خالد عاذي الغنامي
خالد عاذي الغنامي

@kalghanam

39 تغريدة 372 قراءة Aug 08, 2020
1-هذه التغريدات سأخصصها لمناقشة كتاب الأستاذ الدكتور عبدالله الغذامي الذي يحمل اسم (العقل المؤمن/العقل الملحد).
2-هناك عدد من القضايا التي أوافق د. الغذامي عليها مثل نقده للعلموية التي ترفض الميتافيزيقا وترفض الإيمان بأي شيء لا يمكن إثباته تجريبيا. لكني لا أوافق د. الغذامي على إشارته إلى أن سبب انتشار كتب هوكنغ هو إعاقته.
3-كان من الممكن أن يناقش د. الغذامي نظرية الأوتار نظرية(m) تلك النظرية الطموحة التي تسعى لتوحيد نظريات الفيزياء كلها في نظرية واحدة لكل شيء، قائمة على أوتار حجمها أصغر من حجم نواة الذرة، ولا يمكن رؤيتها ولا الكشف عنها ولا التحقق منها.
4-وبالتالي هي نظرية غير علمية بناء على تعريف فلاسفة العلم ( ككارل بوبر) للعلم وأنه ما يقبل التكذيب، أو ما يمكن التحقق منه, كما يقول فلاسفة حلقة فيينا. إنها فرضية ما دام أن الفيزيائيين لا يعتبرونها مسلمة علمية.
5-الاسم "ملحد" كلنا نستخدمها مع أنها لفظة مضللة، ولعل الأفضل أن نستبدل كلمة "النفاة" بكلمة "الملاحدة" أي من ينفي وجود الله.
6-يعتقد عدد من فلاسفة المتصوفة أن نفي وجود الله بالمطلق غير ممكن أصلا. هناك دراسة عن كارل ماركس صدرت منذ زمن بعيد، تثبت أن الرجل صاحب مقولة "الدين أفيون الشعوب" لم يكن يعادي الدين في حياته، وإنما كان يحارب الاستغلال السيء للدين، ومثله كثيرون.
7-مما يؤكد استحالة "الإلحاد المطلق" أننا نجد كاتبا مثل عبد الله القصيمي الذي نفى وجود الله، ثم عاد وكتب عشرين كتابا كلها تتكلم عن الله بكثير من الأسى والشجى. حق هؤلاء النفاة على المؤمنين هو الإجابة على أسئلتهم بكل نزاهة.
8-هناك نوعان من النفاة، عامة تكاثرت عليهم الصدمات النفسية في رجال الدين فكرهوا الدين كله، ومنهم من يظن نفسه من النفاة وليس منهم، فتجده يقول في السعة كلاماً لا يقول مثله في وقت الشدة وعند قرب الموت أو الإحساس بالمرض.
9-وهناك نخبة مثقفة ترفض التصورات العقلية عن الله، فبعض الصور التي ترد في المرويات شنيعة للغاية، خذ مثلا حديث "لما خلق الله الرحم تعلقت بخصر الله". لا شك أنها صورة شنيعة تدعو إلى تصور الله وكأنه رجل له خصر، ولا شك أن المثقف سيرفض هذه الصورة.
10-ومعها حديث "رأيت الله على صورة شاب أمرد" وفي حديث آخر يجرى تصوير الله على هيئة طير يمسك السماوات والأرض في قبضته. وهناك حديث يزعم إن الشمس في كل يوم تذهب عن الغروب لتسجد تحت العرش، مع أننا اليوم نعلم أن الشمس لم تخرج من عالمنا، وإن غربت عن بلادنا، فقد أشرقت على أستراليا مثلا.
11-هذه المرويات، إما أن يقال إنها منكرة لمعارضتها للعلم، فالرجل الثقة قد ينسى وقد يخطئ كما نرى في حياتنا اليومية. وإما أن يقال إن هذه المرويات مجاز ولا نأخذها على بحرفيتها. كل هذه الصور القائمة على التجسيم والأنسنة لا بد من ردها أو تأويلها بعد اعتبارها من قبيل المجاز، لا الحقيقة.
12-أعلم أن هذه التغريدة تحمل صدمة لكثير من الناس، وقد يكون بعضهم من المثقفين، ولكن معظم علماء أصول الفقه قد قرروا منذ ألف سنة، أن (خبر الآحاد يفيد الظن ولا يفيد اليقين). مجرد رواية قد تكون صحيحة وقد يكون في السند من وصل منقطعا أو رفع موقوفا أو وهم في بعض ما جاء في الرواية.
13-كل هؤلاء النخبة يرفضون تصور الإله على هيئة رجل، رجل ملك يلبس تاجا ويحيط نفسه بجمع من الجنود والسيافين. وكان أول من رفض هذه الصورة هو زونوفان الفيلسوف اليوناني الذي قال "الخيل تتخيل إلهها حصانا والأسود تتخيل إلهها أسداً والناس يتخيلونه ملكا لأن الملك هو أقوى البشر.
14-وقد لاحظ د. الغذامي أن من هاجمهم كبرتراند راسل، قد أفصحوا في أواخر حياتهم عن لا أدرية وحب للتصوف. وحتى هوكنغ الذي وصفه د. الغذامي بأنه "انتحر معرفياً" عند نوقش في نفي وجود الإله في كتابه "التصميم" تراجع فعلا عن النفي المطلق واكتفى بالقول إنه ليس له حاجة في النظام الذي يؤمن به.
15-مشكلة هوكنغ نشأت (لا من جهله ولا ضعفه) بل من إعراضه عن الفلسفة. كيف نفى هوكنغ وجود الله في كتابه؟ الذي حدث معه هو نفس ما حدث لنظرية الأثير. الأثير مادة، كان يُعتقد أنها تملأ كل الفضاء الكوني. وفي أواخر القرن السابع عشر اعتقد بعض علماء الفيزياء أن الضوء يسير في موجات،
16-وعرفوا أن الضوء يمكن أن يسير خلال فراغ الفضاء الخارجي. ولكنهم لم يستطيعوا أن يفسروا كيف أمكن للضوء أن يسير بدون وسيط حامل. ولذلك افترضوا وجود أثير حامل للضوء بوصفه مادة تختلف عن كل المواد الأخرى، لا يمكن أن يُرى أو يحس أو يوزن، ونجده في الفراغات والفضاء الخارجي وخلال كل مادة.
17-واعتقد العلماء أن الأثير ثابت وأن الكرة الأرضية والأجسام الأخرى في الفضاء تتحرك خلاله. وفي عام 1864، اقترح الفيزيائي ماكسويل أن موجات الضوء كهرومغنطيسية، وتسير كاضطرابات للمجال الكهرومغنطيسي. ولذلك، فإنها لا تحتاج إلى وسط لتسير فيه.
18-ولكن ماكسويل وفيزيائيين آخرين ظلوا يعتقدون بوجود الأثير. وفي عام 1905، نشر الفيزيائي الألماني المولد ألبرت أينشتاين، نظريته الخاصة في النسبية التي تُظهر كيف يسلك الضوء، وأنه لا يعتمد على وجود الأثير، فقرر عدم الحاجة له ونفى وجوده. آينشتاين شطب الأثير بجرة قلم من الوجود.
19-هوكنغ تخيل أن نظرية المحرك الأول قد سقطت باكتشافه أن الكون يُحرك نفسه بالجاذبية، وبالتالي لا حاجة لإثبات وجود الله لأنه لا حاجة له في العلم الذي انشغل به هوكنغ. هذا كل شيء.
20-هنا نتذكر مقولة آلبرت آينشتاين أن "العلماء أسوأ الفلاسفة، وإذا تفلسفوا أثبتوا أنهم بعيدون عن كل فهم فلسفي". العالِم لا يمكن أبداً أن يحل في مكان الفيلسوف أو أن يستبعده، إلا إذا كان عالِما فيلسوفاً.
21-النظام الميكانيكي عند هوكنغ ليس بنظام جديد تماما. نيوتن الذي هو سلف لهوكنغ في الفيزياء النظرية والكونية،قد سبق هوكنغ إلى القول بأن"الكون آلة"،لكنه لم يقل إنه لا يحتاج إلى إله، بل رأى أن هذا النظام الحركي المنتظم يدل على وجود عقل وراءه. الحجة واحدة واستخدمت لدعم قولين متناقضين.
22- في كتاب "تاريخ الحضارة" حاول ويل ديورانت أن يقول إن نيوتن قال هذا خوفا، لكن الدراسات الحديثة عن "دين نيوتن" تؤكد أنه كان مسيحيا مخلصا على مذهب الأريسيين.
23-النفي ( أو الإلحاد) مثله كمثل الإيمان، يزيد وينقص، ولن يستطيع أحد أن يصنع شيئاً تجاه هذه المشاعر التي تزيد وتنقص وستبقى قضية غير محسومة للأبد عند كل إنسان مثقف يفكر ويعقل. لذلك لا ينبغي أن يتصور أحد أنه سيقضي على خصمه بضربة خطافية.
24-هوكنغ في التصميم العظيم ناقش دليلا واحدا هو دليل "المحرك الأول" the prime mover مجرد دليل واحد وهناك سواه أدلة كثر على وجود الله. أقول هذا مع أني لا أعتقد بصحة الاحتجاج على وجود الله ولا على نفي وجود الله بالأدلة العقلية.
25-من قرأ حجج أفضل فلاسفة العصور الحديثة إيمانويل كنت، في كتابه الفذ "نقد العقل الخالص" فسيدرك تماما أن علماء الكلام وأساتذة العقائد لم يعد لهم وظيفة ولا حاجة لأن العقل لا يمكن أن يحسم هذه القضية نفيا ولا إثباتا.
26-بالنسبة لدعوى"موت الفلسفة"التي تصور الغذامي أنها خرجت من رأس هوكنغ،هي دعوى قديمة تعود لبداية الوضعية في القرن التاسع عشر والوضعية المنطقية في القرن العشرين، فهوكنغ ينطلق من تراث وأسرة علمية،ترى أن الفلسفة لن تعطينا الحقيقة، ما سيعطينا الحقيقة هو العلم الطبيعي التجريبي الحديث.
27-وبالتالي فستيفن هوكنغ ليس جاهلا بالفلسفة، بل مُعرض عنها ابتداء. وبالتالي لا تصح مقولة د. الغذامي بأن هوكنغ ضعيف في الفلسفة.
28-احتج د. الغذامي بالفيلسوف الهولندي سنينوزا لتقوية صف المؤمنين، وفسر مذهب سبينوزا بأنه يقول إن الله "روح الطبيعة" والصحيح أن كلمة "روح" غير موجودة نهائيا في كل قاموس سبينوزا ولم ترد في أي من كتبه التي وصلت إلى العالم.
29-نعم سبينوزا مؤمن لكن مؤمن على طريقة ابن عربي الطائي وكلاهما من كبار المؤمنين، لكن سبينوزا لم يقل الله روح الطبيعة، بل قال الله والطبيعة واحد. هو لم ينف الله لصالح الطبيعة، بل رفع الطبيعة لمقام الله. ولا أعتقد أن د. الغذامي يمكن أن يتفق مع هذه الرؤية.
30-ادعى د. الغذامي ان إيمانويل كنت اخترق حصانة العقل وجعله منقودا و"قرر عجزه". هذا الفهم للغة كنت غير صحيح البتة. الصحيح أن إله كنت هو العقل ولا شيء سوى العقل. إنه فيلسوف عصر التنوير الأكبر الذي أسس لتأليه العقل وهو مخطط الحياة العلمانية كما نراها اليوم في العالم.
31-وليس صحيحا أن استبعد المعرفة لكي يفسح مجالا للإيمان، بل الصحيح أن المقصد العام لفلسفته النقدية تتنافى مع فسح المجال للإيمان الديني، لأن النتائج تؤكد أنه حدد قدرات العقل وقصرها على هذا العالم الظاهري،
32-ليقول إن المعرفة غير ممكنة إلا بكونها معرفة بعالم الظواهر، وبالتالي ينفي وجود مصداقية معرفية يمكن بناؤها على أساس العقل العارف بعالم ماوراء.
33-يقول كنت هناك "عالم الشيء في ذاته" و "عالم الشيء كما يظهر" فتصور المستعجل أن كنت يؤمن بعالم حقيقي اسمه "الشيء في ذاته" يقع خلف عالم الظواهر، لكن هذا غير موجود عند كنت، فعالم الشيء في ذاته، مجرد حد منطقي هو اخترعه!
34-ما كتبه د. الغذامي عن "كنت" ونقد العقل النظري ونقد العقل العملي، لا أقول يحمل أخطاء، بل كله غلط جملة وراء جملة، ويبدو لي أن د. الغذامي لم يدرس فيلسوف العلمانية الأول "إيمانويل كنت" بشكل جيد.
35-هل هذا الكتاب من الكتب العلمية؟ لا، لأنه لا يحتوي على أي مناقشة لخصومة، فهو لم يناقش كتاب هوكنغ، فقد كفانا شره جون لينوكس أستاذ الرياضيات ورجل الدين، وبرتراند رسل قد كفانا شره فريدريك كوبلستون (وهو فيلسوف ورجل دين)
36-والدارونية قد كفانا شرها كولينز الذي اختار د. الغذامي أن يقفز إلى قاربه، واختار هو أن يؤمن بنظرية التطور وبالخلق معاً. ليس هناك مناقشة، هناك اصطفاف لا أكثر.
37-هل هذا كتاب فلسفي؟هو كتاب رجل مثقف لديه اطلاع على بعض آراء الفلاسفة، لكنك لا تجد روح فيلسوف، لا تجد انحياز الفيلسوف للحقيقة، فالقضية محسومة منذ البداية. لا عيب في ذلك لكن هذه ليست طريقة الفلاسفة. الفيلسوف لا يُمسّد على قناعات الناس ولا يكتب ما يريدون، بل يهز قناعاتهم هزا عنيفا
38-ما هو هذا الكتاب إذاً؟ إنه كتاب سجال على طريقة الصحويين الذين شكى منهم د. الغذامي لعقود طويلة. كتاب سجال وحشد لا أكثر.
انتهى
مناقشة كتاب العقل المؤمن والعقل الملحد.
m.youtube.com

جاري تحميل الاقتراحات...