بعد أن تفرغ تلقي بظهرها عليّ متكئة. أحسّ بها تتنفس شهيقًا وزفيرًا كأنّها قلب نابض، كأنّها قلبي أخرجتُه. أحسّ بالهواء البارد يضرب على ساقي، وأتطلع في غلاف روايتي ذات التسعين صفحة، وأشعر بحرارة ابنتي وهي تتنفس في بُلهنية. أعلم أنّ هذا هو النعيم الدنيوي. أتمنّى لو استمرّ إلى الأبد.
[٢] ماذا لو كُتب لي تحقيق رغبتي؟ أن أقرأ هذه الرواية ذات التسعين صفحة إلى الأبد، وأن أشعر بتيار المكيّف البارد يضرب على ساقي إلى الأبد، وأن تتكئ ابنتي علياء على صدري إلى الأبد؟ لا تكبر ولا تتغير ولا تبرح مكانها. ستتحول لحظة الهناءة إلى سجن!
[٣] في إحدى روايات بار لاجركفست، يُصاب رجلٌ بلعنة أن يحيا ويظل تائهًا إلى الأبد. يثير الوصف استغرابنا: يحيا إلى الأبد، أليس هذا ما يطلبه كل البشر؟ ترينا الرواية بذكاء كيف أنّ حياة الرجل تحوّلت جحيمًا بعدها، كيف فقد إحساسه بكل الهناءات اليومية، كيف تحوّلت عيناه بئرين بلا قرار =
كيف هجرته زوجته بعد أن غدا تعيسًا ناقمًا غير قادرٍ على تذوّق الأشياء.
عجيبٌ أمرك يا موت! إنّك عدونا اللدود وهاجسنا الأكبر، لكنك أيضًا صديقنا من حيث لا نعلم، فلولاك لما اكتسبت اللذائذ الدنيوية طعمها.
عجيبٌ أمرك يا موت! إنّك عدونا اللدود وهاجسنا الأكبر، لكنك أيضًا صديقنا من حيث لا نعلم، فلولاك لما اكتسبت اللذائذ الدنيوية طعمها.
[٤] ما الذي يعمينا عن هذه الهناءات اليومية؟ ما الذي يُفقدنا الاستمتاع بالهواء البارد، وبالحديث إلى أحبابنا، وبالمجازات التي تجعل للأشياء طعما، وبالكتب التي تأخذنا بعيدًا، وبالزوجات يبتسمن في وجوهنا؟ لماذا نحتاج أن نُسجن كي نقدّر قيمة الأشياء؟ لماذا يجب أن نفقدها كي نجد لها طعمًا؟
هنا تأتي القناعة. هي ليست الرضا بقليلٍ من المال، إذ لا يقول بذلك إلا درويش أو أحمق. كلُّ مالٍ يزيد يجعلنا أقدر على امتلاك أسباب الهناءة والكفاية. إنَّ القناعة في معناها الحقيقي وعيٌ بوجود تلك الغلالة الشفيفة من الخدر والنسيان والاعتيادية، إنّها سعينا الواعي لتمزيقها وإزالتها.
[٥] يغفل ناس كثيرون عن هذه الحقائق بخصوص السعادة. قد يكون زواجهم إبحارٌ هادئ على قارب بطئ في بحيرة رائقة، فيسمونه مللًا، ويصنعون الخلافات -بلا وعي منهم- كي يركنوا إلى لحظات هدوء ما بين أهوال العاصفة.
[٦] اللذة لحظة يسبقها سعي وتتبعها خيبة.
[٧] السعادة أبديةٌ رُفِع حجابُ اعتياديتها.
[٧] السعادة أبديةٌ رُفِع حجابُ اعتياديتها.
[٨] العلاقات في بدايتها -من زواج وغرام- عاصفة لاختلاف الطبائع. هذا ما يجعل أوقات اللذة في البدايات لها طعمها الساحر والخادع معًا، لأنها محاطة بالسعي عن يمينها وبالخيبات عن شمالها (كما هي لحظات الصحة محاطة بالمرض، وكما هي لحظات الحريّة محاطة بالسجن).
لكن ما حاجتنا إلى المرض أو السجن؟ لماذا حين يصل الزوجان أو الحبيبان إلى تفاهم وتقلّ العواصف يظنان ذلك اعتيادًا ومللًا؟ إنهما يبحران الآن على قارب موثوق في بحيرة صافية وريح هيّنة، فلينعما بهذا الإبحار الرائق، فلينعما بهذه اللحظة الأبديّة!
جاري تحميل الاقتراحات...