من الأوهام التي فاتت بسببها أجورٌ عظيمة:
ظنُّ كثيرٍ من الناس أن فضل عشر من ذي الحجة مقصور على النهار دون الليل، وأن ليالي العشر كغيرها من ليالي السنة، ولعل هذا الوهم تسرب من أمرين:
ظنُّ كثيرٍ من الناس أن فضل عشر من ذي الحجة مقصور على النهار دون الليل، وأن ليالي العشر كغيرها من ليالي السنة، ولعل هذا الوهم تسرب من أمرين:
١) أن فضل العشر والعمل فيها ورد معلقًا بلفظ اليوم: «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه» فيحمله الناس على النهار دون الليل ظنًا منهم أن لفظة "اليوم" لا تتناول سوى النهار والصحيح أن "اليوم" إذا أطلق تناول الليل أيضا، يقول المرزوقي: (فاليوم يعم أجزاء الليل والنهار)[الأمكنة والأزمنة].
ويقول ابن رجب: (والأيام إذا أُطلقت دخلت فيها الليالي تبعًا)[اللطائف]، ولا تستعمل لفظة "اليوم" في معنى النهار وحده إلا إذا دلت القرينة على ذلك، والحديث خالٍ منها، فكيف إذا كانت القرينة تؤكد دخول الليالي في الفضل؟ بل كيف إذا كانت قرينتين؟
فالأولى في قسم الله تعالى بها في قوله: ﴿وَلَيالٍ عَشرٍ﴾، وقد حكى ابن جرير الطبري إجماع الصحابة على أنها ليالي عشر ذي الحجة، فالقسم بها دال على تعظيمها، والذي يؤكد تناول فضل أيامها لها.
والقرينة الثانية ما روي عن جابر رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من أيام أفضل عند الله من عشر ذي الحجة، ولا لياليَ أفضل من لياليهن» وحديث جابر هذا يرويه ابن حبان بدون زيادة: «ولا ليالي أفضل من لياليهن»، أما هذه الزيادة فقد رواها ابن رجب محتجا بها من طريق آخر.
٢) ترد هذه الأيام مسألة الموازنة بين أيام عشر ذي الحجة وليالي العشر الأخيرة من رمضان، أيها أفضل؟ فيجاب عنها عادة بجواب شيخ الإسلام وهو: (أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة)[مجموع الفتاوى ج25]
وأقره تلميذه ابن القيم معقّبًا بقوله: (فمن أجاب بغير هذا التفصيل، لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة)[بدائع الفوائد].
فيلزم من هذا التوفيق عند بعضهم نفي الفضل عن ليالي عشر ذي الحجة جملةً.
وقبل الحكم على هذا التلازم ينبغي أن يُنظر في القول التوفيقي نفسه، أهو حق أو لا؟
فيلزم من هذا التوفيق عند بعضهم نفي الفضل عن ليالي عشر ذي الحجة جملةً.
وقبل الحكم على هذا التلازم ينبغي أن يُنظر في القول التوفيقي نفسه، أهو حق أو لا؟
فالناظر إذا تأمل في حديث ابن عباس وغيره من أحاديث الباب يجد أن تفضيل عشر ذي الحجة على جميع الأيام كان تفضيلًا مطلقًا متناولًا الليل والنهار، وصرحت بعض الروايات بتفضيل لياليه كما مر، فظواهر هذه النصوص تخالف القول التوفيقي، لذا لم يرتضه ابن رجب رحمه الله، فقال في اللطائف:
(فأما لياليه فمن المتأخرين من زعم أن ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه؛ لاشتمالها على ليلة القدر، وهذا بعيد جدًا)، ثم قال: (والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء، أن يقال: مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها، والله أعلم)
ثم إن القول التوفيقي لو صح في نفس الأمر لما استلزم نفي فضل الليالي ولا نقصان فضلها عن نهارها؛ إذ قد يستوي عند من قال بالتوفيق فضل ليالي عشر ذي الحجة مع نهارها، فلا وجه للنشاط نهارًا والفتور ليلًا حينئذ.
والمقصود من هذا كله التنبيه على عظيم فضل هذه الليالي وأن الزهد فيها جهل وخذلان وإحياءها بالقيام والقراءة والذكر والدعاء هدى وتوفيق، وفي الليل من خصوص العبادات ما لا يتحقق بالنهار كالقيام والوتر والدعاء في وقت النزول الإلهي والذكر في السحر وقراءة القرآن وتدبره، فتبدر الليل أكمل.
يقول ابن رجب: (فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾)[اللطائف].
وقد يحصل للعبد بخلوته بربه وتهجده سرًا بين يديه ومناجاته في هذه الليالي من اللذة والأنس وقرار العين ما لا يحصله بصلاة التراويح والقيام جماعة في ليالي رمضان.
وما هذا الخلاف القوي في تفضيل ليالي العشر على ليالي رمضان الأخيرة إلا تذكرة بفضلها وبتقصيرنا، والله المستعان.
وما هذا الخلاف القوي في تفضيل ليالي العشر على ليالي رمضان الأخيرة إلا تذكرة بفضلها وبتقصيرنا، والله المستعان.
جاري تحميل الاقتراحات...