دخل إلى مكتبي متلثماً، والكمامة بيده، رمى على الطاولة أمامي كيساً ممتليء بالأوراق والدفاتر، جلس بتوتر وسألني هل أنت مدير النشر ؟. ثم اعتذر وقفز وذهب إلى الباب وعاد مرة أخرى وقال: السلام عليكم، جلس وأصابع يديه في حرب لم يجد طريقة لفك اشتباكها إلا أن يلتقط قلما كان أمامه على المكتب
نعم ، وعليكم السلام، هكذا رددت على سؤاليه بهدوظ مصطنع أحاول إخفاء استغرابي. امسك الكيس ووضعه في حضنه وأخذ يقلب فيه حتى اخرج دفترا ممزق الغلاف: ينفع انشر هذا،؟ وظل ينتظرني أتناول الدفتر من يده ولم افعل، سألته إذا كان يريد قهوة أو ماءاً، وهز الدفتر في وجهي : ينفع انشره؟
من فوق اللثام عيناه الحمراوان دفعتني لأخذ الدفتر، وكان خطأي الكبير حين قلت: ارتاح وابشر كل شيء ينفع ينشر، قلتها في محاولة لتهدئة توتره وما تخفيه اللثمة من غضب كما استشعرت، ارجع رأسه للخلف وتأفف بحرارة وعاد ليقرب وجهه مني ويقول: لا لا ليس كل شيء ، وسحب الدفتر من يدي وهم بالنهوض.
اسقط الكيس وتناثرت الأوراق على الأرض خرجت من خلف مكتبي وكان قد جلس على ركبتيه وبدأ بجمع الأوراق بطريقة غاضبة كمن يحشو الكيس حشوا. اقتربت لأساعده وأحاول ترتيب الأوراق أخذ ما في يدي ونثرها مرة أخرى واتجه نحو الباب بالدفتر فقط في يده والتفت إلي: إذا بتنشر أي شيء احرقها احسن لك ..
متجمداً للحظات في يدي بعض أوراقه انظر إليه وهو يغادر سريعا، استرجع شريط الاحداث وصورة غير واضحة عن يد محروقة لمحتها وهو يناولني الدفتر، صمت مفاجيء بعد توتر صاخب يعم المكان، انظر إلى ورقة مكتظة بالكلمات تتداخل في بعضها البعض وعنوان بخط صغير في اعلى الصفحة: الموت ليس مؤلماً.
في أيام كثيرة تعودت على الحضور قبل بداية وقت الدوام، رغبة مني بأن احظى بهدوء لم يتحقق هذا اليوم، جمعت الأوراق وجلست انظر إليها وافكر بأشياء غريبة كثيرة، صوته المتلعثم، الكمامة في يده المحروقة، الكيس يحوي أيضا ايصالات دفع ببطاقة الصراف، قلمي الذي أخذه، ارتب أوراقه وأيضا كل ما حدث.
أين أخطأت، في ردي ( كل شيء ينفع ينشر )؟، أم عدم التفاعل بنفس مستوى توتره أو حماسه؟، هل محاولة تهدئته كانت محاولة أنانية مني للمحافظة على هدوء صباحي؟، " الموت ليس مؤلما"،! امسك بالورقة التي حملت هذا العنوان، لكن تركيزي في شخصية ذلك الرجل وسؤال أو أمنية ( هل سيعود لأوراقه) ؟
كان ذاك في يوم الاثنين ٢٢ يونيو، مر أسبوع بعده وأنا اتصفح الأوراق كلما سنحت لي الفرصة، كابوسية كافكا، سوداوية سيوران، التعمق في مفاهيم الذنب وكأنني أقرأ لديستوفسكي، لكنني لم أجد موضوعا واحدا أو جنسا أدبياً واضح المعالم يمكن له أن يكون كتابا، ولعله جمع ذلك في دفتره الذي أخذه
لكن الجلي في كل ذلك أن لديه قصة مؤلمة، عن شخص قد يكون أخاً أو صديقاً كالأخ، اسمه ناصر . يخاطبه عرضا في أجزاء من خواطره أو يوجه له رسالة كاملة في أجزاء أخرى، اعتذارات كثيرة لـ ناصر ، تظهر في كل ورقة، أحيانا كسطر في هامش جانبي .
- أنت أحق بالحياة مني
- متى تتوقف الأجهزة ليثبت ذنبي
- ليتك لم ترد على اتصالي
جمعت فكرة ضبابية عن القصة وفهمت أجزاء صغيرة مما حدث، في هذه الأوراق رواية تشرح الإنسان في حضيض مشاعره عند مواجهة الفقد والموت، ومازال أملي أن يعود لهذه الأوراق. التي أصبحت القراءة فيها روتين جديد لي.
- متى تتوقف الأجهزة ليثبت ذنبي
- ليتك لم ترد على اتصالي
جمعت فكرة ضبابية عن القصة وفهمت أجزاء صغيرة مما حدث، في هذه الأوراق رواية تشرح الإنسان في حضيض مشاعره عند مواجهة الفقد والموت، ومازال أملي أن يعود لهذه الأوراق. التي أصبحت القراءة فيها روتين جديد لي.
٢ يوليو ، يوم خميس، الدوام فيه بارد كاستعداد مسبق لإجازة نهاية الإسبوع، هاتف الدار يقطع هذا البرود، زميلي قبل تحويل المكالمة يخبرني أن إمرأة تريد الحديث مع مدير النشر
- هلا ومرحبا
- معك الدكتورة هيفاء
- أنعم وأكرم حياك الله، كيف أقدر أخدمك ؟
- ابني نسي أوراقه في مكتبكم قبل فترة
- هلا ومرحبا
- معك الدكتورة هيفاء
- أنعم وأكرم حياك الله، كيف أقدر أخدمك ؟
- ابني نسي أوراقه في مكتبكم قبل فترة
رغم مرور اسبوع قبل المكالمة كنت أفكر كيف سأتصرف لو عاد لأخذ أوراقه إلا أن مكالمة والدته اربكتني ولكن أكدت لها تواجد الأواق وبإمكان ابنها الحضور لأخذها ولكن للأسف قالت سأرسل السائق مما جعلني اتعذر بأن الدوام على نهايته ويمكنها ذلك في يوم الأحد القادم مع بداية الدوام.
عدت للمنزل وأنا في ورطة إفراغ كل الأوراق في ملف وورد، لا أريد أن اخسرها، وجلست بشكل متواصل طوال أجازة نهاية الإسبوع افرغ الأوراق بدون ترتيب أو تنظيم، وكان آخر عشر أوراق افرغتها في صباح يوم الأحد في المكتب، وحينها جلست انتظر اتصال الدكتورة هيفاء لترسل سائقها.
خلال افراغي للأوراق كنت أحاول عدم التركيز والتوقف على الكثير من الفقرات والكلمات المؤلمة والتي تأتي بمثل ما تحدثت عنه يوما، أن بعض المؤلفين قادر على نقل حتى نبرة صوته في الكتابة، فكانت كلمات هذا الرجل في أوراقه كمن يصرخ سطور ويئن في صفحات، ويبكي بين الكلمات.
اعترف أنني رجل تقليدي في تقييمي للكتب، فما اميز إلا الاجناس الأدبية الواضحة ، الرواية، القصة، المقال، الشعر ، حتى شعر النثر في أغلب الأوقات افشل في تمييزه كجنس أدبي جديد واعتذر عن وصفه شعرا. ولم تكن تلك الأوراق تحمل أي جنس أدبي واضح حتى كلمة خواطر ستكون سوء تقدير في حقها.
لم تتصل الدكتورة، وأخذت أقرأ ملف الوورد مرة أخرى واراجع افراغي للأوراق وأتأكد من أنني لم انسى شيئاً منها، ومازلت عاجزا عن تصنيفها أو التفكير في قالب أو جنس أدبي يجمعها ، ولذلك لجأت إلى صديقي سالم محمد @coupleh1 وهو الأكثر حداثة في قراءاته ويعتبرني تراثي قديم عفى علي الزمن
مرت الأيام سريعا لم يتصل أحد، وفي نهاية دوام يوم الأربعاء، 8 يوليو، اتحدث على الجوال مع سالم متوجها للسيارة، يحدثني عن الملف وماذا وجد فيه وفي كلامه حماس واعجاب نادر ما يعبر بمثله عن أي كتاب، اهم بركوب السيارة والجوال على اذني والمح رجلا متلثما يقف على الجانب الآخر من المواقف.
- لحظة لحظة أظن الرجال رجع
كانت تلك هي الكلمات التي طلبت بها من سالم الانتظار على الجوال، تركت باب السيارة مفتوحا وتوجهت للرجل الذي بدا للوهلة الأولى أنه سيتوجه نحوي، كأني لمحت خطوتين تجاهي ثم توقف واستدار، وهنا اسرعت باتجاهه. وسالم يسألني : هو ؟ هو ؟.
كانت تلك هي الكلمات التي طلبت بها من سالم الانتظار على الجوال، تركت باب السيارة مفتوحا وتوجهت للرجل الذي بدا للوهلة الأولى أنه سيتوجه نحوي، كأني لمحت خطوتين تجاهي ثم توقف واستدار، وهنا اسرعت باتجاهه. وسالم يسألني : هو ؟ هو ؟.
لم ألحق به، الإحباط الذي شعر به سالم أكبر من احباطي، مازلت لست متأكدا إن كان نفس الشخص، هل خسرنا كتابا جميلا، هذا التساؤل الذي أصبح معلقا بيني وبين سالم، طلبت منه أن يرسل لي كامل رأيه في الملف المفرغ والذي ارسلته له، النشر عملية محبطة في أغلبه لذلك يكون الكتاب الجميل منقذا للناشر
كنا قد اتفقنا أنا وسالم على أن الناشر ليس عليه فقط انتظار الكتب الجميلة بل يخرج لاصطيادها، قد يمر علينا في لجنة النشر خلال سنة كاملة ما يقارب الألف كتاب كطلبات نشر، على الايميل، الهاتف، الحضور للمكتب، الواتساب، ومن بينها كلها نخرج بمائة كتاب أو أقل يمكن نشرها.
عدت للمنزل، لم أتوقع العودة بعد الحظر بمثل هذه الإثارة، كتاب واحد يبقيني شغوفا بعملي،اقرأ الملف كلما سنحت لي الفرصة، افكر أي عمل جميل سيخرج من هذه الأوراق المبعثرة، فيها مأساة اخلاقية واجتماعية، قيم وعادات وتقاليد يحطمها ويعود ليرمي أشلائها في وجهي كقاريء، يستفز كل ثواتبي ومبادئي
سالم لم يكن بريئاً تماما في تقييمه . ولا اقصد تقييمه عن الاوراق. اقصد مقدمة تقييمه عن الاعمال الصادمة والجريئة وخاتمتها بنصيحة عدم نشرها .. هناك تحدي في كلماته كمن يقول يمكنك ان تكون مثل تلك الدور وتنشر اعمالا جريئة وتتحمل تبعاتها ومسؤليتها ولكن عليك أن تحصل على مؤلف جريء ..
قراءة أي كتاب مرة أخرى بعد رأي جديد أو بعد مرور وقت على القراءة الأولى، يخلق أفكار جديدة وينير مناطق كانت غائبة، هذا ما وجدته بعد تقييم سالم، عدت للأوراق، شعرت بأنني لم اعطيها حقها، القراءة في الورق كانت أكثر حياة من ملف الوورد. نعم احتاج لمؤلف جريء حتى لو غامرت بالتحدي في النشر.
الانتظار، الأعمال العالقة، الأفكار المشتتة، تأكل من الوقت وتمرره سريعا دون جدوى، الحماس يهدأ، وكأن الأمر ينتهي إلى لا شيء، يوم الأربعاء، 15 يوليو، صباح شديد الحرارة، المكتب هاديء، جوالي يرن برقم غير مخزن، إمرأة تتأكد من شخصي، الدكتورة هيفاء ، أخيرا تتصل، اقف واتجه لخارج المكتب
- أهلا يا دكتورة ، الأوراق جاهزة وما ارسلتي السواق
- آسفة بس بطلب منك طلب خاص.
- آمري
- إذا جاك ناصر ارسلي واتساب طمني عليه
- من ناصر؟
- ولدي اللي جاك .
لم أعرف بماذا أرد، كل الكلام تجمد على لساني، صوتها الحزين لا يسمح بالاستفسارات الكثيرة. خرجت كلمة واحدة فقط : ابشري.
- آسفة بس بطلب منك طلب خاص.
- آمري
- إذا جاك ناصر ارسلي واتساب طمني عليه
- من ناصر؟
- ولدي اللي جاك .
لم أعرف بماذا أرد، كل الكلام تجمد على لساني، صوتها الحزين لا يسمح بالاستفسارات الكثيرة. خرجت كلمة واحدة فقط : ابشري.
عادتي المشي أثناء المكالمات المهمة وقد أصل إلى أماكن لا اعرف لماذا توجهت لها، وصلت باب المبنى وأنا امسك بالجوال على أذني رغم انتهاء المكالمة.. إذا كان هو ناصر!، من ناصر الذي يتحدث عنه في الأوراق؟. هناك شيء فاتني، اتصل على سالم لا يرد. افتح الباب هواء حار يلفح وجهي.
الكيس فيه أوراق أخرى لم انتبه لها، ايصالات وفواتير، وربما وصفات بخربشات طبية غير مفهومة، اقرر الذهاب للمنزل، مازلت مترددا في الذهاب للمنزل أو العودة للأعلي للمكتب، قدماي تقرر نيابة عني وتتجه للخارج، نحو السيارة، الشمس حارقة والفضول أحر منها. اسقط الجوال من يدي التقطه وارفع رأسي.
شاب يستند بتراخي على باب سيارتي ببدلة رياضية بيضاء كأنها تشع في عيني، كاب رياضي على رأسه يكاد يلتقي بالكمامة فلا يظهر من وجهه إلا خط أسود كاحل اللون، يراني متجهاً نحوه، يضم يديه إلى صدره وفي يده نفس الدفتر، استعجل الخطى نحوه، ينتصب وألقي السلام ويرد بهدوء وثقة: عليكم السلام.
- أخيرا، وينك يا رجل، رميت أوراقك واختفيت
- عندك الأوراق ؟
- أكيد عندي، خلنا نرجع المكتب
اتحدث وعيني على الدفتر. يلاحظ ذلك ويمده لي قائلا: خلها عندك وخل هذا معها.
ليس نفس الشخص الذي زارني أول مرة، متوترا، مرتبكا، بل هادئاً، متزناً، عيناه تشي أطرافها بابتسامة خلف كمامته.
- عندك الأوراق ؟
- أكيد عندي، خلنا نرجع المكتب
اتحدث وعيني على الدفتر. يلاحظ ذلك ويمده لي قائلا: خلها عندك وخل هذا معها.
ليس نفس الشخص الذي زارني أول مرة، متوترا، مرتبكا، بل هادئاً، متزناً، عيناه تشي أطرافها بابتسامة خلف كمامته.
أسأله كمن يستدرجه لفخ: يعني انشرها؟. يهز رأسه نفيا: لا خلها عندك أمانة إذا ما رجعت خلال سنة.. اقاطعه: أنشرها؟، يضحك: لا احرقها. قالها ببرود متجها نحو سيارة رياضية، ألحق به: لحظة ايش صار؟، يركب سيارته مجيبا: مات ناصر. يقفل الباب، سريعا أسأله: إنت ناصر؟، إنت ناصر؟. ويغادر
تمت
جاري تحميل الاقتراحات...