وما زال في هذا الصنعة، حتّى اشتَهر حِذْقُه، وعُرِفت أمانته، وذاع صيته، فصَلُحَ على إثر ذلك عملُه، وازدادت تجارته، حتّى عُدَّ من كبار كبار الأثرياء في بغداد.
فلمّا بلغ مبلغه؛ بطَرَ النعمةَ يمزّقها في هُجْنَةِ المصارف؛ فتناقَصَ مالُه، وهو ينفق غيرَ آبِه، حتّى بلغَ رأسَ ماله، فأنفق غيرَ آبهٍ؛ فانحطّ وافتقر
فبعثَ إلى تجّار بلدته ليسلفوه بعضَ دراهمَ تعينه في أموره، فاستغربوا ذلك، وساءلوه: لمَ وأنت الثريّ التاجر؟! فمشى عليهم بالحيلة؛ فصدّقوه وأسلفوه.
فلمّا قبض دراهم السُلْفة؛ رجعت إليه سُكْرَةُ التبذير، وغرِقَ فيها غَرَقَ حجر في بحر، لا حولَ له ولا قوّة، ولا مدافعةَ ولا محاولة .. سقوطٌ مطّرد حتّى بُلْغَةِ القاع.
لم تغرب شمس ذلك اليوم، إلّا وهو هارب إلى غير وجهة، وابتعد وابتعد، حتّى وصل إلى بلدةٍ توسّم فيها أمانه، فأناخ عندها راحلته، وبنى عليها بيته، وأقام فيها عشرَ سنين، يكتِّم عن أهلها سرَّ هربه وفراره.
حاول أن يبني ثروته من جديد، وعرّف نفسَه صيرفيًّا، وأمّلَ آمالًا؛ إلّا أنّها أخلَفَت خيبةً عظمى، إذ البلدة بلدةُ فِلاحة، ليس للصرافة فيها مربع، ولا للنقود عندها مستودَع؛ فبارَ بَوْرَ صرافته، وعاش واهنًا، غريبًا، مهمّشَ الوجود، كأنّه غير موجود.
أراد أن يتزوّج من أهل البلدة الجديدة، فما وجد -لفرط احتقارهم إيّاه- من يلتفت إليه، وتطلّع إلى مكانةٍ في المجتمع الجديد؛ فكان مدفوعًا بالأبواب، كأن لم تكن له في بغداد أُبَّهةُ الجاه، ولا توهّجُ الثراء.
حتّى عزم بعد عشر سنين، وبعد جمعه دَيْنَ غرمائه من صدقات المحسنين: أن يرجع إلى بغداد، فحمل على راحلته، حتى وصل المدينة، وأهلها في السوق يبيعون ويشترون؛ فعرفه الناس، وصاح القوم: قد رجع الصيرفيّ الأمين!
وحياته: وجيهًا في أوّلها، ممتهَنًا حقيرًا في أوسطها، ووجيهًا -مرّةً أخرى- في آخرها، يوحي بأنّ لكلّ بيئةٍ: مستوى تألُّقٍ معيّن، من يأتي به؛ يأتي بأسباب الشهرة والانتشار.
بما في ذلك: بيئة "التطبيقات" في مواقع التواصل: فإنّ مطوّريها قد هَنْدَسُوا فيها معاييرَ الشهرة والانتشار، ووضعوا لكلّ تطبيق خصائصَه ومعاييرَه.
ومعايير تطبيق "تيك توك": منحطّة، بل بالغة الانحطاط، لا تغري المرء بكدّ ذهنه ليأتي بفكرة بارعة؛ فينتشر على إثرها؛ بل تزيّن إليه أن يسفّ بنفسه، وتلمح له أنّ كلَّ توسعةٍ في مساحة الإسفاف تعني مساحةً أوسعَ في الشهرة والانتشار.
لذا .. لا تتطلّب شهرة التيك توك سوى نفسٍ هيّنةٍ على صاحبها، وفكرةٍ سخيفة، وأداءٍ منحط، وجماهيرَ بدائيّةٍ مريضة، ليس عندها ذوق التنقيح والاصطفاء.
وهكذا كلُّ بيئةٍ في الكون، تصطفي بمعاييرها المحايدة: أهلَ "التميّز"، وتفرض في ساحتها ذِكْرَهم وشهرتَهم.
وهذه المعايير تتأثّر بالغرض الذي من أجله أُنشئت البيئة؛
فمعيار بيئة العصابات: الجرأة،
ومعيار بيئة الملاعب: المهارة،
ومعيار بيئة الجامعات: الشهادة،
ومعيار بيئة تويتر: الإثارة،
ومعيار بيئة تيك توك: الانحطاط.
فمعيار بيئة العصابات: الجرأة،
ومعيار بيئة الملاعب: المهارة،
ومعيار بيئة الجامعات: الشهادة،
ومعيار بيئة تويتر: الإثارة،
ومعيار بيئة تيك توك: الانحطاط.
ولهذا .. يتيه بعض الخلق في بيئةٍ غير بيئته، فيعيش مهمّشًا مخذولا، ويعتقد في ذاته ما يعتقد الناس ذوو البيئة المنافرة عنه، أنّه معدوم الموهبة، ممحول الفرادة
وهو لو نظر في نفسه، ولاحظَ ما يميل إليه، ثم نظر في البيئات من حوله ما يلائم ذلك الميل، ولزمَه والتزمَه؛ لتغيّر حاله تمامًا، ولصلح أمره على ما يطمئنّ له ويرتاح.
-تمّت-
جاري تحميل الاقتراحات...