عدد كبير من العلماء والمثقفين عملوا "كارثة" كبيرة خلال السنوات الماضية، طبعا بحُسن نية، لكن ستؤثر علينا جميعا خلال العقود القادمة👇
من سنين الدكتور أحمد زويل - رحمه الله- وفي ندوة عقدت في مصر، كان يتحدث عن أهمية مواكبة المناهج التعليمة للاكتشافات العلمية، وضرب بعض الأمثلة عن المناهج الغربية، ثم تحدث بسخرية عن الطلبة المصريين المشغولين بحكايات "المعلم شلاطيمة" وسط تصفيق حاد من الحضور.
ممكن اتفق مع الدكتور زويل، ولا يوجد عندي أى مشكلة فيما قال، لكن الأمر أخطر من كلام زويل هذا أصبح منهج أغلب العلماء والمثقفين، الاستهزاء والاستخفاف بالحكايات والروايات والقصص، والتركيز فقط على الجانب العلمي
من كام يوم سمعت من أكاديمي تربوي يتحدث عن أهمية دراسة الطفل للبرمحة، وسبق لي قراءة إعلانات لدورات متخصصة للأطفال عن الذكاء الاصطناعي، والإنسان الآلي...
التيار العام المنتشر أثر تأثيرا واضحا على سلوكيات وتصرفات الأباء والأمهات، نجد الأهل على وجههم البشر حين يشاهدون ابنهم يلعب على موبيل أو أى باد وهو يحبو !! يعتقد الأهل أن ابنهم أو ابنتهم سيصبحون أينشتاين!
نجيب محفوظ حكى أن أمه كانت تأخذه ليشاهد المساخيط في المتحف المصري، ويوسف القعيد حفظ في طفولته ألف ليلة وليلة، هذا عامل مشترك بين كل المبدعين زمان رغم اختلاف توجهاتهم، منهم من كان يسمع في طفولته أبو زيد الهلالي أو عنترة مع قصص الأنبياء والسيرة النبوية.
حتى القصص الخيالية والخرافية كلها بتنمي خيال الطفل، لو عملنا مقارنة بين طفل بيلعب على الترعة وبيساعد أهله في عمل الكعك بالتأكيد خبراته ومهاراته ستكون أعلى من طفل ممنوع يوسخ هدومه وأغلب وقته بيلعب جيم على شاشة تصدر أصواتا ويتحرك عليها أشباح !!
طبعا ممكن واحد يقول خرفات أيه ؟؟ وترعة أيه ؟ عايزين نتقدم زي بره، نعمل زي يعملوا علشان نتقدم زيهم، طيب صلوا على النبي وشوفوا الصور دي، وأنا صورتها بنفسي لبعض الأطفال الأجانب
طبعا هناك قصص علمية للطفل، لكن من يقدم ويعد كتب الطفل سواء علمية أو قصص أو غيرها لازم يكون متخصص، الكتابة للطفل أصعب وأهم من الكتابة للكبار، ومجرد النية الطيبة لا تكفي.
مرة قرأت لدكتورة مشهورة تحذر الأباء والأمهات من خطورة قصة سندريلا على الأطفال لأن القصة -من وجه نظرها- تتعارض مع حقوق المرأة !!
خلاصة الكلام التفكير العلمي المجرد الصارم للأطفال يؤثر سلبيا على إبداعهم وتفكرهم وخيالهم، حتى إن بعض الناس اكتفوا بتدريس أولادهم في البيت بحجة أن الفائدة العلمية من الذهاب للمدرسة محدودة.
ونادر لو وجدنا دورات أو برامج للأطفال لتحسين الخطوط أو الرسم أو الأشغال اليدوية أو تنمية لأى مهارات فنية أو اجتماعية، حتى اللغات تُدرس بطريقة جافة جدا، العربي مثلا قواعد نحو، والإنجليزي جل الاهتمام بالأزمنة وباقية القواعد.
وإذا كبر الطفل وحصل على الثانوية العامة بتفوق: يلتحق بطب أو هندسة أو صيدلة أو علوم.....منطقي طبعا لأن الكليات العلمية ممكن توفر فرص عمل أفضل ودخل أعلى
وبعد تخرج الطلاب وحصولهم على البكالوريوس، المتفوق منهم يحصل على ماجستير ثم دكتوراه في تخصص علمي دقيق جدا، وهذا طبعا يستنزف مجهود ووقت وعمر الباحث.
العلماء له دور مهم جدا في المجتمع، لكن لو العلماء فقط هم من يقودون المجتمع يبقى كلنا ممكن نلبس في الحيطة، رجعوا كدة كل المشاكل الكبيرة الموجودة حاليا، وشوفوا كيف يُتعامل معها... ولا خيال ولا إبداع ولا فكر، ولسه، وربنا يستر.
القراءة للطفل ينبغي أن تبدأ من اليوم الأول لولادته، وليس صحيحا أن الطفل لا يعي شيئا، أخطر سنوات في عمر أى إنسان هي الست سنوات الأولى من عمره.
أكيد مر عليكم مستشار وأولاده مستشارين، أو طبيب وأولاده مثله، أو تاجر وجميع أولاده تجار كبار.....طبعا يتبادر للذهن الوسايط/الوراثة، طبعا وارد جدا، لكن في جانب تاني لا ينتبه إليه أغلب/كل الناس:
المناخ العام داخل البيت يختلف من أسرة لأخرى، المستشار داخل بيته يستخدم مفردات قد تختلف أحيانا عن مفردات التاجر، والمحادثات التليفونية والبرامج التلفزيونية التي يتابعها الطبيب تختلف عن تلك يهتم بها رجل الأعمال، وهكذا ....لحظة من فضلك، الطفل يلتقط ويتأثر من اليوم الأول ما يحدث حوله
أما وقد علمت هذا، فينبغي عليك ومن اليوم الأول لولادة الطفل توفير جو مناسب، الأمر لا يقتصر على قراءة بعض الكتب أو توفير بعض الأنشطة، والأمر أخطر من هذا، ولا تغضب مني إذا قلت لك: لو أنت ليست على قدر المسئولية يبقى لا تنجب أفضل.
شراء ماركات من ملابس الأطفال مرتفعة الثمن، وتوفير أثاث فاخر في البيت، ممكن يتحول بالنسبة للطفل لسجن من ذهب، لازم يتم من اليوم الأول في عمر الطفل تنشيط وتحفيز حواسه ( سمع، بصر، شم، لمس) يعني الطفل لازم يسمع أصوات ومفردات مختلفة، يشوف مناظر متعددة، يشم روائح متباينة..
بعض الأهل بيحبوا يريحوا دماغهم، ممكن مثلا من خلال أى جهاز تشغيل أغنية وطفل يسكن ويستريح الجميع، لكن انسجام الطفل مع أى رتم ممكن يؤدي لتأخر الكلام عند الطفل، لازم حد يتفاعل بصورة طبيعية معه، يتكلم/يلعب/يغني معه
مهارات الطفل ومناعته العضوية والنفسية لن تتأتى إلا بالحتكاك الطبيعي، الطفل لازم يجرب ويحاول ويتدرب من سني عمره الأولى على الشعور بالرفض، عمل تحالف مع زميله ضد واحد غلس، الصمود ضد سخرية، التعامل مع واحد عصبي أو مغرور...
الجيل القادم وارد جدا تنتشر فيه الأمراض النفسية/نسب الانتحار بسبب الشخصية الهشة التي تنشأ في واقع افتراضي، الطفل يختار ما يشاهد على اليوتيوب، يعمل بلوك لمن يختلف معه، مع تقدم الطفل في العمر يكتشف أنه غير قادر على التعايش والتفاعل مع من حوله.
لو تخيلنا أن عندنا أسدين توأمين، وفي نفس يوم ولادتهم أخذنا الأول لحديقة حيوانات، والقينا الثاني في الغابة، الأول سيأخذ التطعيمات في ميعادها، ويكشف عليه الطبيب البيطري بانتظام، ويقدم له الطعام حسب جدول علمي، والثاني " اتبهدل" في الغابة بحثا عن طعام وهربا من صياد...
لو بعد سنين أخذنا أسد حديقة الحيوان، وألقينا به مع أخيه في الغابة لن يحيا أبدا حياة طبيعية، لن يستطيع أن يفترس، ولا يناور، ولا يتحمل الجوع والعطش والحر والشمس، لن يتمكن من إقامة علاقات اجتماعية سوية مع باقية الأسود، لكن الثاني يستطيع =
الخلاصة: أنت بتربي ابنك/بنتك في حديقة حيوان، وبعد كدة ترميه في الغابة.
التربية الصحيحة هي إعداد الطفل لحياته المقبلة كي يكون اعتماده في أعماله على نفسه.
العلم هو استعداد لخوض غمار الحياة.
وناتي للسؤال المكرر النمطي التقليدي: أيه أفضل كتاب في الموضوع؟؟ وأنا كالعادة لا يوجد عندي كتاب سحري، ولا أدري سر إعجاب الناس بروابط فيها ألوف الكتاب أو بمواقع تحتوي على ملايين المراجع، كتب كتير ممكن تكون مفيدة/غير مفيدة بسبب طريقة تناولها.
اعتبار القراءة حصة إلزامية أو واجب ينبغي أداؤه ممكن يكون له أثر سلبي، ثم إن القراءة ليست هي السبيل الوحيد للمعرفة والتربية، هنالك أمور وأفكار آخرى ممكن اللجوء إليها بجانب القراءة.
المسلسلات القديمة ممكن يكون لها دور مهم في تعريف وتحبيب الطفل بطريقة غير مباشرة في الأدب والتاريخ، وممكن تكون مفيدة في الجوانب النفسية والاجتماعية.
من خلال مسلسل العملاق ممكن أن يتعرف الطفل على شخصية العقاد والمازني ومي زيادة وغيرهم من الأدباء ومصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول، بجانب زيادة مفردات الطفل والتعرف على عادات وتقاليد وبيئات مختلفة
مثلا في مسلسل العقاد ظهر صديقه المازني وكان بيهزر دايما وماشيته مضطربة، ممكن انتهاز فرصة وشرح للطفل يعني إيه كاتب ساخر، وإن المازني كان بيعرج فعلا...وهكذا .
طيب نرجع تاني لكلام العلماء وتأثيره السلبي على الأطفال بل علينا كلنا، الإنسان العادي يمر بحالات وظروف ومواقف وأحاسيس مختلفة: فرح، حزن، غضب، غيره، تسامح، انتقام، مكسب، خسارة، حب، كره .....بعيدا عن المثالية النظرية الفارغة المعاصرة التي تركز وتهتم وترنو إلى جانب واحد فقط =
ليست مشكلة كبيرة إن الطفل يغير قليلا من أخيه الصغير، أو أن يكره أخاه الكبير بسبب موقف معين، بعد ساعات ممكن ينسوا ويلعبوا مع بعض عادي، طبيعي إن الطفل يغضب وينسى ويلعب، ينبغي تقبل كل هذه المشاعر والسلوكيات مادامت في حدود المعقول.
بعض الأباء والأمهات عايزين كل شىء صح ودقيق ولحكمة ولتحقيق هدف حتى اللعب، عايزين مثلا ابنهم/بنتهم يلعب رياضة علشان يبقى بطل مشهور يحصل على المركز الأول، أو على أقل تقدير ليحافظ على صحته ويقوي عضلاته!! طيب الطفل متي يعيش إنسانيته ؟؟
الجو ممكن يكون برد لفترة، وبعدين ممكن حر، في فترات مطر وبرق ورعد، وأوقات تانية منعش ومشرق، الشمس ممكن تكون حارقة وممكن تكون ملهمة...هذه هي الحياة كما خلقها الله عز وجل، لازم نعيشها ونتكيف معها، لا أن نخدع أنفسنا بشعارات مستورة غرضها تحويل كل شىء لسلعة.
كل شويه لا تحزن، والبحث عن السعادة وقلب متسامح ووجه مبتسم وقناعة ....كلام جميل لكن لازم ينبع من جوه، وليس كما يقول هؤلاء:
تابعوا كلام/كتب/فيديوهات هؤلاء، تجد كلاما خلاصته روح اتفسح في مكان جميل، كل شوكولاتة وآيس كريم، قل أنا أستطيع، اشتر هدوم وغيّر الأثاث، أذهب لمول أو حديقة واضحك أثناء الصورة علشان تعرف تكتب تحتها عبارة فيها حكمة خرقاء وتقدر تحصل على عدد كبير من اللايكات والريتويت..
طيب الأفكار المستوردة من أين جاءت ولماذا؟؟ أكيد في قطاعات كبيرة عنهم حُسن نية، لكن في ناس عايزة مصلحتها علشان الفائدة تصب في حسابات هؤلاء، ألعاب وأنشطة الأطفال أصبحت سوقا استهلاكيا كبيرا.
المناعة لا تكتسب بين أربعة جدران، بل بالمعاناة والمكايدة.
المازني
المازني
جاري تحميل الاقتراحات...