د. ريم محمد الطويرقي
د. ريم محمد الطويرقي

@ReemAltuwirqi

101 تغريدة 181 قراءة Aug 04, 2020
وأنا أعيد ترتيب مكتبتي، وجدت ذكرى جميلة لتجربة ثرية عشتها..
تعلمت من هذه التجربة دروس كثيرة سواء ما يخص الإدارة أو العلاقات الإنسانية..
سأسردها تحت هذه التغريدة وأتمنى أن تجدوا فيها المتعة والعبرة...
تحذير: القصة طويلة فرزق الله ساردها وقارئها الصبر!
قبل حوالي 18 عاما كنت قد عدت قريبا من الابتعاث ووضعت خطواتي الأولى كعضو هيئة تدريس بالجامعة.. وبينما كنت في جلسة مؤتمر فيزيائي ومعي ورقة وقلم أخطط فيها مستقبلي الذي أود رسم طريقه في تخصص الفيزياء جاءني اتصال من أختي الحبيبة @samarsaggaf وكانت حينها عميدة لشطر الطالبات
لتخبرني أنه صدر قرار تعيني وكيلة لشؤون الطالبات لأنشطة الطالبات، طبعا ردت الفعل 😳 ثم 😰 ثم 😱 .. فأنا لم يسبق لي أن توليت أي منصب إداري من قبل وليس لي خبرة سابقة.. وثانيا ماذا عن كل الخطط التي رسمتها لمستقبلي الفيزيائي؟!
لم يكن هناك مجالا للاعتذار.. ومن تربية والدي العسكرية لي، إذا وجدت نفسك في أرض المعركة فالتقهقر ليس خيارا مطلقا 😊 تكملي الطريق الذي اختاره الله لك (دون طلب منك) للنهاية مهما كانت الصعاب وتبذلي كل ما في وسعك فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقبل ذلك الاستعانة بالله سبحانه المعين.
دائما عندما أستشير والدي حفظه الله في أي عمل أو لجنة يقول "إذا تقدري تفيدي، أفيدي، وإذا تقدري تساعدي ساعدي"
بعد 4 سنوات في ذلك المنصب تيقنت أنها كانت خير لي من جوانب عديدة والحمد لله لحقت على الفيزياء بعد انقطاع جزئي.
الدرس الأول:
قد نختار طريق وينعقد القلب عليه لكن يختار الله طريقا آخرا أو تحويلة لبعض الوقت.. الرضا بما اختاره الله يفتح أفاقا تقصر عنها رؤيتنا..
أنشطة الطالبات، قبل تكليفي بالمنصب، كان مكتبا صغيرا ولكن مع تكليفي كانت الجامعة تخطط للتوسع بحيث تتحول من مكتب إلى وكالة، وهذا يتطلب هيكلة وتخطيط وميزانية وتدريب موظفات وغيرها من الأعمال التي سأواجهها.. علمت أنني يجب أن أتعلم بسرعة من خلال الملاحظة والقراءة والاستشارة والاستماع.
الدرس الثاني:
في طريق التعلّم، التواضع يفتح كل باب والكِبْر يغلق أي باب.
داومت في مكتبي الجديد، وتعرفت على أفراد أسرتي الجديدة، رسمت تصور سريع لما يجب عمله وبدأت التنفيذ!
وهنا تعلمت الدرس الثالث!
الدرس الثالث:
الحماس دون روية غير جيد اطلاقا!
قد يأتي الرئيس الجديد وفي فكره مجموعة من التغيرات التي يراها صائبة وستطور العمل، لكن التسرع في فرضها دون السماع لمن هم في الميدان لا يأتي بخير ويؤدي إلى تخبط غير ضروري يهز المنشأة ويهزه..
الحمد لله اكتشفت خطأي مبكرا فتوقفت وأعطيت نفسي فرصة لا تزيد عن ثلاثة أشهر للملاحظة فقط، لمعرفة كل صغيرة وكبيرة، لسؤال لماذا لا يقوموا بهذا بدلا من ذاك، مستعينة بما تعلمته من الدرس الثاني.
لكن قصتي لا تدور حول العمل الإداري ودروسه، لكنها تدور حول من كلفت بخدمتهم، الطالبات!
هدف وكالة شؤون الطالبات للأنشطة الطلابية، هو تنفيذ الأنشطة اللاصفية والتي تسهم في إثراء الطالبات معرفيا وصقلهم مهاريا لتكوين جيل صالح يخدم هذا البلد الحبيب ويبني مستقبله..
لكن قصتي هنا لا تدور حول العشرات الآلاف من الطالبات اللاتي كنا يدرسن في الجامعة ولكن حول فئة خاصة منهم، هن طالبات ذوات الاحتياجات الخاصة.
من ضمن الإدارات في عملي الجديد مكتب اسمه مكتب ذوات الاحتياجات الخاصة، وكان مكتبا صغيرا في حجمه عظيما في رسالته. وهذا المكتب يخدم طالبات، لا وصف لهن أقل من عظيمات، منهن الكفيفات أو ذوات إعاقة حركية.
في مرحلة الملاحظة وجدت أن المكتب يقوم بمهام منها التنسيق لتوفير طالبات متطوعات لمرافقة الطالبات الكفيفات لمساعدتهن في التنقل بين المحاضرات والمباني، كما ينسق طالبات متطوعات أخريات بعيدات عن تخصص الطالبات الكفيفات ويمكنهم الكتابة بخط جيد ليقوموا بالكتابة عنهن وقت الاختبارات.
لم يعجبني هذا الوضع لأنني أحب أن يتمكن كل إنسان من الاعتماد على نفسه قدر الإمكان دون الشعور بأن عليه أن يعتمد على شخص آخر في كل أموره أو يكون مصيره معلق بيد شخص. لابد من حلول أخرى، أين التقنية؟ أين الابتكار؟
لكن للتذكير هذه الأحداث كانت قبل 18 سنة تقريبا، أي بعد حوالي 5 سنوات من دخول الانترنت للمملكة، والتقنية والتطبيقات ليست كما هي اليوم.
انتهيت من الملاحظة وجاء وقت الاستماع، دعوت الطالبات الحبيبات لمكتبي ودار بيننا حوار طويل، طلبت منهم أن يحكوا لي كيف يمضي يومهم الدراسي وما الصعوبات اللاتي يواجهنها علي أستطيع تذليل بعض تلك الصعوبات..
كما تعلمون، يستخدم الكفيف لغة برايل للقراءة والكتابة، وللكتابة بلغة برايل عليه أن يستخدم طابعة برايل، في ذلك الوقت كانت تلك الآلة ثقيلة الوزن واستخدام مفاتحها يحتاج قوة وجهد.. بالطبع لا يمكن حمل هذه الآلة للجامعة أو الانتقال بها بين المحاضرات.
ذكرن لي الطالبات أنهن لا يجدون أي وقت فراغ في يومهم، ففي الجامعة يحضرن المحاضرات والتي يقمن بتسجيلها صوتيا على مسجل، وبمجرد وصولهن للبيت يقمن بتفريغ المحاضرات، من خلال إعادة الاستماع، والطباعة على آلة برايل لكي تحتفظ بالمحاضرة للمذاكرة منها لاحقا..
سألتهم ماذا يتمنون وكانت المفاجأة أنهم يتمنون قراءة كتب! يريدون قراءة الشعر والأدب والروايات التي يتحدث عنها زميلاتهن. شعرت قلبي انفطر في تلك اللحظة، سبحان الله أنا أقتني كتب وبعضها يمكث في المكتبة سنوات دون قراءة وهنا من يرغب في القراءة ولا يجد الكتابّ ☹ ..
انتهى اللقاء، واجتمعت مع موظفات المكتب علنا نفكر في إيجاد حول لجعل حياة الطالبات أسهل عند طلب العلم وأمتع بقراءة الكتب.. وكان مديرة المكتب في ذلك الوقت صاحبة القلب الكبير الأستاذة القديرة أحلام مفتي، دؤوبة في البحث عن حلول.
الدرس الرابع:
لن تستطيع الحكم على الآخرين إلا إذا عشت حياتهم.
كل ساعة استماع تحتاج ساعتين إلى ثلاث ساعات تقريبا لطباعتها، وبعد ذلك يقمن بالمذاكرة إن كان لديهم اختبار أو تكليف ثم ينامون ويتكرر اليوم..
بالبحث عن مكاتب تبيع كتب بلغة برايل وفق القائمة التي جمعناها من أمنيات الطالبات وجدنا مكتبة في جمهورية مصر العربية توفرها، بالتواصل مع المكتبة ومساعدة السفارة السعودية في القاهرة تمكنا من شراء عدد لا بأس به من الكتب وأيضا المصاحف.. ولله الحمد والفضل والمنة
وكلنا حماس ونحن نترقب وصولها.. وجاء ذلك اليوم ووصلت الصناديق الكبيرة (من رأى كتب مطبوعة ببرايل يدرك كبر حجمها والتي هي أضعاف الكتاب المطبوع بالحبر) ورؤية الابتسامة على وجوه الطالبات عندما أمسكن بالكتب كانت لا توصف، تجعل القلب المنفطر يبرأ ويطير أيضا..
وجود تلك الكتب فتح لهؤلاء الطالبات نافذة على عوالم أخرى بديعة.
كان المكتب صغيرا للاحتفاظ بتلك الكتب فطلبنا من المكتبة المركزية رفا لتخزينها وإدخالها في نظام إعارة الكتب.
الدرس الخامس: في الغالب، إدخال السعادة على الآخرين لا تتطلب الشيء الكثير، ويمكن أن تحدث فرق كبير في حياة أي إنسان بأشياء بسيطة.
هذه ليست "نهاية" القصة السعيدة 😊 مازال أمامنا مهمة تسهيل عملية طلب العلم وأيضا ماذا عن الطالبات ذوات الإعاقات الحركية..
أكمل غدا بإذن الله
ودمتم بخير 🌴
الدرس السادس:
الإنجاز لا يجب أن يُنسب للقائد وحده، فهو مجرد عضو في فريق. تكامل جهود الجميع بكفاءة هو السر الحقيقي خلف أي انجاز.
فريق المكتب في ذلك العهد،
أ. أحلام مفتي، أ. نجلاء الحربي، أ. تركية المالكي، أ. منيرة السلمي، أ. شريفة عسيري.
مازالت رحلة إيجاد حل لضمان استقلالية الطالبات الكفيفات عند أداء اختباراتهم مستمرة.
في آخر فترة ابتعاثي حضرت عرض لبرنامج حاسوبي يعتمد على تقنية التعرف الصوتي (voice recognition) والتي يمكن من خلاله تحويل الصوت لنص مكتوب، وكانت هذه التقنية في بداياتها.
تذكرت هذا البرنامج وشعرت أنه سيكون حل ممتاز، فالمتطوعة ما عليها إلا قراءة السؤال للطالبة وهي تقوم بتسجيل إجابتها ثم البرنامج يحول الكلام إلى نص مكتوب ثم يطبع المستند ويُسلم للأستاذة..
تواصلت مع الشركة لمعرفة إن كان البرنامج يدعم اللغة العربية وكانت الإجابة "لا" ☹ فحاولت البحث عن برنامج مشابهة في الدول العربية وممن تواصلت معهم أبلغوني أن الدعم العربي يحتاج ما لا يقل عن عامين لظهوره.
أقفلنا هذا الباب وبدأنا البحث عن حل آخر.
الدرس السابع:
إن كنت قائدا في منشأة فلا تنتظر المشاكل تأتي إليك لكن اذهب وابحث عنها 😊، وفي رحلة البحث عن الحلول لا تستسلم من المحاولة الأولى.
كان المكتب على تواصل دائم مع جمعية إبصار الخيرية بجدة
@ebsargate
والتي تقدم برامج تأهيلية وخدمات لذوي الإعاقة البصرية وضعاف النظر، وتعرفنا من خلالهم وجود برنامج يُحمّل على جهاز الحاسب الآلي يقوم بقراءة النص العربي لكن لا يستطيع تحويل المقاطع الصوتية لنص مكتوب..
فالمقترح أن يتم تحميل ملف وورد به أسئلة الاختبار ويقوم البرنامج بقراءة الأسئلة للطالبة وعليها أن تقوم بطباعة اجابتها على الملف وإعادة قراءة البرنامج لما طبعته إن رغبت في المراجعة والتعديل وهذا شيء ممتاز، لكن هناك تحدي واحد أمام هذا الحل!
التحدي هو أن تتدرب الطالبة على استخدام لوحة مفاتيح الحاسوب التقليدية والتي تختلف كثيرا عن لوحة مفاتيح طابعة برايل..
طبعا هذا أنا بنظرتي القاصرة توقعت أن هذا الحل لا قبله ولا بعده، ودفعت بكل ما أوتيت من قوة لإقناع الطالبات على التدرب على الطباعة على لوحة مفاتيح الحاسب التقليدية،لكن كان هناك عدم تقبل من قبلهم لعدة أسباب منها تعودهم على لوحة برايل فالتغير صعب، وثانيا لأن ذلك سيأخذ وقت وجدولهم ضيق
أبلغتهم أنني تعلمت الطباعة عندما كنت في عمرهم وهي مهارة تستحق التعلم، استخدمت كل الوسائل لإقناعهن على الأقل لاختبار الطريقة وتجربة فعاليتها
جزاهن الله خيرا، إكراما لطلبي وافقوا وبدأنا بتنظيم دورات تدريب الطباعة، ولكن بدأ الانسحاب تدريجيا عن الاكمال إلى أن تعلمت الدرس الثامن.
الدرس الثامن:
قد تكون الفكرة صائبة في عقل القائد ولكنها قد لا تكون صائبة في الميدان!
وعلى القائد أن يكون مستعدا للتنازل عن فكرته الصائبة بدون غضاضة والبحث عن فكرة جديدة إن لزم الأمر.
من التأمل البعدي وجدت أن لوحة المفاتيح كانت مقبولة لمن فقدن البصر على كبر، حيث أن لوحة المفاتيح مألوفة لديهم والمألوف دائما مريح، بينما من ولدن بالإعاقة البصرية فلوحة برايل مألوفة لهن وهي أول طريقة تعلموها فيصعب التغير بعد كل هذه السنوات.
في تلك الأثناء سمعنا بوجود جهاز جديد اسمه برايل نوت، وهو مثل اللابتوب ولكن بلوحة مفاتيح برايل.. وزنه خفيف فيمكن حمله وليس مثل طابعة البرايل التقليدية.. من الجميل أيضا أن نظام تشغيله مثل الويندوز فهناك سطح مكتب ومجلدات وملفات يمكن حفظها في ذاكرته.. حل ولا أجمل!!
فيمكن للطالبة أخذه للمحاضرة بسهولة وتدوين مذكراتها في نفس الوقت، وهذا سيوفر عليها الساعات التي كانت تقضيها في المنزل لتفريغ التسجيلات..
عندما سألنا عن سعر الجهاز كان حوالي 26 ألف وهذا يعتبر مبلغ كبير على الطالبات وعلى ميزانيتنا.
بحثنا عن متبرع ووعدنا ب 150 الف ريال لشراء عدد من الأجهزة تكون على سبيل الإعارة في المكتب، ليستفيد منها أكبر عدد من الطالبات، بحيث تستلفها الطالبة وقت محاضرتها وفق جدول تقسيم لكنه سحب علينا ☹
الدرس التاسع:
ليست كل الوعود صادقة!
لا بأس، اجعل سعيك صادقا.
بالتوازي مع تلك الأحدث، اطلق رئيسي في تلك الفترة، عميد شؤون الطلاب، أستاذي الفاضل بروف صالح كريم
@skarim_prof
برنامج متميز ومفيد، وهو تمليك طلبة الجامعة للابتوب بسعر منافس عن السوق بطريقة الاستقطاع الشهري من المكافأة على سنوات الدراسة (بدون فائدة)..
وأستفاد من ذلك البرنامج معظم طلبة الجامعة، وبعد نقاشي مع د. صالح حول إمكانية أن يتم ذلك على أجهزة برايل نوت بحيث تستطيع الطالبة الكفيفة امتلاك جهازها الخاص وليس الإعارة فحسب ليفيدها بعد تخرجها.
والحمد لله فُتح الباب!
الدرس العاشر:
قف عند بابه سبحانه، وسيُفتح لك.
لكن تبقى نقطة جوهرية (الحياة ليست سهلة يا جماعة!)
عندما نكتب في ملف وورد يمكننا قراءة ما كتبنا على الشاشة، وكذلك في البرايل نوت ما يكتب على لوحة المفاتيح على الملف يمكن قراءته مرة أخرى من لوحة المفاتيح.. لكن ماذا لو أردنا طباعته على ورق؟
نعم، نحتاج طابعة برايل تتصل بالبرايل نوت!
فكرنا في شراء طابعة واحدة للمعمل الذي تم إنشائه والمرتبط بمكتب ذوات الاحتياجات الخاصة، بحيث كل طالبة تُحضر جهازها البرايل نوت وتطبع مذكراتها على ورق وتأخذ لمنزلها النسخ الورقية إن كان ذلك أيسر لها في المذاكرة.. لكن سعر الطابعة كان غالي جدا.
الدرس الحادي عشر:
حاول ثم حاول ثم حاول، ولا يأس مع الحياة...
أثناء فعالية أقيمت في الجامعة على شرف سمو الأميرة عبطاء بنت مقرن آل سعود، كان من تقدير الله أن كنت أجلس بجانبها.. تبادلنا الحديث عن الأنشطة ومكتب ذوات الاحتياجات الخاصة وسردت عليها القصة باختصار وذكرت أنه ينقصنا طابعة ستفتح لنا بابا عظيما..
جزاها الله خيرا أخرجت دفتر الشيكات وسألتني عن سعرها وكتبت شيك باسم المكتب بالمبلغ وطلبت منا توفيرها سريعا للطالبات. أسأل الله أن يجعله ثقيلا في ميزان حسناتها، ولتلمس أثر تلك الطابعة وما أحدثت في حياة الطالبات، تابعوا القصة...
طلبنا الطابعة، وبدء الترقب الجميل ليوم وصولها للمعمل.. والحمد لله وصلت وتم طباعة أول ملف وكان حدث مبهج فوق الوصف..
الفتح العظيم حصل مع تطور البرمجيات فأصبح من الممكن تحويل ملف وورد أو PDF إلى ملف برايل والعكس. فيمكن للأستاذة تحويل ملفها من وورد لبرايل، نطبعه بطابعة برايل، الطالبة تجاوب بالطباعة على برايل نوت وتحوله وورد لتسليمه للأستاذة باستقلالية تامة دون الاعتماد على أحد
والحمد لله بعد هذه الرحلة الطويلة تحقق الهدف 😅🥰
الدرس الثاني عشر:
ستصل بعون الله، فقط قليلا من الصبر وكثيرا من الجهد.
لكن لن أترككم بسهولة 😊 فمازلت لم أذكر لكم ما الذكرى التي وجدتها في مكتبتي والتي داعبت الذاكرة واستحضرت الذكرى!
أحبت الطالبات إعطائي تذكار جميل عن هذه المرحلة وهذا الفتح العظيم فقاموا بتجميع مقالات لي كنت أكتبها في مجلة الجامعة وطبعوها لي ببرايل باستخدام الطابعة وغلفوها لي مع إهداء جميل بجمال قلوبهن.
الدرس الثالث عشر:
أجمل الهدايا ما كانت ثقيلة في ميزان القلوب، وليس في ميزان النقود.
لكن سرعان ما تنبهنا إلى أننا فعليا أمام جسر مبهر للتواصل.. ومن أمثلته أن طلبة الجامعة في ذلك الوقت كانت لهم مجلة خاصة يقومون على إعدادها وإخراجها اسمها نوافذ.. الآن أصبح من الممكن طباعة المجلة بنسخة برايل 👍🏼👏
وهذا فتح الباب للطالبات الكفيفات من متابعة كل ما يدور في الجامعة عبر المجلة والتفاعل مع زملائهم والمشاركة في المجلة بكتابة مقالاتهم باستقلالية ببرايل ثم تحويلها لوورد وارسالها للجنة تحرير المجلة..
أصبح لدينا لوحة إعلانات في مبنى النشاط يتم طباعة إعلانات الأنشطة ببرايل وتعليقها كي لا يفوت الطالبات أي نشاط يتم عقده. أصبح من الممكن إذا لدينا أي ملف وورد لكتاب سواء مقرر جامعي أو رواية تحويله لبرايل وطباعته فلا تكتفي الطالبة بمذكراتها ولكن يمكن أن يكون معها أي كتاب مقرر أيضا 😊
أشياء كثيرة يمكن القيام بها الآن..
ولله الحمد والفضل والمنة..
فعلا التقنية لم تفتح نافذة على حديقة للطالبات الكفيفات ولكنها فتحت نافذة على محيط!
بعد ذلك، دخلت التقنية في الجوالات ومازالت التقنيات تحاول تسهيل الحياة للجميع.
أعتقد لم تكن القصة "نهاية سعيدة"، ولكنها "بداية سعيدة" 😊
وسامحوني، وشكرا على صبركم، سأتوقف هنا، وأكمل غدا بإذن الله الجزء الثالث والأخير😅 والمرتبط بالطالبات ذوات الإعاقات الحركية.
ومزيدا من الدروس 🤓
وتصبحون على خير 🌴
نواجه في حياتنا اليومية عند التعاملات الإنسانية، سواء في عمل أو خارجه، ما يتسبب في حالة من التذمر.. في الحقيقة إما أن نكون نحن المتذمرين أو نحن من تسببنا في تذمر الآخرين..
ينشأ التذمر عندما لا نتحدث نفس اللغة، أو نرى بنفس النظارة، أو نشعر بنفس الشعور.. وهذا هو الدرس الذي تعلمته من طالبة شجاعة اسمها جيهان الغامدي، كانت من طالبات الاحتياجات الخاصة ذات إعاقة حركية.
الدرس الرابع عشر:
نظارتك قد لا توضح لك الصورة الكاملة، كن مستعدا لنزع نظارتك وارتداء نظارات الآخرين ليزداد إدراكك.
في لقاءاتي مع جيهان كانت ترصد لي ألف مشكلة ومشكلة في الحرم الجامعي تدعوها للتذمر (لا تزعلي يا جيهان عند قراءة هذه العبارة، فأنت تعلمين معزتك في ❤ وأنا أعلم معزتي في ❤)
أنا لم ألومها على الإطلاق، فعلا هي أوضاع تدعو للتذمر ولكن لم أنتبه لها قبل أحاديثنا لأن نظارتي لم تكن تبينها
الدرس الخامس عشر:
عندما تكون قائد، ويأتيك تذمر فيما يخص عملك الموكل إليك، لا تأخذ الموضوع بشكل شخصي. حاول أن تجيد التفريق بين القضية العادلة وطريقة عرضها.
لا ترفض القضية العادلة لأن طريقة العرض لم ترق لك.
لتقريب الصورة، تخيلوا معي...
أنت تحمل معك عشرين كيسا ثقيلا عشرة في كل يد، وتسير من مبنى باتجاه مبنى آخر، الدنيا صيف وشمس وحر ومع الثقل تشعر بإجهاد كبير وعندما اقتربت من باب المبنى المطلوب دخل شخص قبلك ونظر إليك وأنت مثقل بكل هذه الأحمال فلف ظهره ودخل ولم يمسك لك الباب 😡
أنت لا تريد منه أن يساعدك في حمل الأثقال، ولكن ألم يستطع فقط أن يمسك لك الباب لتمر؟!
لا أعلم عنكم، ولكن لو كنت أنا هذا الرجل كنت سأشعر بالتذمر من هذا التصرف.
ما يريد ذو الاحتياجات الخاصة أن نعرفه هو أنهم لا يريدون أن نحملهم فوق ظهورنا وننقلهم من مكان لآخر، هم قادرون على حمل أنفسهم بأنفسهم، ما يريدونه منا هو أن نيسّر لهم الطريق فقط ولا نزيده تعقيدا!
قالت لي جيهان، هل تعلمين كم يأخذ مني الوقت للتحرك بالكرسي من المبنى أ إلى المبنى ب؟ وفق خريطة الجامعة التي في ذهني ووفق نظاراتي أنهما قريبان جدا.. قلت لها لا أعلم. فشرحت لي المسار الطويل الذي تأخذه لأنه لا يوجد منحدر قريب منهما.
استوقفتني هذه العبارة، فأنا لم يسبق لي السير وفق مسار الزامي محدد..
عند التنقل بين المبانى أدخل طرق مختصرة بينها، أطلع رصيف وأنزل رصيف، لم أشعر قط بمحدودية في المسار الذي يجب عليّ اتباعه..
قررت، لكي أدرك ما تعانيه جيهان، ألا اتنقل بين المباني إلا وفق مسار به منحدرات، فكنت أخرج من مبنى وأمشي ثم لا أجد منحدر إلا بعد مسافة طويلة ثم أحتاج أرجع أدراجي للوصول للمبنى من منحدر آخر بعيد.. (وقت مهدر! وجهد إضافي!)، أو أمشي مسافة طويلة ولا أجد منحدر،
والأخطر من ذلك أن يكون هناك منحدر ولكن زاوية انحداره كبيرة جدا يمكن أن تسبب حوادث. مشاكل أخرى عدم وجود (أكرمكم الله) دورات مياه خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة وخصوصا في المباني القديمة، أو أبواب اوتوماتيكية
كنا نحاول جهدنا رصد كل ذلك ورفعه لإدارة المشاريع بالجامعة للقيام بالتعديلات
ومن الفعاليات التي أقمناها في ذلك الوقت فعالية "تجربة الكرسي" في ساحة من ساحات الجامعة، وضعنا عوائق ومنحدرات خشبية ونفتح المجال للطالبات للجلوس على كرسي متحرك وتجربة التحرك به لإدراك الجهد المبذول في التنقل..
صدقا ذوي الاحتياجات الخاصة هم ذوي الهمم!
الدرس السادس عشر:
هناك مثل يقول "لا تحكم على شخص قبل أن تمشي ميلا في حذاءه"
ومما أذكر من أحاديثي مع جيهان، كيف أنها لا تستطيع الصلاة في مسجد لأن النساء في الغالب في الدور الثاني والمسجد ليس به مصعد،وحتى التسوق أو التنزه ليس سهلا وليس مهيأ للتنقل بالكرسي المتحرك.. أشياء عديدة ذكرتها لم يرصدها راداري لأنه لم يكن مهيأ لاستقبال تلك الموجة وأحتاج أن أعيد ضبطه
وأصبحت عيني دائما تتفقد المنحدرات في كل طريق أراه، وهذه صورة التقطتها ويمكن من خلالها معرفة حجم المشكلة!
الحمد لله الوضع الآن فيما يخص ذوي الاحتياجات الخاصة أفضل بكثير مما كان عليه قبل 18 سنة، سواء داخل الحرم الجامعي أو في الأسواق أو المنتزهات، بوضع أماكن مخصصة لمواقف السيارات أو المنحدرات أو دورات المياه.. لكن بالتأكيد هناك دائما مجال للتطوير لتسهيل تنقل وزيادة استقلالية ذوي الهمم.
لعل ما أود تذكير نفسي وإياكم به، هو أنه ليس مطلوب مني أم منكم أن نكسر الأرصفة لوضع منحدر هنا أو هناك، فهناك جهات مسؤولة عن ذلك، لكن تكمن مسؤوليتنا في أنه إذا رأينا منحدرا ألا نعيقه،
أي إذا لا نستطيع تيسير الطريق لهم على الأقل لنعمل على عدم تعسيره بإجبارهم على البحث عن مسار آخر، أو إيذاء أنفسهم أو إتعاب مرافقهم في محاولة صعود الأرصفة..
عند الوقوف عند المصاعد فالأولوية لهم.. دورات المياه الخاصة بهم هي خاصة بهم..
الأمر الثاني تنشئة الأطفال على الالتفات لهذا الأمر، مثلا عند إيقاف سيارة في موقف يتم سؤال الأطفال هل هذا موقف احتياجات خاصة؟ هل هناك لوحة؟ هل مرسوم علامة على الأرض؟ ودعوهم ينظروا ويتحروا لكي يتعلموا من الممارسة الانتباه لذلك.
عند رؤيتكم من قام بإعاقة منحدر باي عائق سواء سيارة أو بضاعة، أسمعوهم رفضكم لهذا التصرف.
الدرس السابع عشر:
إذا عرفت، فساعد الآخرين على المعرفة.
ولعلي أختم بقصة دافئة..
أرادت وكالة الأنشطة إقامة حفلها السنوي في قاعة المؤتمرات، فتواصلت مع مدير القاعة م.عبدالرؤف سيت، قلت له لدينا احتياجات خاصة، البوابة الشرقية بها منحدر يوصل للبهو الرئيسي ولكن من البهو إلى القاعة الرئيسية يوجد ٤ درجات ولا يوجد منحدر قريب فلن يستطعن الوصول
قال لي فعلا سبحان الله لم أنتبه لذلك، ووعدني منحدر جميل بزاوية انحدار مريحة وأن أعتبره قد تم تركيبه.. جزاه الله خيرا على سرعة استجابته وتنفيذه المهمة حيث اتصل علي اليوم التالي وأبلغني أنه تم التركيب..
حضرت طالبات الاحتياجات الخاصة الحفل وكان من أجمل الاحتفالات وأسعدها إلى قلبي لأن الجميع شارك وتشاركنا اللحظات السعيدة. أنا لم أذهب إلى قاعة المؤتمرات منذ فترة ولكن آخر مرة زرتها مازال المنحدر هناك ولله الحمد (أروح أشيك عليه 😊)، وكم يسر التنقل لذوي الاحتياجات الخاصة خلال الأعوام
الدرس الثامن عشر:
لا تستهين بالبسيط.. فلربما جلب البسيط العظيم
ولأني أحب تقريب الأرقام 😊 سأضيف درسين لأكمل العشرين!
الدرس التاسع عشر:
ينشأ التذمر عندما لا نتحدث نفس اللغة، أو نرى بنفس النظارة، أو نشعر بنفس الشعور، لكن كن مستعدا لسماع ما يزعجك، ورؤية ما لا يسرك، والشعور بما يضايقك.. هي مرحلة لابد منها للانتقال من التذمر إلى التفاهم.
الدرس العشرون:
قد تكون طالبا اليوم، موظفا غدا، زوج أو أب أو أم بعد سنوات، قائدا في منشأة، أينما ستأخذك الحياة وفي أي ارض ستسقر، عش وفق الحكمة التي تقول "ازهر حيث زرعت".
 🌴
الدرس الواحد والعشرون 🙈:
تعبيد الطرق من أجلّ الأعمال وأثوبها، وقد يكون طريقا حقيقيا على سطح الأرض، أو طريقا افتراضيا كأن تساعد إنسانا للوصول إلى حاجته، طالبا أو ابنا للوصول إلى حلمه، مهموما للوصول إلى فرجه، مروعا للوصول إلى طمأنينته.
هناك طرق كثيرة تنتظر أن تعبدها.
غادرت وكالة شؤون الطالبات للأنشطة عام 1428 هـ ولكن قلبي ظل هناك ❤،
وأتى من بعدي القياديات الفاضلات
د. منال مديني
@Dr_madini
ثم د. عبلة بخاري،
ثم د. أروى عرب
@ArwaArab
جزاهم الله خيرا بنوا على المكتسبات وقوموا القصور بالتعاون مع نظرائهم من شطر الطلاب.
تحول المكتب الصغير إلى وكالة منفصلة وتوّجت جامعة الملك عبدالعزيز هذا العام 2020 بجائزة دولية من منظمة     Zero Project لتمكين ذوي الإعاقة في التعليم الجامعي في مقر الأمم المتحدة بفيينا ولله الفضل والمنة.
pressfile.kau.edu.sa
في الختام، أكرر شكري للفريق الرائع الذي عملت معه في مكتب ذوات الاحتياجات الخاصة فهو مجهودهم وليس مجهودي، وأسرتي الكبيرة في وكالة شؤون الطالبات حيث كان كل مشروع في أي إدارة هو مشروعنا جميعا..
وشكري لطالبات الاحتياجات الخاصة لمساعدتنا في جعل الجامعة أفضل للجميع بإعطائنا منظور جديد
ولمتابعي التغريدات، شكرا لتفاعلكم وكلماتكم الطيبة ومشاعركم الدافئة.
اللهم علمنا ما ينفعنا وأنفعنا بما علمتنا وزدنا علما.
وتصبحون على ما يسركم 🌴
(في العادة معدل تغريدي تغريدة واحدة في اليوم، فعذرا على طوفان التغريدات 🌊)

جاري تحميل الاقتراحات...