«الثاني من آب والثمن الباهظ» كانت قد نشرت في السفير قبل سنتين، أعيد نشره هنا لأن الأرشيف غير متاح. #العراق #٢آب
لا يبالغ المرء إذا عدّ الثاني من آب عام ١٩٩٠ يوماً مفصلياً في تاريخ العراق والمنطقة. فقد كان لقرار غزو الكويت في ذلك اليوم تبعات كارثيّة طويلة الأمد ما زالت
لا يبالغ المرء إذا عدّ الثاني من آب عام ١٩٩٠ يوماً مفصلياً في تاريخ العراق والمنطقة. فقد كان لقرار غزو الكويت في ذلك اليوم تبعات كارثيّة طويلة الأمد ما زالت
أثمانها الباهظة تدْفَعُ إلى اليوم، في #العراق بالذات. حين استولى صدّام حسين على مقاليد السلطة بشكل كامل في العراق في تموز عام ١٩٧٩، بعد إزاحة أحمد حسن البكر، وتصفية عدد كبير من رفاقه، كان احتياطي الدولة من النقد الأجنبي حوالي ٣٥ بليون دولار. وبعد سنة وشهرين أقحم صدام العراقَ في
أولى مغامراته الكارثية، الحرب التي دامت ثماني سنوات (١٩٨٠-١٩٨٨) مع إيران. وعندما انتهت تلك الحرب في ٨ آب ١٩٨٨ (بدون تحقيق أي من الأهداف المعلنة التي شنّت من أجلها) كانت قد حصدت مئات الآلاف من العراقيين وألحقت خراباً بمدنه الحدوديّة وبنسيجه الاجتماعي
كما أضعفت اقتصاده وحوّلت تكلفتها الباهظة رصيده من فائض نقدي عند استلام صدام الحكم إلى ديون خارجية بقيمة حوالي ٤٥ بليون دولار وبفوائد عالية. كما واجه النظام صعوبات داخلية تتمثّل في عودة مئات الآلاف من الجنود المسرّحين إلى الحياة المدنيّة وتحديّات استيعابهم في الاقتصاد المحلّي.
مهما قيل عن مواقف أنظمة الجوار قبيل الغزو وعن تعنّتها فقد أخطأ صدام في قراءة المواقف وفي حساب ردود الفعل المحتملة إقليمياً ودولياً. ما زال البعض يذكر ما قالته سفيرة الولايات المتحدة في العراق آبرل غلسپي في اجتماعها مع صدام قبل ثمانية أيام من الغزو عن رغبة الرئيس بوش (الأب)
بتحسين العلاقات مع العراق وعن أنّ «الولايات المتحدة لا تمتلك رأياً بخصوص النزاعات العربية العربية، مثل خلافكم مع الكويت.» ويذكَر البعض هذا على أنه خدعة إعطاء الضوء الأخضر (وكأن السياسة والدبلوماسية تخلوان من فنون الخداع والمناورة، أو أن صدام كان طفلاً ساذجاً!).
وفّر غزو الكويت فرصة ذهبية لطالما كانت الولايات المتحدة تحلم بها للدخول إلى المنطقة بقوّة وإنشاء قواعد عسكرية دائمة. أرسل بوش (الأب) تشيني، وزير الدفاع آنذاك، لإقناع النظام السعودي بالموافقة على دخول القوات الأمريكيّة بسرعة. وأخبر تشيني فهد أن القوات العراقيّة تتجحفل
على الحدود السعودية وتتهيأ لغزو المنطقة الشرقية مستخدماً صوراً من أقمار صناعية. حصلت صحيفة «كرسشن ساينس مونيتر» الأمريكية فيما بعد على صور أقمار صناعية لمنطقة الحدود في تلك الفترة تفنّد ما ادّعاه تشيني. أوقع الغزو العراق في براثن العقوبات الاقتصادية
التي تم فرضها بسببه في ٨ آب ١٩٩٠ والتي لم تُرْفع حتى عام ٢٠٠٣. وكانت الأكثر وحشية في العصر الحديث وبدا واضحاً منذ سنتها الأولى أنّها تفتك بالمواطنين العاديين وبالنسيج الاجتماعي والاقتصادي دون أن تمس الطبقة الحاكمة. واستكملت العقوبات التدمير الذي بدأته حرب ١٩٩١
التي شنّت تحت غطاء تحرير الكويت، لكنّها أدّت عملياً إلى تدمير البنية التحتية للعراق و «أعادته إلى العصر ما قبل الصناعي» كما قال وزير الخارجية الأمريكي بيكر آنذاك. ما زال العراقيون يدفعون، فعلياً، ثمن الغزو الباهظ وتبعاته. فقد تم دفع أكثر من ٥٠ بليون دولار إلى لجنة الأمم المتحدة
للتعويضات التي تأسست عام ١٩٩١ في جنيڤ والتي يتم تمويلها باقتطاع ٥٪ من عائدات النفط العراقي سنوياً.
جاري تحميل الاقتراحات...