ذات ليلة رأى سيدنا إبراهيم عليه السلام في منامه رؤيةً غريبة وعجيبة، والتي ظن أنها أضغاث أحلام ومن الهواجس، فقد رأى بأنه يذبح ابنه الوحيد سيدنا إسماعيل، فاستيقظ خائفاً من نومه، ثمّ بدأ يصلي ويسبح ويدعو الله، ثمّ بعدها عاد للنوم مرة أخرى، إلا أنه رأى الرؤية نفسها مرةً ثانية
فقام من نومه ليصلي، فصلى، ثمّ نام مرةً أخرى ورأى نفس الرؤية مرةً ثالثة، وبعدها أدرك سيدنا إبراهيم أن الرؤية التي رآها حق وصدق وأمر ووحي من الله سبحانه إليه، وبذلك فإن عليه ذبح ولده الوحيد إسماعيل الذي رزقه إياه الله سبحانه وتعالى بعد طول انتظار، وبعد عمر طويل، وبعد صبر وتحمل كبير
بدأ سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالتفكير في الأمر، فعليه أن يطيع وينفذ أمر الله سبحانه وتعالى، فهو أول شخص يطيع الله، ولذلك فإنه لن يتردد في طاعة الله
ولكنه بدأ يسأل نفسه العديد من الأسئلة، كيف سيكون وضع ولده؟ وكيف سيخبره بالأمر؟ وهل يجب عليه أن يأخده للصحراء دون إخباره بالأمر، ثمّ يقوم بذبحه رغماً عنه؟ أم الأفضل إخبار ولده بمَ سيقوم به؟ وهل سيطيع أمر الله أو يهرب ويرفض في حال أخبره بالأمر؟
ففكر سيدنا إبراهيم كثيراً، ثمّ توصل إلى رأي واحد، ألا وهو إخبار ابنه بالأمر، ليكون ذلك أهون عليه وأطيب لقلبه من أن يقوم بأخذه رغماً عنه أو أن يذبحه قهراً، فقد رغب بأن يكون الأمر باختياره ورغبته لينال الثواب والجزاء الكبير من الله سبحانه وتعالى.
أرسل سيدنا إبراهيم إلى ابنه إسماعيل عليهما السلام طالباً قدومه، وعندما جاء سيدنا إسماعيل وقف أمام والده، فعانقه والده بحنان ورفق، وقال له بنبرة حزينة: (يا بني إني أرى فى المنام أنّي أذبحك فانظر ماذا ترى ) [الصافات:102]، وكان ذلك مفاجأة كبيرة لإسماعيل عليه الصلاة والسلام
إذ إنه لم يتوقع هذا الأمر من والده قط، ولكنه كان على علم بأن والده رسولاً ونبياً إلى الناس، حيث يأتيه الوحي السماوي من الله سبحانه وتعالى، وبذلك فإن رؤيته ما هي إلا وحي من الله سبحانه وتعالى، فهو يدرك بأن رؤيا الرسل والأنبياء صدق وحق وأمر من الله، فينبغي طاعته وتنفيذ أمره
ويجدر بالذكر أن سيدنا سماعيل قد ترعرع ونشأ على طاعة الله سبحانه وتعالى ورسوله، فهو الغلام الحكيم والابن الطائع الذي لا يعصي أوامر الله ولا يخالف والده في شيء، فبما أن والده قد لبى أمر الله وأطاعه في تقديم فلذة كبده وولده قرباناً لله
ففي المقابل فهو لا يقل تلبيةً وطاعةً عن والده، وبالتالي فقد رد على والده قائلاً : (يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) [الصافات: 102].
أخذ سيدنا إبراهيم ولده وذهب به إلى الصحراء بعيداً حتى وصل بولده لمكانٍ لا يوجد به أحد من الناس والبشر، فقال له ولده اسماعيل: (يا أبتٍ .. لا تنظر إلي وجهي وأنت تذبحني فتتردد، فلا تنفذ أمر الله واحدد شفرتك أي اجعل السكين حاداً سريع القطع حتى يكون أهون عليك).
وصل سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع ابنه إلى صخرة في الصحراء، فقد قرر ذبح ابنه بالقرب من هذه الصخرة، وبعدها ألقى على ولده نظرة الوداع المليئة بالحنان والحب، ثمّ ألقاه بعدها على وجهه، وإذ بسيدنا إسماعيل يستسلم لأمر الله مفوضاً أمره لله سبحانه وتعالى
ثمّ وضع السكين على رقبته حتى يوفي بالتضحية بابنه الوحيد، وبعدها نادى الله سبحانه وتعالى إبراهيم أن يزيل عن رقبة ولده السكين ويرفعها، فقد قال تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين) [الصافات: 103-106]
جاري تحميل الاقتراحات...