Nader Halawa
Nader Halawa

@nhalawa1

23 تغريدة 47 قراءة Jul 27, 2020
لوحة "كيمت"                                رحلةاستعادة "مصر"
"لا أحد يضع العراقيل في طريق الفاشل ، ففشله كفيل بالقضاء عليه " ، قاعدة منطقية تستطيع أن تستنتج من خلالها قاعدة أخرى هي "كلما زادت العراقيل في طريق أمة تطمح لخير أبنائها كلما دل ذلك على أنها تسير في الطريق الصحيح". 1
هذه القاعدة إذا أردت تطبيقها على الأمة المصرية ستحتاج لنظرة تتجاوز تفاصيل الحاضر والماضي لتظهر الصورة الكاملة لرحلة طويلة في أعماق التاريخ تمر فيها أمامك مئات السنين كنقاط وخطوط دقيقة لترسم لوحة "مصر" بوضوح تام  .2
في أعلى اللوحة ستشاهد مصر الحاضر داخل نقطة تتحرك وتعدل اتجاهها نحو بقعة مضيئة في أعماق ماضيها فتتكالب قوى الظلام في محاولات مستميتة لتغير اتجاهها وتوقف مسيرتها .
3
في أسفل اللوحة سيظهر خط أفقي عمره أكثر من 4200 عام فحينئذ تأسست الدولة المصرية بتوحيد القطرين الشمالي والجنوبي وظل المصريون يحتفلون بهذه المناسبة سنويا يوم 31 أكتوبر (العيد القومي المصري الحقيقي)حتى عصفت العواصف وألقت برمالها على هذا الخط التاريخي المجيد فأخفت الكثير من تفاصيله.
فوق الخط الأفقي للحظة التأسيس تظهر المزيد من تفاصيل اللوحة بألوان زاهية شديدة النصوع ، أسماء ملوك عظام وبنَاءين عباقرة ، علماء وفنانون ، قادة عسكريون ، حضارة ممتدة الأثر في كل بقاع العالم .5
آلاف السنين ستبصرها سريعا في هذا الجزء من لوحة "مصر" قبل أن تشحب الألوان وتتضاءل النقاط والخطوط ، ثم تظهر بقعة أخرى بألوان ساحرة ، لكنها سرعان ما تتلاشى ، وهكذا تجسد اللوحة مراحل الضعف ودخول الغزاة الى أراضي "كيمت" الغالية كما تجسد صراع المصريين لاستعادة "كيمت" . 6
في لوحة "مصر" ستدرك أن "مصر" ظلت "مصر" حتى في ظل الاحتلالات المتعددة ، ستشاهد في هذا الجزء من اللوحة الخطوط باهتة إلا أنها تشبه خطوط الجزء الأول من اللوحة ، لكن شيئا فشيئا تتغير هذه الخطوط وتتشوه لمدة تزيد عن 2000 عام ، وهو التاريخ الذي سجل اسم آخر حاكم مصري لمصر .
7
لكن حتى هذا الجزء من اللوحة لم يخل من نقاط ملونة تتناثر هنا وهناك ضمن محاولات مستمرة من الأمة المصرية لاستعادة ألوانها الزاهية القديمة ومحاولات أعدائها لوضع العراقيل في طريقها .8
تتأمل اللوحة فتكتشف أن القرون الطويلة في عمر الأمم ليست سوى محطات عابرة في رحلة التاريخ والأسماء التي نتوقف عندها ونقيم الجدل حولها طويلا ليست سوى تفاصيل صغيرة من نقش كبير .
9
في اللوحة خط أفقي جديد حين أصبح "جمال عبد الناصر أول حاكم مصري "فعلي" لمصر بعد كل هذه القرون ، ويمد " ناصر" الخط الأفقي ليكمل اللوحة بنقوش جديدة لكنها لا تشبه الجزء الأول من اللوحة إلا قليلا .
10
جاءت محاولة مصر المستقلة بعد قرون طويلة من عواصف الرمال التي أخفت تحتها نقوش الأجداد ، فكان نصيب الأحفاد البحث عن هويتهم الأصلية في متاهات القرون الغابرة ، ولم يبلغ المصريون عمق تاريخهم كله وتوقفوا عند نحو ألف سنة فقط ، وظنوا أنهم بذلك قد عثروا على هويتهم المفقودة 11
فأصبحت "كيمت" (مصر) عربية ،وباتت أول دولة نظامية في تاريخ البشرية جزءا من كيان كبير غير محدد الملامح ، تحكمه الشعارات العاطفية ، وتسوقه أحلام إعادة تأسيس الدولة الكبرى (دولة الخلافة) مرة بصيغة "عروبية" ومرة بصيغة "إسلاموية" 12
وكلا الصيغتين توأم غير متماثل ولد من رحم الهوية التي عثرنا عليها ثم انتحلناها في رحلة البحث عن الذات داخل أعماق التاريخ.
13
صنع هذا الخط بقوته وعنفوانه حائلا تاريخيا ضخما حتى توهم البعض أن عمرهذه الأمة يبدأ بهذا الخط ،وأن الهوية الحقيقية لها هي تلك المنمنمات المنقوشة فوق هذا الخط ، فاصبحت مصر وكأنها أمة حديثة الولادة عليها أن تخوض تجارب الطفولة والمراهقة قبل أن تبلغ سن الرشد .
14
رصيد حضاري هو الأهم في تاريخنا وهو نواة الهوية المصرية الحقيقية تحول إلى مادة متحفية ، ومقتنيات سياحية ، أومجال لسخرية عشاق الصحراء من أبناء "كيمت" الذين غمرتهم الرمال فأعمت أبصارهم وبصائرهم .
15
الخط الأفقي الأخير في لوحة مصر لا يزال موجودا رغم النتوءات التي ظهرت عليه هنا وهناك ورغم تلاشي أجزاء منه،هي محاولة سيذكرها التاريخ كخطوة نحو الجذور توقفت قبل بلوغها .
16
محاولة سبقتنا إليها أمم أخرى أدركت أن معرفة الشعوب لهويتها الحقيقية هي البوصلة التي توجهها إلى الأمام فإذا لم تعرف من أنت أولا فكيف تعرف إلى أين تسير ؟
17
"نواة هوية أي أمة هي أكثر نقاط تاريخها نصوعا وحول النواة دوائر من روافد حضارية أخرى لكن لايمكن أن تحل أي دائرة مكان النواة ،وإذا حدث هذا تختل الهوية وتطول رحلة البحث في متاهات التاريخ"
18
إعادة ترتيب مكونات الهوية المصرية باسترجاع نواتها الأصلية لا يعني التخلي عن الدوائر الحضارية حول النواة ولا يعني معاداة الشعوب الأخرى ، فوعي الإنسان بذاته لا يعني قطع الصلات بغيره من البشر .
19
واليوم حين تتأمل حاضرنا كنقطة تتحرك نحو استعادة مصر ، ستبصر وعيا جديدا يتشكل في وجدان قطاع عريض من المصريين توصلوا إلى حقيقة بديهية غابت قرونا وهي أن "مصر مصرية" 20
وهذه الحقيقة البديهية هي العون الحقيقي لمصر الحاضر التي تخوض كفاحا جديدا لاجتياز الخطوط المرسومة لها منذ قرون ، فكل من يسعى لوضع العراقيل في طريق مصر الآن يدرك أن "مصر" بدون ألقاب إضافية إذا وقفت على قدميها سيبلغ ارتفاعها عنان السماء ، وسيظهرون هم أمامها أقزاما.21
فماذا بعد هذا الخط الأخير في لوحة "مصر" ؟
سيستكمل المصريون الغوص مجددا في أعماق تاريخهم مهما وضعوا أمامهم العراقيل ليصلوا يوما ما إلى الخط الأفقي الأول وحينها سيحتفل أحفادنا بكل فخر بعيدهم القومي يوم 31 أكتوبر الموافق 31 بابه من التقويم المصري القديم .
22

جاري تحميل الاقتراحات...