منصور العساف
منصور العساف

@mansoralassaf

40 تغريدة 144 قراءة Jul 21, 2020
تحت هذه التغريدة ستقرأ _بإذن الله_ كيف ومتى ظهرت آفة شرب التنباك والأرقيلة؟ ومتى ابتليت بها شعوب العالم و الشعوب العربية؟ ومتى دخلت جزيرة العرب؟ وماهي الجهود التي بُذلت لمكافحتها..كيف تعامل معها الناس في الحجاز ونجد وعسير والأحساء؟ وماذا كانوا يسمونها؟
احفظها إن كانت من اهتماماتك
مازالت المنظمات والهيئات الصحية، تنشر أبحاثها العلمية المؤكدة عن علاقة ظاهرة "التدخين" بأمراض السرطان والأوعية الدموية، إضافةً إلى نشر قوائمها المرعبة حول أعداد الوفيات اليومية جراء ما تخلفه "السيجارة" و"الأرجيلة" من أمراض فتاكة أقل ما يقال عنها أنها الموت البطيء للجسم السليم.
ومصطلح "التتن" مصطلح تركي ينطقه الأتراك "توتون"، انتقل إلى الجزيرة العربية كغيره جراء التواصل بين الشعوب، لا سيما في البلاد الإسلامية التي عرفت "التبغ" بعد أن أخذه البرتغاليون المهاجرون إلى أمريكا الشمالية من سكان أمريكا الأصليين "الهنود الحمر"، الذين بدورهم نقلوه إلى أوروبا
نقل السفير الفرنسي "جان نيكوت" الذي ينسب إليه لفظ "النيكوتين" نبات التبغ لبلاده، بعد أن أهداه أحد حراس السجون في "لشبونه" حزمة من التبغ، الذي وصفه له بأنه علاج للعديد من الأمراض -كما توهم ذلك-، وبدوره انتقل التبغ من فرنسا إلى إنجلترا ومنه إلى أوروبا ثم تركيا والعالم العربي..
وذكر مؤرخون أن اكتشاف "التبغ" جاء مع وصول "كريستوفر كولمبوس" للجزر الشرقية لأمريكا، حيث أهداه السكان الأصليون التبغ وبعد فترة جلبه البحّارة معهم وهم عائدون إلى أوروبا، منذ ذلك الوقت بدأ التبغ في الانتشار في الدول الأوروبية، وفي عام 1600م أصبح التبغ شهيرا للغاية..
ثم في عام 1610م لاحظ "فرانسيس باكون" أن الإقلاع عن هذه العادة السلبية صعب للغاية، وفي عام 1760م أنشأ "بيير لوريارد" شركة في نيويورك لتصنيع التبغ والسيجار وما شابهه، وبعدها بقرابة قرن أي في عام 1847م بدأ "فيليب موريس" في بيع السجائر التركية التي تلف باليد..
كما بدأت السجائر في الانتشار عندما أحضرها الجنود العائدون إلى إنجلترا معهم من الجنود الروس والأتراك، حتى جاء عام 1902م، الذي أسس فيه الإنجليزي "فيليب موريس" مجموعة محلات في نيويورك لبيع سجائره، وفي عام 1913م بدأت إحدى الشركات بيع نوع من السجائر يدعى كاميل (الجمل)..
ثم تفجر استخدام السجائر بكثافة خلال الحرب العالمية الأولى، وفي الحرب العالمية الثانية تزايدت مبيعات السجائر بشكل كبير وأصبحت بالنسبة للجنود مثل الطعام، كما أرسلت شركات التبغ ملايين السجائر المجانية للجنود، وعندما عادوا إلى أوطانهم أصبحت لدى هذه الشركات قاعدة كبيرة من المدخنين..
وفي عام 1954م أنتجت إحدى الشركات ماركة ونستون ذات فلتر، وبعدها بعامين ظهر منتج ماركة (salem) الذي ليس له من اسمه العربي نصيب وشهدت الستينيات ظهور العديد من التحذيرات الصحية، وتوقفت إعلانات السجائر التليفزيونية في إنجلترا عام 1965م وبعدها بعام وضعت التحذيرات الصحية على علب السجائر
ثم ظهر في عام 1968م نوع من السجائر لكنه فشل تماماً، إلى أن جاءت سنة 1980م حيث عدّت الجهات الرسمية التدخين خطأ، وأصبح الكثير من الأماكن العامة تمنع التدخين، وعام 1982م ظهر تقرير عن أن التدخين السلبي يسبب سرطان الرئة والتدخين السلبي هو استنشاق الدخان المنبعث من المدخنين..
كما منع التدخين في الأماكن العامة وأماكن العمل، وقبلها أي عام 1987م منع التدخين في رحلات الطيران الأقل من ساعتين، إلى أن منع في رحلات الطيران عموماً عام 1990م، ورأى علماء الإسلام في بداية انتشار التدخين أنه من المكروهات، لكن سرعان ما صرحوا بتحريمه حين علموا بمضاره وخطورته..
بل حرّمه مجمع الفقه الإسلامي تحريماً قاطعاً، وطالب بمكافحته حفاظاً على أرواح البشر الذين تثبت الدراسات الحديثة خطورة التدخين على البشر والبيئة،وكان علماء الإسلام قد حرموا القهوة حين ظهورها لكن سرعان ما افتوا بعدم تحريمها حين نفى الأطباء ضررها على النقيض من التدخين الذي ثبت ضرره..
كان الملك الإنجليزي "جيمس الأول" معارضاً شرساً للتدخين، وألّف كتابا ضد التدخين تحت عنوان "إدانة التبغ"، وبحلول منتصف القرن السابع عشر، تعرفت كافة الحضارات على تدخين التبغ، وقد تم اصطلاح كلمة "التدخين " في الإنجليزية أواخر القرن الثامن عشر، وقبل ذلك كان يطلق عليه شرب الدخان..
وفي عام 1881م قام أحد الحرفيين، "جيمس بونساك"، بإنتاج ماكينة للإسراع من إنتاج السجائر فترة ما يسمى حروب الأفيون، وكان "هتلر" يدين التدخين بضراوة، كما تم اغتيال قادته المعادين للتدخين بعد الحرب العالمية الثانية، وشحنت أمريكا حينها التبغ مجاناً لألمانيا كجزء من خطة "مارشال"..
وفي بداية القرن العشرين وضع أحدهم كتاباً سماه "الغليون والحبيب"، أو ديوان شعر المدخنين، وقد ربط بعض الأدباء ظاهرة التدخين بحياة العزوبية، ومنذ الحرب العالمية الثانية، أصبح ظهور التدخين على الشاشة أقل تكراراً؛ نظراً لانتشار الوعي بالمخاطر الصحية الواضحة للتدخين..
ومع اكتساب الحركة المناهضة للتدخين مزيداً من الاحترام والتأثير، أصبح هناك محاولات جادة لمنع ظهوره على الشاشة لتجنب التشجيع عليه أو ربطه بأشياء إيجابية لاسيما في أفلام الأسرة، وأصبح التدخين على الشاشات شائعاً بين الشخصيات التي تظهر في صورة الأشخاص المعادية للمجتمع..
وأثبتت الروايات والمخطوطات والأبيات الشعرية والقصائد، أن ظاهرة التدخين عرفت في بلادنا ومجتمعنا منذ أكثر من أربعة قرون، ولا أدل على ذلك إلاّ رسالة "عليان الضبيني" وهو أحد قادة الإمام "سعود بن عبد العزيز" في عام 1225هجرية إلى "يوسف باشا كنج" -والي دمشق والشام والتي جاء فيها :
والذي نحن عليه، كل من أرضى الله بأعماله..نحشمه ولا نستغيث به...ثم جرّم شرب الخمر، واللواط...وسب الدين، والحلف بغير الله، وشرب التوتون والأركيله، ولعب المنقلة والورق، والحديث بالقهاوي وضرب الطار..إلخ، وقد استجاب يوسف كنج وأصدر أوامره "ألاّ أحد يشرب خارج بيته دخان ولا تنباك"
ويذكر أن "التنباك" وصل إلى حاضرة نجد على وجه الخصوص عن طريق التجارة في الخليج والعراق وبلاد فارس، لا سيما وأن بلادهم كانت طريقاً للعابرة إلى غرب الجزيرة العربية وإقليم الحجاز أو اليمن، أما بادية نجد فقد عرفوها أكثر عن طريق المستشرقين والرحالة، أو عن طريق مخالطتهم لأهالي المدن
مساء هذا اليوم نكمل _بإذن الله_ باقي التغريدات والمعلومات عن دخول التنباك لجزيرة العرب وقصة التوتن مع حملة إبراهيم باشا وحرص والده محمد علي باشا على غزو اليمن وهزائمه من أبطال عسير و جيزان...كونوا على الموعد بإذن الله..
أما البوادي فكانوا يستخدمون عظام الإبل يحشونها بالتبغ وقد قال الشاعر يصف حاله مع القهوة وشرب الدخان:
لولا شراب العظم يومني أملاه
أكويه بالجمرة ويكوي جروحي
مع دلة صفرا على النار مركاة
أبصر بصبتها على كيف روحي
قال أخر:
ياما حلا الفنجال والعظم ولعان
ومعطش يغذي خوى الراس عني
وكان "الغليون" و"الشيشة" معروفين في ذلك الزمن أي قبل أكثر من قرنين ونصف، وكان "إبراهيم باشا" أثناء حملته على الجزيرة العربية قد خصص ل "التوتن" خازن خاص تتوفر لديه الكمية الكافية من التبغ والمجامر أو الغليون بأعداد كافية له ولحملته، وقد وقفت شخصياً على إحداها في أحافير الدرعية..
وكان الباشا قد خصص أكثر من "ذلول" لحمل التبغ، كما أن أحد أشهر الرسومات ل "محمد علي باشا" هي تلك التي يطل من شرفة قصر القلعة وبجانبه "الأرجيلة"، وهذا دليل على رواج آفة التدخين في ذلك الوقت الذي وافق في أوروبا تداعيات الثورة الفرنسية وعصر "نابليون"الذي ازدهرت فيه ثقافة وأدب المقاهي
وقد دلّلت منقولات الشعر انتشار هذه الآفة في وسط الجزيرة العربية أثناء هذه الأحداث، حيث قال الشاعر "حميدان الشويعر" يهجو أبناء المدن الذين انتشرت بينهم ظاهرة التدخين بالغليون والشيشة أو الأرجيلة، التي يسمونها "البربورة" نظراً لما تحدثه من صوت حيث يقول:
يا عيال الندم يا ربايا الخدم
يا غذايا الغلاوين والبربرة
كما يصف ابنه مانع ويقول:
مانع خيالٍ في الدكة
وظفر في راس المقصورة
اليمنى فيها الفنجال
واليسرى فيها البربورة
وكان من عادة كبار السن في الجزيرة العربية أن يذموه ومن يشربه، بل كان كثير منهم يقول يكفيك منه أن "ما في أوله بسم الله ولا في تاليه الحمد لله"، وكانت النساء ينصحن أزواجهن منه كما نصحت إحداهن زوجها قائلةً :
لا تشرب التتن يالمملوح
يحرِّق ثناياك يالغالي
وذكر "د. محمد فضل" نقلاً عن "الزركلي"، جانباً من سياسة الملك عبد العزيز تجاه التبغ، وذلك عبر حوار دار بين الملك و"طلعت حرب باشا" حيث قال "الزركلي": ذهبت وأنا في مصر، مع بعض الأصدقاء للسلام على "طلعت حرب باشا" بعد عودته من زيارته الأولى للمملكة عام 1354هجرية..
فكان حديثه مع الملك عبدالعزيز أنه سأله عما يقال من تحريم شرب الدخان في المملكة، فقال له الملك عبدالعزيز: بكم يدخن أفقر إنسان عندكم يومياً؟ فرد "طلعت": بقرشين، فقال الملك: كم عدد الذين يدخنون على أقل تقدير؟ فأجابه "طلعت: خمسة في المائة، قال الملك: كم تخمّن عدد سكان بلادنا؟
فرد عليه "طلعت": حوالي خمسة ملايين. قال الملك عبدالعزيز: إذا لم ننظر إلى ناحية التحليل والتحريم، وأبيح التدخين، فكم ينفق المدخنون عندنا على هذا القياس؟ قال "طلعت": فأخذت قلماً، وعملت الحساب فوجدت أن عدد المدخنين سيكون 250 ألف شخص ينفقون خمسة آلاف جنيه في اليوم..
فقال الملك عبدالعزيز: ما عندنا دخان ولا ورق للدخان ولا شيء من آلاته، كله يأتي من الخارج، تريد أن نرسل خمسة آلاف جنيه، هدية إلى الخارج كل يوم، مقابل ما ننفخه في الهواء ثم قال طلعت الناس يقولون أنني عالم بالإقتصاد و والله لقد كان صاحبكم أعلم به مني.
استعرض المؤرخون موقف الملك عبدالعزيز من مخازن التبغ التي وجدها أثناء دخوله مدينة جدة، ويقول "فيلبي": كنت أنا ورفيقاي ندخن ذات ليلة في قصر الضيافة، إذ دخل علينا خادم يعلمنا بقدوم الشيوخ، وكانت "الغلايين" و"علب التبغ" مبعثرة على الديوان، فخبأناها مسرعين وفتحنا الشبابيك كلها..
إلا أنه عندما دخل السلطان -ويقصد الملك عبدالعزيز-، كان الدخان لا يزال منتشراً في الغرفة، فجلس، وجاء أحد الخدم توّاً بالمجمرة وفيها الطيب، فقدّمها إليه، ودار بها علينا مراراً، ثم تركها على السجادة في وسط القاعة تطهيراً للهواء.
وذكر "الريحاني" أن الملك "عبد العزيز" كان يزوره، وإذا علم أن المزور من المدخنين أرسل قبل ذهابه إليه من يحمل البخور لتطهيره المكان.
وقال: كان لا يسمح للملوك والرؤساء تعاطي الدخان في مجلسه، حتى إن أحدهم تضايق من الامتناع عن التدخين، لكن الملك أشار عليه بالتدخين خارج المجلس..
وقال "د. محمد فضل": إن من محاربة الملك عبدالعزيز لهذه الظاهرة توقيعه على وثيقة عمرها قرابة قرن، وبالتحديد في 20 من شهر شوال عام 1344ه، تقضي بتحريم التدخين، ومعاقبة متعاطيه لأضراره الصحية والمادية، حيث جاءت في الوثيقة ما يلي
إعلان الحكومة أنه بموجب الحرص على تطهير البلاد من جميع الدنس، ولمصالح العباد من المضرة في أمور دينهم ودنياهم وأبدانهم، أن جميع المسكرات من استعملها فإنه في خطر ويصير جان على نفسه، وأنه سيمضي فيه الحد الذين تقتضيه الشريعة"، وقال أيضاً في الوثيقة :
أما الدخان فلا عندنا شك في تحريمه، لأنه مضر للبدن وتبذير للمال، فحالاً نعلن أن من استعمله واطلع عليه بذلك أنه أول مرة يحبس ٣ أيام وعند خروجه يسلم للحباس مجيدي ومن عاد إليه ثانية يحبس ١٠ أيام، ويؤخذ عليه ١٠ مجايدة تدخل في البلدية، ومن تجاوز ذلك يضاعف له الأدب،ومن تعدى ذلك عزرنا به
وقد أشارت صحيفة الهلال قبل أكثر من قرن في مقال لها عن التبغ أنه سمي بهذا الاسم لأن الأمريكان كانوا يسمونه "تباكو" وهي الآلة التي يدخنون بها في حين ذكر المستشرقان "داوتي" و "بيلي" أن التدخين في إقليم نجد كان يتم في السر لا سيما من قبل الوافدين على البلاد..
وذكر المؤرخ البسام أن التنباك دخل بلاد الإسلام قبل عام (٨٥٠ للهجرة)..
وكانت بعض الدول في عام (١٠٠٠ للهجرة) تعاقب المدخن بقطع أنفه، وذكر الباحث عبدالحكيم العواد وهو ما أكثر من بحث في هذا الموضوع أن للشيخ أحمد عطوه التميمي من أهل العيينة (توفي ٩٤٨ للهجرة) فتوى بتحريم التدخين..
وكان الأستاذ المؤرخ خالد الخويطر قد قدم دراسات و وثائق حيال تاريخ دخول التبغ لأقاليم الجزيرة العربية عرض من خلالها صور لبعض الفتاوى و المخطوطات كما استعرض المؤلفات التي ناقشت بداية تفشي هذه الظاهرة..
وفي مذكراته كتب رئيس الطباخين في قصور الملك سعود السويسري "هوسيه أرنولد" موقفين حدثا في استقبالين رسميين للملك، كان الأول مع شاه إيران الذي رغب بإشعال سيجارته ولم يكن حينها يعرف البرتوكول السعودي الصارم بمنع التدخين وتكرر المشهد مع أحد رجال الملك فيصل الثاني بن غازي ملك العراق..

جاري تحميل الاقتراحات...