ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

22 تغريدة 524 قراءة Jul 25, 2020
إمبراطور قتل والدته بدم بارد!
قتل زوجته الحامل بطفله
أعدم كل مجلس الشيوخ
اضطهد المسيحيين وأذاقهم الويلات
ومن خلف كل هذا احترف التمثيل والفن، ثم على تل ضخم من الدراما والمآسئ أخذ يعزف على قيثارته بينما روما تحترق!
نيرون !!
الحكاية تحت .. 🌺
نحن الآن في سنة ٤٠ م
روما في مهب الريح، أجواء مشحونة، وحرائق اشتعلت في صدر أعضاء مجلس الشيوخ حينما أعلن كاليجولا الإمبراطور الروماني المستبد رغبته في نقل مركز حكمه إلى الأسكندرية المصرية، هذا يعني خسارة روما لنبضها وثقلها، أمر أثار شهية المؤامرات كي تنسج حبائلها وتمهد لفصل جديد
وسط إجماع لم يحدث من قبل، تلاقت أهواء مجلس الشيوخ مع رغبات الحرس الإمبراطوري، وتمخض عن ذلك قرارا مفاده وضع حد لجنون كاليجولا، حفل راقص يسيطر على أجواء القصر، الإمبراطور كعادته غارق في ملذاته، سيف غادر نافذ يخترق قلبه معلنا عن نهايته.
طرفي المؤامرة تتوفر لهما الصلاحيات كي يختارا معًا إمبراطورًا جديدًا صوريًا غير مثير للمشكلات، يعيد لهما ببلاهته المنتظرة وضعهما في التحكم بمجريات الحكم، وليس أفضل لتلك المهمة من كلوديوس عم كاليجولا، والذي لم يكن لابن أخيه الراحل أكثر من أضحوكة يسطر عليها نكاته وقهقهاته.
كلوديوس إمبراطور جديد، مكنته صلاحياته الشكلية أن يسمح لابنة أخته أغريبينا (فارهة الجمال) بالعودة من منفاها، عادت أخيرًا إلى روما رفقة طفلها الصغير نيرون، لم تكن أغربينا امرأة عادية، بل متطلعة تنمو في داخلها أحلامًا كبرى يتعلق معظمها بالحكم والتفرد والسلطة، لكن كيف لها أن تحقق ذلك
كلوديوس كان مفتاحها السحري لتحقيق تلك الأحلام، فعلى الرغم من كونه خالها واستحالة الزواج بينهما وحرمته بحكم القانون والمجتمع، إلا أنها تعدت كل هذه الحواجز وأوقعت كلوديوس هائمًا فيها حبها، ولأجلها استصدر حكما استثنائيًا من مجلس شيوخه يمكنه من الزواج بها.
وسط فرحة عارمة حققت أغربينا خطوتها الأولى على طريق تنصيب ابنها الصغير نيرون امبرطورًا قادمًا، وترسخت تلك الخطوة أكثر حين استطاعت إقناع كلوديوس بإعلان تبنيه لابنها نيرون وتقديمه على ابنه الشرعي "بريتانيكوس" في مسألة وراثة العرش.
على صعيد آخر اهتمت أغربينا بجمع ابنها نيرون ذي الستة عشر عاما مع أوكتافيا ابنة كلوديوس على طريق الزواج، طمعًا في تقوية موقفه وتزكيته بشرعية إضافية ...
ثم كلوديوس مقتولا على إحدى الولائم بعد تناوله لفطر مسموم، والقاتل بالطبع أغربينا!
نيرون ابن السادسة عشر عامًا إمبراطورًا عام 54 ميلاديًا، لكنه في تلك المرحلة لم يكن إلا مجرد انعكاسًا لصورة والدته القوية التواقة للسلطة والتي تجاوزت كل المحظورات من أجل تنصيبه في مكانه، لذا لا استغراب تمامًا أن نرى وجه أغربينا مقتسمًا مع نيرون سطح العملات المعدنية.
للحكم والبلاط ونساءه لذته ..
امرأة مستعبدة مفضلة له تنافس أوكتافيا على مكانة الزوجة، لكن امه أغربينا له بالمرصاد، تهدده باستبداله بــ بريتانيكوس الوريث الشرعي للعرش
هنا الولد سر امه
كأس نبيذ مسموم كانت كفيلة بغياب بريتانيكوس (ابن الملك السابق)إلى الأبد لكي لا يهدده احد على عرشه
لقد تعلم نيرون من أمه كيف يستمسك بالسلطة ويزيل من طريقه كل عائق، الآن هو في موضع أقوى ليعلن استئثاره بالسلطة وانفراده بها، حيث عمد إلى تحييد والدته والتي استسلمت لرغبته، في حين شيد جسرًا مباشرًا إلى قلب شعبه من خلال إلغائه عقوبة الإعدام وكذا إلغائه مكاتب الشرطة السرية.
أحبه الناس بداية واستشعروا أنه سيقود روما لأمجادها، لكن نيرون لم يلبث أن استسلم لحياة السكر والعربدة والبذخ وإهدار الأموال، وسيطر على خياله أنه ممثل ومغنٍ بارع وكذا شاعر مجيد وعازف قيثارة، وهي أمور كان ينظر لها أنها لا تليق بالملوك، ورغم ذلك امتهنها الإمبراطور.
بعد نحو عشر سنوات في السلطة أغربينا تعود مجددًا إلى دائرة الضوء، توقها للسلطة يتجدد ورائحة المؤامرة تزكم أنف نيرون، فيقرر دون مواربة دعوة أمه إلى إحدى عروضه المسرحية على شاطئ نابولي، كي يغتالها اغتيالا مسرحيًا يظهر كحادث عرضي.
أجواء صيفية مثيرة للاستمتاع، أغربينا مستلقية على كرسي ملكي، إذ تسقط عليها فجأة سارية المركب، لحسن الحظ يلاقي كتفها الصدمة كاملة، وتنجو إلا من بعض الأضرار، لكن محاولة ابنها نيرون ماضية، وخطته البديلة نسجت ذاتها في الحال، ومقتل أمه على يد حراسه بدعوى التآمر عليه حكم نافذ.
في ليلته الأولى بعد قتله أمه لم يستطع نيرون أن ينام، إذا كانت تطارده الكوابيس وتلعنه، أبدى ندمًا، لكن متى أعاد الندم الحياة لروح أحدهم، لم يزل يستشعر قيدًا أخيرًا يريد له الزوال، إنها طليقته أوكتافيا، أرسل لها في منفاها من يقضي عليها، كي يخلو له من بعدها العالم كله دون عوائق.
بعدما علم الجميع عن قسوته أسرفوا في الخوف وراح أعضاء مجلس الشيوخ يسرفون في مدحه وتزكيته، بينما نيرون منفصلا عن الجميع، مؤمنًا بذاته كممثل مسرحي بارع وعازف موسيقي متفرد، لذا لم يتوان عن إقامة عروض مسرحية لذاته ليل نهار، والجميع يستمع لفنه رغما عنهم.
فجأة حريق ضخم يسري في أوصال روما الخشبية، ونيرون منفصل في عالمه الخاص، يرى أمامه النيران تلتهم كل شيء، بينما هو على خشبة مسرحه ممسكا بقيثارته يعزف مرثاة سقوط طروادة، لم يعد يفرق بين مسرحه ودولته، نيرون الفنان يطغى على كل ما سواه.
حريق التهم نصف روما تقريبًا، والإمبراطور لا يعبأ ويعزف مرثياته، غضب شعبي كبير من تصرفه، لن يستطيع تجاوزه إلا بفاعل يلقي على عاتقه ذنب إحراق روما، ليس أيسر من إلصاق التهمة بالمسيحيين، تلك الطائفة الجديدة التي لا تزال في طور نشأتها الأول.
تُنصَب الصلبان وتعلق عليها أجساد المسيحيين ويتم تعذيبهم بسياط تحمل كرات معدنية مسننة، دماء في كل مكان وآهات وتوجع، وتفنن مستمر في طرائق الانتقام من تلك الطائفة، طرائق دونها المؤرخون ولا تزال حتى اليوم تنبض بالألم، أبلغها صب القار على الأجساد المعلقة وتحويلهم إلى مشاعل بشرية.
روما شبه مدمرة، بناؤها هو الاختيار العقلاني، لكن نيرون بعيد عن كل عقل، تلاعب بقيمة الفضة في عملات بلاده، وأورثها فقرًا استمر لعقود، هذا التلاعب وفر له متسعًا كي يبني قصرًا مشيدًا على حطام روما وأوجاع شعبها المنهك بالحرائق والظلم.
سخط شعبي يزداد ويمتد، وشهوة قتل واغتيال لا تتوقف، امتدت لتفتك بمعظم أعضاء مجلس الشيوخ، وسبح بعيد في خيالات فنه المفترض، حمله لترك روما والذهاب لتقديم عروض مسرحية في اليونان، وهي الفرصة التي انتهزها مجلس الشيوخ كي ينقلب عليه معلنًا إياه عدوًا للدولة.
أخيرًا نيرون فقد حظه، تخلى عنه الجميع وبين ليلة وضحاها صار مطاردًا، قتل نخبة الدولة وأنهك اقتصاد الرومان، وبيدي لا بيد عمرو، استعار نيرون هذا المثل العربي السائر، حين أقدم على الانتحار بمساعدة أحد عبيده المعتوقين، سيف ينهي مسيرة امبراطور و فنان معتوه بعمر ٢٩ عاما

جاري تحميل الاقتراحات...