9 تغريدة 26 قراءة Feb 07, 2022
في استحالة استمداد الذات من الفراغ
غالبًا معظم مَن ينوي الانفكاك أو الابتعاد عن الوَسَط الذي يؤذيه أو يشوّهه.. يعود إليه.
لأنّك حين تصير ذاتًا مُشوّهة، لا تستطيع أن تفهم نفسَك إلّا من خلال نَفس الوَسَط الذي تشكّلت من خلاله (تشوّهت بسببه).
عدد قليل جدًّا أقرب إلى الندرة، مَن يستطيعون الانعتاق بلا عودة أو التحرّر بلا هاجسية مُسبَقة.
معظم مَن يسخطون على ثقافتهم أو دينهم أو مجتمعهم، غالبًا لا يستطيعون الانعتاق المطلق أو عَمَل قطيعة تامّة.
حتى مقاومتهم وحروبهم شكل من أشكال التورّط مع ذات الثقافة وضرورة لاستمداد تعريفهم لأنفسهم بشكلها المُشوّه.
وهذا شيء طبيعي لأنّ "الذات" بطبعها امتداد تراكمي وليسَت انبثاق مَقطوع.
يعني هو شيء بائس للأسف، بس الإنسان معقّد وعنده قدرة مُثيرة ومُحزنة:
لأن يستمدّ ذاته من أي وَهم أو أذى أو تشظّي.
ويفعل هذا كلّه لأنّه أرحم من أن يبقى عالقًا في الفراغ أو أن ينتسب لفراغ هُويّاتي وهذا شيء غير ممكن نظريًا ولا عمليًا.
استذكر هنا تساؤلات المحلّل النفسي والطبيب النمساوي فلهلم رايش، حين قال:
لماذا تَهوي دائمًا بنَفسِك، إلى الوَحل الذي تعذّبتَ بداخله طويلًا بالسابق؟
إذا نظرت جيدًا فستعرف بوضوح مَن يَستَعبِدُك... أنتَ مَن يفعل ذلك.
وطبعًا هذه مساحة جيدة أيضًا لفهم كلّ أولئك الذين قطعوا وعودًا بعدم العودة لحساباتهم حتّى على وسائل التواصل.
تُفضّل أن تعود لاستمداد ذاتك، وأن تتواجد في وَسَط يُغذّي فكرة أنّكَ مَوجود، حتى ولو هامشيًا.. على أن تُلقي بنفسك بالفراغ الهُويّاتي.
والفكرة عمومًا أنّه التفكير بـ "الذات" بدون (ذاكرة) شيء من الوَهم والخطأ النظري.
ومن التجسيدات الجيدة:
Eternal Sunshine of the Spotless Mind
وفكرة إنّه مسح الذاكرة أو مسح التجارب والخبرات الذاتية هو أمر مرتبط بمسح الهُويّة.
أو كقول حسين:
تجاربي = مَعبَدي، ومَعبدي مُقدّس.
وممكن التفكير فيها بشكل معكوس، بأنّه إحنا نبدأ بتشكيل ذاتنا أو هُويّتنا باللحظة التي نبدأ فيها بالتذكّر أو بمُراكمة خبراتنا.
وأفضل تجسيد لذلك ما يحدث مع دولوريس بمسلسل Westworld.
انبثاق وَعيها بذاتها وهُويّتها يبدأ عند أوّل مرّة تتذكّر فيها نفسها في الماضي.
You are a memory.
عالَم Westworld بحدّ ذاته مُوحش.
وهذا المَشهَد تعبير ذكي عن الخراب الجُوّاني أو تصحّر الداخل وتعبير جيّد عن الذات القاحلة أو المشوّهة.

جاري تحميل الاقتراحات...