" انس كل شيء في حياتك وعد إلينا .. حطّم كأس الفودكا وعد فإني أنتظرك .. كلنا ننتظرك ".
بهذه الكلمات الحلوة المؤثرة خاطب الفنان الكبير أنطون تشيكوف أخاه نيكولا، وكان نيكولا قد أخذ يشكو من الحياة والناس، فالحياة تضع العقبات في طريقة والناس دائمًا يسيؤون فهمه،
بهذه الكلمات الحلوة المؤثرة خاطب الفنان الكبير أنطون تشيكوف أخاه نيكولا، وكان نيكولا قد أخذ يشكو من الحياة والناس، فالحياة تضع العقبات في طريقة والناس دائمًا يسيؤون فهمه،
ولذلك فهو تعيس شديد الضيق، لا يجد عزاءه إلّا في كأس من الفودكا، ثم في الشكوى المريرة التي لا تنتهي.
وكان نيكولا شابًا موهوبًا رسامًا وكاتب قصة، ولكنه لم يكن يعرف طريقة المحافظة على موهبته واستثمارها،
وكان نيكولا شابًا موهوبًا رسامًا وكاتب قصة، ولكنه لم يكن يعرف طريقة المحافظة على موهبته واستثمارها،
وكانت حساسيته الشديدة تدفعه إلى التأثر العنيف بالحياة، والاهتزاز وفقدان التوازن أمام مشاكلها المختلفة.
ولم يترك تشكوف أخاه، بل دعاه، وحدد له طريق العودة من اليأس والانهيار .. قال في بساطة وعمق : إن كل لحظة من حياتك لها قدرها .
ولكن نيكولا لم يستطع أن يعود، فقادته الخمر إلى اليأس، وقاده اليأس إلى الدمار والموت بدون أن يقدم شيئًا هامًا جميلاً للحياة.
وكان باستطاعته أن يفعل ذلك لو استمع لصوت أخيه العظيم وهو يناديه .. ولو سار في طريق العودة الذي ناداه إليه.
وكان باستطاعته أن يفعل ذلك لو استمع لصوت أخيه العظيم وهو يناديه .. ولو سار في طريق العودة الذي ناداه إليه.
ولكن طريق العودة الذي حدده تشيكوف لم يمت لأنه لم يكن خاصًا بنيكولا وحده، فنيكولا نموذج شائع في الحياة.
إن كل واحد منّا يمكن أن يصبح نيكولا في لحظة من اللحظات. قد تكون قصيرة وقد تمتد وتتسع إلى أن تشمل الحياة كلها.
لقد كانت محنة نيكولا : أنه يبدد حياته، يبدد كل ما يملك من قوى معنوية، حتى يصبح في آخر الأمر مثل المقامر الذي أفلس بعد منتصف الليل وطرده نادي القمار، وذهب كل الرواد إلى بيوتهم وبقي هو وحيدًا طريدًا بلا مأوى ولا أمل .
هذا هو الإفلاس المادي .. وهذا هو الإفلاس المعنوي أيضًا.
هذا هو الإفلاس المادي .. وهذا هو الإفلاس المعنوي أيضًا.
وتشيكوف يكشف السر لأخيه، سر الإفلاس الروحي، والغنى الروحي .. فقد كان تشيكوف نفسه غني الروح بينما كان رأس ماله أقل من رأس مال أخيه بكثير، فقد كان فقيرًا جدًا، وكان مريضًا، وحيدًا باستمرار .. ومع ذلك فقد استثمر فقره ومرضه ووحدته وعرف قدر كل لحظة من حياته،
حتى استطاع أن يقدم للعالم في فترة عمره القصير الذي لا يزيد على أربعين سنة نسبة ضخمة من الحكمة العميقة، والجمال الخصيب
جمال الكلمات، وجمال السلوك والفهم والشعور.
جمال الكلمات، وجمال السلوك والفهم والشعور.
وبذلك عالج تشيكوف أكبر مشكلة تسبب للإنسان التعاسة والارتباك وتؤدي أحيانًا إلى الدمار .. هذه المشكلة أن يشعر الإنسان أن حياته تافهة، لا فائدة منها ولا جدوى.
وفي هذه الحالة يبدأ الانسان بالشكوى، الشكوى من العمل، من الناس والظروف، ويتحول كل شيء بالنسبة له إلى مرارة لا يطيقها الإحساس.
وقد يندفع الإنسان إلى أكثر من الشكوى، فيقوم بعملية تبديد واسعة لامكانياته، إنه يبدد وقته ومشاعره وصحته، ويجد في كأس الخمر لذة لا يجدها في قراءة كتاب، وفي التسكع والفرجة على الحياة والسخرية من الناس لذة لا يجدها في العمل ومحاولة الفهم الصحيح للأشياء.
وهذا الموقف يؤدي إلى الإحساس بالتعاسة، إنه انتحار يتم على مراحل، على عشر سنوات أو عشرين سنة أو أكثر، ولكنه في النهاية هرب من الحياة وكراهية لها، وبحث دائم عن الغياب عنها.
ماذا تكون نتيجة حياة من هذا النوع ؟ ماذا يكون حصاد زرع من هذا الطراز ؟
إن النتيجة الأخيرة هي انعدام الشعور بجدوى الحياة، وانعدام الشعور بأن الإنسان قد ترك في هذه الدنيا أثرًا مفيدًا جميلا.
إن النتيجة الأخيرة هي انعدام الشعور بجدوى الحياة، وانعدام الشعور بأن الإنسان قد ترك في هذه الدنيا أثرًا مفيدًا جميلا.
والسؤال عن نتيجة حياة الإنسان سؤال هام ومخيف، وبعض الناس يهربون من السؤال تمامًا، وبعضهم يواجهونه بفزع وارتباك، وآخرون يواجهونه بقوة.
وهذا النوع الأخير هو وحده الذي يصل إلى نتيجة، إلى ثمرة ترضيه وتقضي على شعوره بالتفاهة، وقد تكون هذه الثمرة هي مجرد العمل، مجرد المحاولة.
والحكمة الكبيرة التي دلنا عليها تشيكوف عندما قال لأخيه : كل لحظة من حياتك لها قدرها، تتجاوب تمامًا مع الطريق الذي اختاره عدد كبير من العظماء ومعلمي البشرية، هؤلاء الذين فتحوا الطريق أمامنا، وساروا حتى وصلوا إلى أقصى أطرافه.
وكان كفاحهم دعوة لنا كي نسير في الطريق ولو بعض خطوات.
فالحياة الناجحة هي الحياة المنظمة، الحياة التي تخضع لرقابة دقيقة من الإنسان على نفسه، وليست الحياة التي تجري هكذا مع التيار يدفعها إلى الأمام مرة وإلى الوراء مرةً أخرى.
فالحياة الناجحة هي الحياة المنظمة، الحياة التي تخضع لرقابة دقيقة من الإنسان على نفسه، وليست الحياة التي تجري هكذا مع التيار يدفعها إلى الأمام مرة وإلى الوراء مرةً أخرى.
فالإنسان لن يحقق أي انتصار على مشاكل الحياة، دون تخطيط ويقظة، وعمل دائب من أجل هذل التخطيط.
وقد سمى تولستوي هذه العملية تسمية جميلة، سمّاها « الحراسة على الحياة الخاصة »، وكان تولستوي نفسه يقوم بهذه الحراسة الدقيقة على حياته، فلا يسمح لأحد اللصوص أن يدخل إلى نفسه فيسترق منه وقتًا أو شعورًا جميلاً، أو فكرة عميقة،
وهو لا يسمح أيضًا لجانب من جوانب حياته أن يصدأ أو يتعفن، بل هو (( يكنس )) نفسه، ويغسلها وينظفها ويرتبها في كل لحظة، ثم يعمل على أن يملأها بالأثاث الغالي الثمين = أي بالأفكار العميقة النبيلة، وبالمشاعر الإنسانية الصافية المفيدة، وبالسلوك النقي الرفيع.
إنه يريد أن يجعل من حياته شيئًا مفيدًا مجديًا، ولن يكون ذلك أبدًا بأن يترك نفسه للمصادفة، بل إنه يعرف جيدًا كيف يواجه المصادفة ويحاربها ويعمل للتغلب عليها وضمها إلى صف أفكاره النبيلة.
ومنذ صباه الأول لم يكن يجامل نفسه أبدًا أو يخدعها أو يكذب عليها، كان على نفسه حارسًا أمينًا لا ينام .. يواجهها وينقدها دائمًا، ويصع علامة حمراء عنيفة تحت أي تصرف أو فكرة أو شعور يتسم بالتبديد الخالي من المعنى .. التبديد بلا جدوى ولا مقابل.
ففي مذكراته وهو شاب صغير يسجل تولستوي ما فعله في أحد الأيام بهذه الصورة : من الظهيرة حتى الساعة الثانية مع • بيجتشيف • تحدثت بحرية كبيرة، وبغرور عظيم، وأنا أكذب على نفسي أيضًا .. من الثانية حتى الرابعة رياضة بدنية .. قليل من العكوف والصبر.
من الرابعة حتى السادسة تناولت طعامي وابتعت بعض الأشياء عديمة النفع. في البيت لم أكتب شيئًا. إنه الكسل . زرت بعض أصدقائي وتحدثت هناك "إنه الجبن".
ثم ينتهي تسجيله لهذا اليوم بهذه الجملة : " لقد تصرفت بصورة سيئة : جبن وغرور وطيش وضعف وكسل".
وهكذا يضرب تولستوي نفسه بسوط لا يرحم، ويراقب نفسه بدقه وقسوة وكأنه قد انقسم إلى شخصيتين إحداهما تعادي الأخرى بشدة، فتقول لها عيوبها بلا خوف ولا مجاملة، وتكون هذه المواجهة القاسية هي بداية التغيير نحو حياة أكثر جمالاً وفائدة ..
وإن لم تكن أكثر سهولة وراحة، فعندما كان تولستوي يصف بصدق وأمانة أن هذا التصرف جبن وهذا غرور أو كسل، فهو في الوقت نفسه يسجل سخطه على هذا النوع من التصرفات وكراهيته له، وهو على الفور يبدأ في التغيير نحو الجميل والعميق معًا.
وهذا هو الدرس الذي يعطيه لنا تولستوي كما أعطاه لنا من قبل تشيكوف .. احترام كل لحظة في الحياة وإقامة الحراسة عليها، وجعلها - في بساطة و صدق - مليئة بشيء نافع، والنظر إلى حياة الإنسان على أنها نسيج كامل كبير، يجب أن نضع فيه كل يوم ولو "غرزة" واحدة مفيدة،
حتى إذا وصلنا إلى منتصف الطريق أو إلى نهايته استطعنا أن نقول أننا فعلنا شيئًا، وأننا لم نعش مثل الجراد والصراصير .. كائنات بلا جدوي .. كائنات بلا مغزى.
كائنات بلا فائدة .
لقد كان تولستوي مثل زميله تشيكوف يخاف على حياته أن تصبح تافهة، أو تصبح كريهة، ولذلك فقد كان يقوم بحراسته الدقيقة على حياته بدون تهاون، وبطرد المشاعر السيئة من نفسه، تمامًا كما يقص أظافره الطويلة ويرفض اللحظة السطحية التي بلا معنى ولا طعم،
لقد كان تولستوي مثل زميله تشيكوف يخاف على حياته أن تصبح تافهة، أو تصبح كريهة، ولذلك فقد كان يقوم بحراسته الدقيقة على حياته بدون تهاون، وبطرد المشاعر السيئة من نفسه، تمامًا كما يقص أظافره الطويلة ويرفض اللحظة السطحية التي بلا معنى ولا طعم،
إنه يزرع أرض حياته ببذور مختارة .. بالقمح والورد والعنب، ولا يترك هذه الأرض لتنمو فيها الأعشاب البرية السامة، وتأوى إليها الغربان والفئران، وتصلح كئيبة خالية من الفائدة والجمال.
وبهذه الطريقة استطاع تولستوي أن يعيش اثنتين وثمانين سنة لا تتكرر .. خصبة كلها، فعالة كلها، عميقة في كل لحظة من لحظاتها، في القلق والاضطراب كما في الاستقرار والهدوء.
- تأملات في الإنسان
جاري تحميل الاقتراحات...