ضِرْغام
ضِرْغام

@LK___MAN

15 تغريدة 48 قراءة Aug 09, 2020
سأل ألكسينس من إليس أحد الفلاسفة على سبيل السفسطة : «هل أقلعت عن ضرب أبيك؟» فما كان جواب الفيلسوف إلا أن قال : «لم أكن أضربه و لم أقلع »
يمثل سؤال ألكسينس مثال لما يسمى في علم المنطق الصوري بمغالطة السؤال المشحون loaded question
أو السؤال المركب complex question الذي يعمد إلى دس "فروض مسبقة" presuppositions غير مبررة و غير داخلة في التزامات الخصم داخل سؤال واحد، و هو نوع من المصادرة على المطلوب The Fallacy of Begging the Question.
و السؤال هنا لا يختلف عن سؤال الملحد التقليدي : لماذا يحتاج منا الله أن نعبده ؟ و لكن لحظة يا ملحد !! أنت تصادر على المطلوب، من قال لك أصلا أن الله محتاج ؟ و هنا الإشكالية الأولى.
الحاجة صفة نقص تناقض الكمال الواجب في حق الله تعالى، و لا تليق بخالق الكون كامل الصفات (وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، فإذا كان الماء ـ و هو المخلوق ـ لا يحتاجنا
فالأولى بالخالق أن يكون غنيا عن الناس و عن أفعالهم، و غني عما سوى ذلك (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) و جاء في الحديث القدسي من صحيح مسلم باختصار (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا) .
تكمن الإشكالية الثانيةفي الفهم الخاطئ لدلالة الآية(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)فقد جاء في تفسير القرطبي عن علي رضي الله عنه قوله في تفسير الآية (أي وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بالعبادة ) فيتوهم البعض أن الله هو المستفيد من العبادة (سبحانه وتعَالى عما يقولون علوا كبيرا)
في حين أن الإنسان هو من يحتاج لعبادة الله لما فيه صلاحه و صلاح الناس و لينال رضا الله و يستحق الجنة، مثلما يحتاج الإنسان للماء ليعيش و ليس العكس، و لله المثل الأعلى.
أما الإشكالية الثالثة عند صاحب السؤال فتخص كلمة العبادة ذاتها، فالعبادة في الاصطلاح الشرعي لا تقتصر على الشعائر فقط ، بل كل عمل صالح يُبتغى منه وجه الله تعالى وحده، من عمارة الأرض إلى إماطة الأذى عن الطريق يعتبر عبادة،
بل حتى اللقمة يضعها الرجل في فم زوجته تعتبر صدقة و عبادة يؤجر عليها كما جاء في صحيح البخاري، لهذا تجد الإيمان في القرآن مقرون غالبا بالعمل الصالح (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ)
قد يقول قائل : و لماذا يخلقنا الله تعالى إذا كان لا يحتاج إلينا ولا إلى عبادتنا له؟
الجواب :
الله تعالى يفعل بمقتضى صفاته هو لا بمقتضى صفاتنا نحن، فهو لا يحتاج إلى سبب ليخلق لأنه متعال عن الأسباب و خالق الأسباب، الله تعالى يخلق لأنه الخالق الفعال لما يريد الذي لا يسأل عما يفعل و هم يُسألون،
بينما الدافع وراء صنع الإنسان لأداة أو الإتيان بفعل أيا كان ما لا يخرج عن دائرة الحاجة أو العبث، و هما صفتا نقص لا تليقان بخالق كامل الصفات كما تقدم ذكر ذلك، و الله تعالى يتكرم على خلقه لأنه الكريم فحسب، بينما الإنسان يتكرم لحاجة معنوية أو مادية
كطلب ثناء الناس أو طلب الأجر أو ابتغاء مقابل مادي.و هذا لا ينفي وجود حكمة من الخلق لم يطلعنا عليها الله تعالى و احتفظ بها في علم الغيب عنده إلى يوم القيامة (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)
و يكفي المؤمن أن تكرم الله تعالى عليه بأن أوجده من العدم (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا )
ثم أغذق عليه في الدنيا بالنعم ظاهرها و باطنها (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ثم نعيم أبدي في الآخرة مقابل ثمن بسيط : إيمان و عمل.

جاري تحميل الاقتراحات...