بَاء
بَاء

@ui0ix

37 تغريدة 15 قراءة Aug 10, 2020
من يوم الخميس 5 جمادى الثانية 1436هـ - 6مارس 2015م , سأروي لكم قصة صديقين أدو الخدمة العسكرية في حدنا الجنوبي سوياً فكانت لحظات وتضحيات تستحق أن تُروى ..
فضّل التغريدة وتابِع السرد :
أنا أحمد , في يوم الخميس ذهبت إلى عملي كرقيب أول في قاعدة الدفاع الجوي بجدة في تمام الثامنة صباحاً وأنا مليئاً بالبهجة والسرور لأني بطريقة ما إستطعت الحصول على يوميّ إجازة وبالتالي سأقضي إجازة نهاية الإسبوع بجانب زوجتي علياء وإبنتي فجر في المدينة المنورة حيث منزلي ...
بسبب طبيعة عملي تحتم علي أن أقيم في مدينة جدة برفقة صديقي وشريكي فالسكن سعود الذي دوماَ ما يخبرني بشوقه لأمه بإستمرار وأنه لايطيق البعد عنها ..تناولت الإفطار مع سعود وأنا أتحدث إليه لاحظت شحوباَ في وجهه ونبرة حزن في صوته فما كان مني إلا أن أسأله "ماذا بك؟" ..
فأجابني أنه يشتاق لرائحة خُبز والدته قبل بزوغ الشمس وبنبرةُ يملأها الشوق أخبرني ظمأآن لحضن أمه وأنه يتلهف للذهاب إليها في مدينة الجوف فطلبت منه أخذ إجازتي والذهاب إلى أمه لكوني أتواصل مع عائلتي دوماَ عبر الهاتف بدأ لي فرحاَ بعض الشيء ولكنه أجابني بالرفض لكون الإجازة قصيرة ...
وأنه لن يدرك حتى الرحلات الجوية إلى مدينته ...طلبت منه الصبر واخبرته بأن الله مع الصابرين , أنهى سعود عمله مبكراَ وأتصل على هاتفي ليطلب مني الذهاب وأنه سيؤدي عني ماتبقى علي من ساعات العمل , شكرته وسألته إن كان يريد شيئاَ مني قبل أن اذهب فما طلب مني إلا أن أوصل سلامه لإبنتي فجر ..
خرجت وركبت سيارتي ونبضات قلبي تتسارع شيئاَ ف شيئاَ يا إلهي كم أشتاق إليهم كم أتلهف لرؤيتهم وإحتضانهم بشدّة , بدأت طريق العودة إلى المنزل....وبعد مضي ساعتين وصلت , ذهبت إلى عتبة المنزل مسرعاَ حتى أني لم أطفئ محرك السيارة فاللشوق أحكام ...
وزادت لهفتي حين سمعت ضحكات فجر تعلو من نافذة غرفتها , دخلت إلى المنزل وإستقبلتني فجر بلبس مزركش جميل وأخبرتني أنها تنتظرني منذ ساعات فما كان مني إلا أن احتضنها هي ووالدتها لأخبرهم كم كان الوقت سيئَ من دونهما تناولنا العشاء الذي لم يتوقف أحدنا عن الحديث أثنائه...
و بعد أن عدت إلى السيارة لأخذ حقيبتي التي أنسانيها الشوق شعرت بالتعب من السفر , فخلدت للنوم ....وفي تمام الساعة الثانية صباحاَ تلقيت إتصال هاتفي من رئيسي فالعمل , أخبرني بضرورة تواجدي في القاعدة حالاَ !!! فقلت له "ماالأمر للتو وصلت إلى المنزل؟" ...
فأخبرني بأن على الجميع التحضير في تمام الثامنة صباحاَ وأغلق الخط , رعدت وأتصلت على سعود لأستفسر منه , فأخبرني بأن هناك أوامر عليا ببدء عملية "عاصفة الحزم" في الحدود الجنوبية , فقلت له "ماالذي ييييحددددث؟" قال لي فالصباح سنفهم ما الأمر "تعال وإنتبه للطريق" ....
أخبرت زوجتي بالأمر وأن علي الذهاب فما كان منها إلا أن تودعني , تالله أني أستطعت أن أرى دموعها التي تحاول إخفائها عني كي لا أشعر بالحزن ..
, حزمت أمتعتي وانا احاول جاهداً ألا أوقظ فجر من نومها وأكتفيت أن أراها من باب غرفتها وهي تحظى بنوم هنيء متأكدة أنها ستفيق لتجدني على مائدة الإفطار أخبرها بأنها أطالت النوم وتأخرت عليّ , بدأت طريق العودة ...
وصلت إلى القاعدة في تمام الساعة الثامنة صباحاً فوجدت الجميع متواجد , طلب منا القائد الدخول إلى القاعة ليشرح لنا مالذي يحدث , أخبرنا بأنه أصدر قرار ببدء التدخل العسكري لدعم الشرعية في اليمن، ومسمى"عاصفة الحزم" أطلق للإشارة للنشاط العسكري المتمثل أساسا بغارات جوية ضد جماعة (الحوثي)
الموالية لإيران والقوات الموالية لهم ، أخبرنا القائد بأن كتيبتيَ "فرسان الجو" و "صقور الدفاع" سيتجه أفرادها إلى نجران ظهر اليوم , صقور الدفاع هي كتيبتي أنا وسعود ... فما كان منا إلا أن نلبي نداء الواجب , حزمنا أمتعتنا وركبنا الباص في تمام الساعة الواحدة ظهراَ ...
في الطريق وأنا اتبادل الحديث مع صديقي سعود الذي يجلس بجانبي في مؤخرة الباص أخبرني انه يتمنى ألا يطول الإنتداب لكي يعود ويزور والدته لا أخفيكم أني تمنيت ذلك ايضاَ...
وصلنا إلى قاعدة الدفاع الجوي بنجران , قابلنا أحد قادة القاعدة وبعد أن رحب بنا وشكرنا على تلبية نداء الواجب أطلعنا على مكان إقامتنا فالقاعدة .. مضت الأيام ..بعد أن مضينا شهرين فالقاعدة بدأت أول الضربات الجوية السعودية على مطار صنعاء وقاعدة الديلمي الجوية ومقر قيادة القوات الجوية..
التي كانت تخلو من المدنيين والتي كان الحوثيون يسيطرون عليها وعينوا قائداً لها منهم .. أخبرنا القائد بالإستنفار وضرورة التقدم إلى الخطوط الأمامية لمساندة القوات البرية الملكية السعودية والحرس الوطني وجميع أركان الحرب العامة ضمن وزارة الدفاع ..
ذهبت مع كتيبتي إلى أحد جبال مدينة نجران خيمنا وتقسمنا إلى عدة وحدات , وقع مخيمي انا وسعود بالقرب من الخط الحدودي الأول لقوات العدو , أمضيت الأسبوعين الأولى وأنا أسمع أخبار إستشهاد العديد من زملائنا وسعود يحفزني ويرفع من معنويات كلانا...
بعد ذلك وفي أحد الصباحات الجميلة أتاني سعود مسرعاَ فرحاَ بعد أن انتهى من مكالمة والدته ليخبرني أن أمه خطبت له الإمرأة التي يحبها منذ صغره...
فرحت له فرحاَ شديداَ ودعوت الله أن يتمم له ويرزقه الذرية الصالحة وبعد أن باركت له أختار رفيق دربي أن يطهو عشائنا بمناسبة خطوبته , بدأ يطهو العشاء وعلى وجهه نفس الإبتسامة التي لم تفارقه منذ الصباح وفي عينيه لمعة وكأن إحدى نجوم السماء إختارت أن تستقر في بؤبؤ عينيه ..
بعد أن تناولنا عشائنا اللذيذ في تلك الليلة التي أسميتها في مذكرتي اليومية "مساء الإثنين السعيد" أخبرت سعود بأنه طباخ ماهر وخلدت للنوم لكوني سأؤدي المناوبة الصباحية ....
فقت من نومي في الثالثة فجراَ , أردت أن أصلي الوتر فأخذت دلو الماء وإبتعدت قليلاَ عن المخيم لأتوضأ , فإذا بي أرى عدة أشخاص يحملون كشافات يدوية يقتربون من مخيمنا فعدت مسرعاَ إلى المخيم وأخبرت سعود فتغيرت تعابير وجهه الفرحة بخبر خطوبته ...
حاولنا أن نطلب الدعم من القاعدة ومخيم كتيبتنا الذي يبعد عنا حوالي 9 كيلو عبر اللاسلكي ولكن هنا الصدمة !! لايوجد إشارة , سألني سعود عن عددهم فأخبرته بأنهم قرابة السبعة فسألته عن إمكانية عودتنا إلى مخيم الكتيبة فأجابني بأن مخيمنا أأمن لنا من الوادي الذي سنعبر منه إذا قررنا العودة..
فما كان منا إلا أن نواجههم نحن الإثنين , فقال لي سعود آية من القرآن كانت كفيلة بأن تعيد إلي توازني (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) , بدأنا بتعبئة أسلحتنا ..
ونحن نسمع أصوات خطواتهم تعلو شيئاَ ف شيئاَ ونرى أنوار كشافاتهم تقترب من مخيمنا , بدأوا بإطلاق النار بكثافة علينا فبادلناهم ذلك إستطاع سعود أن يصيب أحدهم وإستطعت أيضاَ أن أصيب آخر ..
بعد ذلك إستمرينا بتبادل إطلاق النار لأكثر من ساعتين من فرط الضجيج أخذنا نتحدث بلغة الإشارة أنا وسعود ونحن بجانب بعضنا لأنه لايستطيع أحدنا سماع الآخر من وقع الرصاص حولنا بطريقة ما أخبرني سعود أنه سعيداَ أني بجانبه فأخبرته بأني أبادله نفس الشعور وأنه أفضل صديق يمكن للمرء أن يحظى به
فالسادسة صباحاَ لم يتبق منهم سوى ثلاثة بعد أن أصبنا أربعة منهم , إستطاع سعود إصابة الخامس فلم يتبق سوى إثنان فبدأت بإطلاق النار بشكل عشوائي لأغطي على سعود فأًصبت بطلقة في كتفي الأيمن لم أشعر بالألم إلا عندما حاولت أن لا أتألم , فحاولت أن أستمر بحمل سلاحي وأكمل ماتبقى مع سعود..
ولكني فقط لم أستطيع من شدة الألم , فأصبح سعود محاصر من الجهتين فلف على إصابتي قطعة قماش بألوان زاهية يضعها على رأسه دوماَ عندما يشعر بالبرد فإستندت عليه وبدأنا فالعودة إلى الخلف على أمل أن نصل إلى مخيم كتيبتنا ..
بعد أن إبتعدنا قرابة 2كيلو من خيمتنا شعرت بالدوار والألم الشديد فلم أستطع مواصلة السير فجلست تحت شجرة فطلبت من سعود تركي والذهاب إلى مخيم الكتيبة ف أبى وأخذ يحملني فوق كتفيه وهو يطلب مني عدم فقدان الوعي ويخبرني بأن القماش الذي على موضع إصابتي إبتاعته له والدته لكي يدفء نفسه به..
ويقص علي حكايات طويلة في سبيل محاولته أن لا أفقد وعيي ...عندما لم يتبق على مخيم الكتيبة سوى 2كيلو فقدت الوعي وأختفى كل ماحولي من عيناي لم أستطع إلا أن أسمع شهقات سعود ودعواته أكاد أجزم أن دقات قلبه في ذلك الوقت إلى الآن تتردد في أذناي ...
وصلنا المخيم ومن المخيم حملتنا سيارة إسعاف إلى أحد المستشفيات بنجران , فقت بعد قرابة 6 ساعات فنظرت بجانبي فوجدت سعود يغط في نوم عميق وملابسه ملطخة بدمي وضجيج الأجهزة من حولي ويدي مغطاة بالكامل بالأبيض ...
بعد عدة أسابيع وعندما سمحت حالتي طلبت نقل إلى أحد المستشفيات فالمدينة لأكون بالقرب من عائلتي , بعد أن شكرت سعود على تضحيته وشجاعته أخبرته بأني لن أطيل الغياب عنه وذهبت بطيارة إسعاف خاصة إلى المدينة , وصلت فوجدت فجر وأمها ينتظراني أمام بوابات المشفى فأخذت أحتضنهم وأطمنهم بأني بخير
عندما أخبرني طبيبي بأن ساعدي يعاود الحركة تدريجياَ وأن ليس علي سوى مواصلة العلاج الفيزيائي كنت قد قضيت قرابة الشهر فالمستشفى فأخذت هاتفي وأتصلت على سعود لأخبره أني سأعود إلى المنزل , بعد أن أخبرته قال لي أنه ينتظر نهاية الأسبوع ليحصل على إجازته ويذهب لوالدته ويتم زواجه..
فأخبرته بأني أتشوق لرؤيته بلبس زفافه ....
هل تريدون معرفة ماذا حدث بعد ذلك ؟ لم يحدث شيء سيء هو فقط أن الله اختار له أجمل مايمكن حدوثه لم يتنهي ذلك الأسبوع..لم يحصل سعود على إجازته..لم تكتمل فرحته التي كان ينتظرها..لم أره بلباس زفافه قط...
بعد عدة ساعات أتصل علي القائد ليخبرني بإستشهاد رفيق دربي وأخي سعود في أحد غارات العدو على مخيم الكتيبة , من فرط وقع الحزن علي أغلقت المكالمة فوراَ وأتصلت على هاتف سعود لاشعورياَ لأسأله إن كان على مايرام , ولكنه لم يكن كذلك أبداَ ..
, تذكرت منزلة الشهداء عند الله وشعرت أن الله أراد له أن يكمل حياته فالجنه فخفف ذلك علي ألم فقدانه قليلاَ...
توَفي سعود وها أنا بعد سنتين من وفاته أقص عليكم بطولته لأخبركم بأني ليلة البارحة رزقت بمولود أسميته على إسمه لكي لا يغيب سعود لحظة عن ذهني وقلبي .
- معلومة : (( القصة ليست حقيقية )) وإنما أردت أن أذكركم بالدعاء لأبطال الحد الجنوبي من خلالها.
- كُتبت بكل حب : بَاء ❤️❤️
إنتهى.
@Rattibha رتب

جاري تحميل الاقتراحات...