"استغرب حينما يتحدث النقاد الموسيقيون " أصحاب الكرافتات المتدلية على كروشهم" عن أغاني البنات باعتبارها سبة وعار او يتحدثون عن موسيقى الزنق او عن ما يسمى ب " القونات" وكأنهن "متسلبطات" دخيلات على المجال ويعايروهن باعتبار الطبقة الاجتماعية التي أفرزتهن-
موضع الاستغراب ان الموسيقى والغناء اصلا هو فن المضطهدين، فن الهامش ، فن الطبقات الفقيرة ، وعبر التاريخ - حين كان هناك سادة وعبيد - كانت الموسيقى هي فن العبيد
لا اتحدث هنا عن السودان بل عن البشرية بصورة عامة وتكفيك نظرة سريعة الى تاريخ الموسيقى في العالم لتصل إلى هذه الخلاصة ، و يمكننا الحفر ابتداءا من أفلاطون قبل 2500 سنة والذي طرد الموسيقيين من جمهوريته الفاضلة باعتبارهم سفلة مارقين
ولم ينس قبل طردهم ان يحرم استخدام مودز موسيقية محددة " musical modes " باعتبارها أنماط مايعة لا تليق إلا بالمخنثين.
حتى في ازهى فترات الموسيقى في التاريخ البشري ، زمن بتهوفن وموتسارت وباخ وهايدن ستجد أغلب هؤلاء العظماء أتوا من قاع المدينة ، من الازقة الخلفية المترعة بالفقر والمرض وأنهم رضوا من اجل موسيقاهم ان يكونوا تحفا جميلة في قصور الأمراء والنبلاء والقياصرة
ثم عرج إذا شئت للعصر العباسي الذي ازدهرت فيه الموسيقى وبلغ فن الغناء " الإسلامي" مبلغا متقدما وابحث في أصول زرياب والموصلي والمغنيات اللاتي اشتهرن في ذلك الوقت ، فتش في أصولهم من حيث انتماءاتهم الطبقية.
عندما تأتي للعصر الحديث ستجد ان الثورة الموسيقية التي حدثت قادها العبيد المحررون في أمريكا فيما اصطلح عليه لاحقا بموسيقى الجاز والمستمرة حتى زمان الناس هذا في شكل جاز او بلوز او هيب هوب او سول ميوزيك او آر آند بي الخ الخ.
حتى الموسيقى البيضاء من كونتري و روك آند رول وخلافه فقد خرجت من تلك البيئة ايضا ، من الاحياء المثقلة بالجريمة ، من حكايات السجناء ، ومن عذابات السكارى.
الفن بمجمله هو الطريقة التي يعبر بها الفقراء عن أنفسهم، لن تجد فنانا انحدر من طبقة النبلاء الا ما ندر لان الاغنياء عموما يميلون في مقاربتهم للحياة لطرق اخرى..
والموسيقى على وجه التحديد هي أكثر الفنون ارتباطا بالألم..نعم.. الموسيقى هي فن المهمشين أكثر من كرة القدم نفسها ، اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
صحيح العالم يتغير سريعا وهناك مئات المعاهد الموسيقية تفتح أبوابها كل يوم تتيح تدريس الموسيقى لكل الناس على اختلاف سحناتهم و أشكالهم
صحيح العالم يتغير سريعا وهناك مئات المعاهد الموسيقية تفتح أبوابها كل يوم تتيح تدريس الموسيقى لكل الناس على اختلاف سحناتهم و أشكالهم
وصحيح ايضا ان الموسيقى اصبحت صناعة ضخمة تجذب اليها كل الطامعين في الثراء غض النظر عن موهبتهم ولكن كل هذا يجب ان لا ينسينا الآباء المؤسسين لهذا الفن العظيم ،
لذلك فليس غريبا ان تكون هناك عشة الجبل او مائة عشة الجبل وليس عجيبا ان يكون لها آلاف المستمعين فبت الجبل تغني في ما هو ملك تاريخي لها ، لم تتسلبط على أحد ولم تسرق موسيقى احد.
ده غناها وهذه كلماتها بشهادة جداتها الحكامات واجدادها السماكة والرعاة الرحل والمعذبين في كل مكان..اما أولئك الدكاترة أصحاب ربطات العنق الانيقة فهم الذين وجب ان نواجههم بالسؤال: من اين اتيتم وماذا تريدون؟."
رابط البوست:
facebook.com
facebook.com
جاري تحميل الاقتراحات...