

@Moaath

14 تغريدة 50 قراءة Aug 10, 2020
(التدريس في غير الاختصاص)
يحصل كثيرًا للمعلم المُتقِن لمادته أن يطلبَ منه طلابه تدريسَهم مادةً أخرى أشكلت عليهم، ويتمنَّون أن يفهموها عن أستاذهم، حيث لم يجدوا مَن يوصل إليهم المعلومة العلمية بمهارته وأسلوبه، فلماذا لا يقبل المعلم هذا الطلب ويجيبهم إلى سؤْلهم؟
الحقيقة أن التدريس تغذيه – في رأيي – ثلاثة شرايين:
الأول: شريان الملَكة، ومرادي بها حسن اختيار المعلم لطريقة إيصال المعلومة، وحسن تنظيمها منطقيًّا في أذهان المتلقِّين، ورفدها بالأمثلة والروابط من العلوم الأخرى المستقرة في أذهانهم
والمتقن لهذه الملكة هو الذي يسمى معلمًا، ويسرع نموها في المعلمين الذين تدعم أنماط شخصياتهم ممارسة مهارات الإقناع والتسويق، فما التعليم إلا صورةٌ من تلك الصور.
الثاني: شريان العلم، ولا داعي للعجب، فربما يكون المعلم مجيدًا لإيصال المعلومة، ولكن المعلومة نفسها محدودةٌ عنده، فمن جمع بين ملَكة التعليم وكثرة العلم، كان أجود ولا شك عند المتلقِّين.
الثالث: شريان الممارسة، وهذا في رأيي بعد وجود الشريانين السابقَين أهم معيار يبرز أجود المعلمين، حيث يزدحم عليهم الطلاب، ويبلغ صيتهم الآفاق.
فالممارسة تنعكس على المعلم في حضور الأمثلة المتعددة لكل فروع ومسائل العلم الذي يدرِّسه، وإجادة اختيار مصادر التوسُّع للطلاب بما يتوافق وأنماطَهم الشخصية، ومراحلهم العلمية، ويجد بممارسته مئات التجارب التي تحلُّ إشكالات الدارسين، وتختصر عليهم سنوات من الطلب.
هذا المعلم البارع في علمه، المالك لناصية تخصصه، لا يقبَل الإقدام على تدريس غير اختصاصه، لأنه وإن تحقق له رافدا الملكة والعلم، فليس لديه عمق في الممارسة، التي هي سر البراعة والأستاذية، والمكانة التعليمية.
فإن قدَّم مادة علمية لم يمارسها؛ لم تجد منه المستوى المتوقع، وليس ذلك لعيب فيه، ولذلك قالوا: «إنما قيمة كل امرئ ما يُحسنه».
على أني بهذا لا أحجر على المعلم في إثراء طلابه بكل ما يستطيع من علوم الآلات وغيرها، وإنما أقصد بمنشوري هذا ثلاثة أمور:
• حفز المعلم لممارسة أكبر قدر ممكن من العلوم والفنون وعدم القناعة باليسير منها، ليكون متعدد المهارات، ولن يصل إلى ذلك إلا بالتدريس ولو كان دون المستوى الذي يرجوه، فإنه يترقى مع تعدد التجارب، ويرفد تجربته التعليمية بشريان الممارسة، بتقديم المادة الجديدة عدة مرات.
• تعريف المتلقِّين بأن العلم لا يحويه كلَّه فردٌ واحد، وأن يفهموا سبب تفاوت مستويات المعلم الواحد في العلوم المختلفة رغم أنه تعلمها جميعًا، وربما على يد أساتذة مهرة.
• إعانة المتلقِّين المبتدئين على اختيار الأستاذ المناسب في العلم، فأفضل أستاذ هو من جمع هذه الروافد الثلاثة، بهذا الترتيب المذكور.
وأما طالب العلم الذي مارس التعلم وفهم أساليب المعلمين فلا حاجة له بمن يعينه على اختيار الأستاذ المناسب، ويمكنه بعد تحصيل الأساسيات أن يستفيد من العالِم الممارس، وإن لم يكن لديه ملَكة تعليمية، فليس كل عالمٍ يصلح للتدريس، فإيصال المعلومة في حد ذاته مهارة مستقلة، والله الموفق.
t.me
هنا رابط للمقال منسقًا بصيغة PDF على قناة التيليجرام.

جاري تحميل الاقتراحات...