د. فهد السيسي
د. فهد السيسي

@fhd_alsisi

18 تغريدة 36 قراءة Aug 04, 2020
كثرة المشاغل وشُحّ الوقت مُضعفة لهمّة الكثير من جيلنا،فمع وفرة وسائل التعلم وتنوّعها إلا أن الهمة تعاني الخمول، وقد نخادع النفس أحياناً بحضور دورة أو اثنين تخديراً للذات ودفعاً لتأنيب الضمير.
إلاّ أن هناك سِيَرٌ وتراجم لقدوات ومدارس مجرد الاطلاع عليها يوقد الحماس ويرفع الهمم.
لذلك ما أنفع أن تنظر بين الفترة والأخرى في تراجم عمالقة تخصصك ، لنشعر بمدى التفريط والتقصير فيتجدد العزم في البناء.
لذلك سيكون هذا الوسم #اعلام_قانونيه مرجعاً لمثل هذه النماذج كي نقتدي بها كسائرين في طريقنا للمجد القانوني.
فالكتابات عنهم شحيحة جداً، ومن الوفاء لهم حفظ مآثرهم.
باكورةهذه الكوكبةهو أكثرهم تأثيراً بي،لأن حياته كانت مثالاً واقعيا لكل قانوني،تُعلّمنا كيف أن التمّيز لا يكون إلّا في جمع شِقيّ هذا العلم(القانون/الشرع).
وأنّ القانونيّ مهما نبغ في أحدهما فهو محتاجٌ للشِقِّ الآخر،وإذا تمّكن في جانب واحد فقط فسيتمّثل له هذا العلم جسداً بلا روح !
إنه الأستاذ محمد قدري باشا،المولود في الصعيد سنة ١٨٢١م،درس بمدرسة الألسن حتى أتقن عدّة لغات،وبعد تخرجه تعيّن مترجماً بنفس المعهد، إلاّ أن أكثر ما جذبه من هذه اللغات المدروسة اللغة الفرنسية،فتفّرغ لها وترجم عدد من الكتابات الفرنسيةفي الجغرافيا والنبات،وكان مما ترجمه كتب القانون.
كان مُولعاً بالعلم الشرعي حريصاً على ضبطه، فمن علّو همته أن داوم عدةسنوات على الذهاب للأزهر -مستمعاً للعلم لا طالباً به- فحفظ متن الآجروميةفي النحو وترجمه للفرنسية،ثم ألّف كتباً في المقارنات اللغوية:
-الدرّ النفيس في لغتَي العرب والفرنسيس.
- مترادفات باللغة العربيةوالفرنساوية.
وهنا فائدة:
وهي أن من أقوى وسائل تحسين الصياغة القانونية إتقان اللغة العربية وتجويد التأسيس فيها،والمستند القانوني يصبح هزيلاً إذا كُتِب بلغة ركيكة.
انظر إلى صاحبنا قدري باشا كيف أنه أصبح -نتيجة تمّكنه في اللغة- صاحب صياغة قانونية متينة جداً جعلته من أبرز مؤلفيها ومرجعاً فيها.
داوم بحكم تردده على الأزهر قراءة كُتب الفقه، هذه المداومةخلقت فيه حسّ المقارنةبين القانون الفرنسي الذي يعمل على ترجمةكتبه،وبين الفقه الإسلامي الذي يداوم على مطالعته.
ولا شك أنّ هذا النمط من التحصيل المقارن يُكسب القانوني قدراً هائلاً من التمكن في القانون وهو ما حصله قدري باشا.
تم ترشيحه لترجمة القانون الفرنسي تمهيدأً لإنشاءالمحاكم المختلطة،وقد ظهر أثر نضوجه الشرعي على تراجمه للكتب الفرنسية عملياً، فأصبح لا يترجم حرفياً، بل يوّضح مواطن الفرق بينهما،صنّف على إثر هذه المنهجية في الترجمة كتاب(التطبيقات)وهي تطبيقات القانون الفرنسي لمذهب أبي حنيفة النعمان.
انتقل قدري باشا بعد ذلك للعمل مترجماً بوزارةالخارجية،ولم ينقطع عن مطالعةكتب الفقه بل تخصص بقراءةكتب الحنفية كونه المذهب الرسمي لمصر حينها.
إلا أن إدراكه القانوني وإلمامه اللغوي وعمقه الشرعي لفت نظر القائمين بنظارةالحّقانية(وزارةالعدل)فتم تعيينه مستشاراً بمحكمةالاستئناف المصرية.
بعدها اُستعين به في صياغةالتشريعات المصرية-الفرنسية- فاستحضر في صياغته خلفيته الشرعية،فلم يترجم الموادحرفياً وإنما جعلهاموائَمةللفقه.
لأنه يعلم استحالةتدوين الشريعةبتمامها،نظراً لتمّكن القانون الفرنسي وأنصاره حينها،فمال إلى تقليل الشر لتعّذر منعه مُطلقاً وهذا من فقهه رحمه الله.
اثبت قدري باشا الكفاءةالقانونيةفي كافةالمجالات فذاع صيته في مصر وما حولها واستحق بذلك المراتب العُليا فصدر الأمر في١٨٨٠م بتعيينه وزيراً للعدل في مصر.
ولأنه مسؤول صاحب مشروع فقد عكف في وزارته على وضع القانون التجاري والجنايات والمدني بمنهج واحد وهو(الموائمة بين الفرنسي والشرعي).
بعد ثلاث سنوات استقال من نظارة الحقّانية (وزارة العدل)وتفرغ لكتابة الفقه بأسلوب جديد وهو صياغة الأحكام بنَفَس قانوني،فرجع إلى أُمّات كتب الحنفية وسرد مسائلها الفرعية على هيئة مواد قانونية(تقنين)،فأخرج كتاباً فقهياً بثوب قانونيّ،وهذا من التجديد وقد تزامن مع مجلة الأحكام العدلية.
عُيّن مجدداً وزيراً للعدل وعمل بها فترة ، ولكن لتعلّق نفسه بالعلم والتأليف ترك الوزارة مُجدداً.
واستمر بعدها كعادته في القراءة والبحث، واشتغل بذلك حتى وافته المنية في ربيع الأول/١٣٠٦--نوفمبر/١٨٨٦م.
وقد أدّى ما عليه من محالاوت ناجحةفي المزج بين الشريعةوالقانون رحمه الله وغفر له.
هذه ترجمة مختصرة عنه ، ولكن كثيراً ما أُحّفز قارئ التراجم والسير إلى استخراج الدروس النافعة وتدوينها لأنها الرصيد الحقيقي لأي سيرة ذاتية.
ولعدم الإطالة سأكتفي بذكر أهم الملامح المأخوذةمن حياته رحمه الله،والمجال واسع لأن يستفاد منها أكثر ،لأنها حياته حافلة.
وهذه الملامح إجمالاً:
١/تحديده للهدف القانوني الذي رسمه لنفسه ومشى عليه حتى بلغه.
فليس من السهل أن يداوم على حضور دروس الأزهر وهو ليس طالباً به لفترة طويلة دون أن يكون له هدف.
إذاً من هذه اللحظة حدّد هدفك القانوني، وابحر نحوه من خلال تخصصك، لأن به ستظهر لك الكثير من المعالم وستتجنب الكثير من الشتات.
٢/عمق فقه الموازنات والمصالح.
وذلك من خلال نظره للواقع الذي تهيمن فيه فرنسا على التشريع المصري -آنذاك- وازَن الأمر فوجد أن رفضه المطلق لن يُوقِف إتمام التشريع الفرنسي فتسلح بالعلم ثم دخل هذا المجال،فصدرت قوانين فيها الكثير الفقه- وإن لم يُسمّى- وهذه الموازنةدلالةبصيرةوفقه عميق.
٣-مَن أكثر مِن شيءٍ عُرِف به.
فدراسته بالألسن ووظيفته بالترجمةإلا أن اجتهاده وجودةتأسيسه وسعة اطلاعه جعلت منه وزيراً للعدل بمصر!
وهذا الأمر يجعلنا نعيدالنظر في مدى جديّةالتكوين المعرفي القانوني لدينا،هل لدينا فعلاً برنامج تأسيسي نسير عليه،أم أن الأمر مقتصر على حضور دورات فحسب؟!
نصيحة الختام ،،
هذا نموذج واقعي قريب، فلتكن قدرتنا على تحمّل هذا العلم كقدرة قدري باشا ،فقد ذهب لمجده ولم ينتظره،فخلّد التاريخ اسمه.
فلنجتهد في شقيّ هذا العلم(الشرعي/القانوني) وسندرك من وراء ذلك خيراً.
فسنن الله لا تحابي أحدا ،فمن جدّ وَجَد ومن زرع حصد.
اعتذر للإطالة ودمتم بخير💐

جاري تحميل الاقتراحات...