Nader Halawa
Nader Halawa

@nhalawa1

20 تغريدة 40 قراءة Aug 03, 2020
خادش للحياء..
مأساة تاجر تحف
يجلس تاجر التحف المخضرم داخل محله وهو يراقب الزبائن بعينين قلقتين فرغم وضوح عبارة "ممنوع اللمس" إلا أن فضول بعض الزبائن يدفعهم عادة لإنتهاك قواعده الصارمة فتمتد أياديهم للمس مقتنياته الثمينة ، وهنا تندفع الدماء إلى رأسه خوفا عليها من أي خدش.  1
أحيانا يضطر لطرد بعض الزبائن وقد يصل الأمر لاستدعاء الشرطة ، فتاجر التحف الذي يدرك قيمتها جيدا يعلم أن أي خدش يصيب التحفة هو خسارة لا تعوض وجريمة لا تغتفر.2
وحين ينصرف آخر زبون يشعر تاجر التحف بالراحة وهو يجلس وحيدا، فيجهز عشاءه ليتناوله داخل المحل في أحضان تحفه النفيسة ، يملأ إبريقاً نحاسياً أثرياً بالماء ويضعه على النار ليعد فيه الشاي ، 3
وبكل تلقائية يختار أندر لوحة فنية في المحل ويجعلها مفرشاً فيضع عليها طعامه الذي يتناوله عادة في أطباق خزفية يعود تاريخها لقرون مضت أحيانا يتحطم طبق أوإثنين وغالباتتساقط قطرات"الشوربة"أو"الصلصة"على اللوحة النادرة وفي الأغلب تفقد الآنية النحاسية بريقهاوتتلاشى نقوشها بكثرة الاستعمال
،لكن تاجر التحف لا يشغله كل هذا وهو يعود لمنزله كل ليلة لينام قرير العين ، لكن حين يفتح محله صباحا يجلس متجهماً كالعادة يراقب الزبائن خوفا على مقتنياته الثمينة من الخدش!
5
لاغرابة في سلوك تاجر التحف فهناك مجتمع بأكمله يمارس نفس السلوك مع الفارق أن مقتنيات التاجر محددة ومعروفة بينمامقتنيات المجتمع هلامية غير واضحة فالمجتمع يخشى دائما من خدش حيائه و تدمير أخلاقه لكنك لاتعرف تحديدا ما هوالمقصود بهذا الحياء القابل للخدش أونوعية الأخلاق المهددة بالدمار
أنت لن تعرف على وجه الدقة إن كانت رؤية "دُرج" الموظف المفتوح تخدش حياء المجتمع أم لا ، وهل القاء القمامة من "البلكونة" يمكن أن يخدش حياء المجتمع أيضا أم لا ؟ ، وهل التوسع في زراعة "الكوسة" داخل كل المؤسسات العامة والخاصة يهدد بخدش الحياء العام أم لا ؟ 7
لن تتمكن من فهم طريقة المجتمع في الحفاظ على قيمه الأسرية حين تجد الآباء والأمهات أمام لجان الإمتحانات لمساعدة أبنائهم على الغش الجماعي ولن تستوعب الأسلوب الذي يحمي به المجتمع أخلاقه حين يعتبر التهرب من الضرائب شطارةومراوغة الجمارك مهارة ، وانتهاك القوانين حق من حقوق الإنسان 8
لا يمكنك استيعاب نظرية خدش الحياء أو انتهاك الأخلاق إلا بتأمل سلوك تاجر التحف غريب الأطوار ، فهو لا يخاف على مقتنياته إلا أمام العيون لكنه حين يختلي بنفسه لا تسلم تحفه الثمينة من أفعاله ، فالمهم هو ما يراه الناس 9
أمابينك وبين نفسك فلاقواعد ولاضبط السلوك المهم هو المظهر المهم هو أن يتحدث الجميع عن التحف غير القابلة للمس وعن القيم الاجتماعية غير القابلة للخدش وعن الحياء المصان بقوانين مطاطية تسمح لمن ينفذها بانتقاء مايخدش الحياء من وجهة نظره وما يهددالقيم الأسرية من منطلق رؤيته لهذه القيم
لذلك ستجد هذه القوانين المطاطية بمرونتها الفائقة تتجول في عالم "السوشيال ميديا" بحثا عن الحياء المخدوش، فلا يستوقفها التحريض الشرعي على التحرش فهذا قطعا لا يساعد على خدش الحياء العام 11 ،
ولا يمكن لصيحات التكفير العلني أن تكون خادشة لقيم المجتمع فرؤية صورة جثة شخص قتله التكفير أهون من رؤية صورة كتف أنثوي عارٍ على "السوشيال ميديا" ، ولا يمكن أن تكون الخطابات الطائفية المتتالية من شخصيات معروفة مهددة لقيم التسامح في المجتمع ، فحرية ممارسة الكراهية مكفولة للجميع ،12
ولا خطر من هؤلاء على قيم المجتمع ، لكن إذا ظهر فستان ما بطريقة تثير حفيظة المجتمع الخلوق بطبعه ، فالويل كل الويل لهادمي القيم الاجتماعية العليا ومدمري الأخلاق وخادشي الحياء العام .13
الحض على الكراهية في نظر القوانين المطاطية ليس أمرا خطيرا على القيم الأخلاقية ففي هذا المجتمع لا تندرج قيمة التسامح ضمن المنظومة الأخلاقية وكذلك الأمر بالنسبة لقيمة المحبة فمن الجائز خدشها بل والتنكيل بها جهارا نهارا 14
فليس صحيحا أن نشر قيم المحبة و نبذ الكراهية هو وسيلة الارتقاء بأخلاق الناس وأسلوب معاملاتهم ، ولهذا السبب قرر المجلس الموقر قبل 3 سنوات وضع مشروع قانون لمكافحة الكراهية في أدراج أرشيفه العتيق فهذا آخر هم مجتمعنا الحريص على قيمه الأخلاقية . 15
إن أردت استيعاب أسلوب المجتمع في التعامل من الأخلاق والحياء العام فانتظر موسم توزيع "الزيت والسكر" مجانا على البطاقة الانتخابية ،16 .
ستجد طابورا طويلا من السيدات الفضليات المحتشمات يتلقين هذه "الإكرامية" الانتخابية بكل رحابة صدر ولن يخدش حياءهن وقتها شيء إلا إذا مرت أمامهن سيدة حاسرة الرأس وبكامل أناقتها ، هنا فقط سيتهامسن في فزع ممزوج بالحسرة على تدهور الأخلاق إلى هذا الحد 17.
اختلال المنظومة الأخلاقية في أي مجتمع أكبر عقبه في طريق تقدمه ، وإصلاح هذه المنظومة لا يمكن أن يتم دون إعادة تعريف للأخلاق ضمن مشروع قومي للإصلاح الفكري ، ثم تحديد القيم الأخلاقية التي ينبغي إصلاحها بحيث تكون الأولوية للقيم الأكثر تأثيرا على مسيرة المجتمع ككل ، 18
وهي القيم التي تبني الضمير وتقاوم الفساد وتعالج عوار المعاملات بين الناس وتوقف طوفان الكراهية التي لا يأتي من ورائها خيرٌ أبدا حتى لو تسربلت بعباءة الدين وفتاوى سدنة الكراهية المقدسة .19

جاري تحميل الاقتراحات...