Hisham Ghanem
Hisham Ghanem

@h1shamG

16 تغريدة 20 قراءة Jul 21, 2020
تتطاير هنا وهناك ألفاظ على شاكلة "النظام الأبوي" من قبل مُحدثي ومُحدثات النسوية، فتشكّل ما يمكن تسميته منتهى الهات إيدك والحقني.
فمحترفو ومحترفات هذا النوع من التفكير يحسبون أن الألفاظ والكلام أشياء وأفعال مادية، وأن الواقع يتغير بواسطة الأفكار، وأن قضايا المجتمع، والنساء تحديدا، تدور في الفراغ وخارج النظام السياسي والاقتصادي.
ما من مرة في التاريخ تغيّر الواقع بتغيّر الأفكار. الواقع المادي أو المادة سابقة على الثقافة والأفكار وهي التي تصنعهما. النظام الأبوي هو الشكل الاجتماعي الأمثل للمجتمعات التقليدي، أي مجتمعاتنا. والمجتمع التقليدي هو المجتمع غير الصناعي أي الخالي من الطبقات وغير الديموقراطي بالضرورة
وعلى هذا، فإن أنت أردت إلغاء النظام الأبوي في لحظة وبلا مقدمات مادية، ستجد الفراغ أو الهاوية في انتظارك. فزوال النظام الأبوي يحتاج أولا إلى الاستقلال المادي للنساء.
فالاعتماد المادي على الرجال هو ما يجعل لهؤلاء سلطة على النساء. أي أن الأمر أشبه بمقايضة: أنا أدفع المال لتعليم المرأة وإطعامها وإكسائها وإيوائها، وأحصل بالمقابل على خضوعها لي.
النظام الأبوي ليس اختراعا عربيا أو مرتبط بثقافة معينة بل هو نتيجة لاقتصاد بدائي لا ينتج فائض قيمة، لأنه مبني على التسوّل والريع. وجود تصنيع يخلق مجتمعا ذا طبقات فيتولد عن ذلك صراع طبقي ينتج بدوره قيما جديدة من بينها فرص عمل للنساء وبالتالي استقلال مادي يتيح لهن قول لا من موقع قوة
لكن التصنيع أيضا غير ممكن بلا نظام سياسي ديموقراطي كفؤ، ينخرط في النضال للوصول إليه الجميع، نساءً ورجالا. ولذا لا يمكن فصل أي قضية اجتماعية عن القضية السياسية الكبرى، أي شكل الحكم وامتلاك البشر لمصيرهم وحياتهم.
ذات يوم، كانت المجتمعات الغربية أيضا مجتمعات أبوية، واستمر ذلك لقرون أو عدة ألفيات ربما. لكن نشوء الرأسمالية، عزز الحاجة للعمال في المصانع والمزارع فأخذ الطلب يزداد على قوة عمل النساء، وهو ما أدى إلى استقلالهن المادي كما سبق القول ومن ثم السيادة على حياتهن وأجسادهن.
ولهذا، النساء في وضع مخيرات فيه بين السيء والأسوأ، بين القبول بالنظام الأبوي المتناسب مع شكل النظام السياسي والاقتصادي المتخلف والاستفادة من منافعه، أو بين رفضه والموت جوعاً وبرداً.
ولهذا أيضا، يبدو الحديث عن إلغاء النظام الأبوي في وضعنا البائس، مستوردا ومترجماً وشديد العجمة. ففي المجتمعات الغربية، التي تتوفر على آليات تغيير ديموقراطية ومجتمع مدني قوي ومؤثر، مفهومٌ أن تظهر حملات فئوية تدعو لتغيير أمر أو قانون ما.
بينما في واقعنا العربي، أو الأردني تحديدا، لا يمتلك أحد، ما خلا النخبة الحاكمة، سلطة أو قدرة على تغيير جوهري في السلطة. إننا، أو النساء بالأحرى، بتعبير حنة أرندت، ليس لدينا حق في أن يكون لنا حق.
الغزوات الفيسبوكية والتويترية الساعية في التغيير الفئوي لا تلبث أن تنتهي، للأسف الشديد، نهايات مضحكة، بمجرد أن يكتشف أصحابها وصاحباتها الفجوة بين الشعارات والواقع وبين المزاعم والقدرات.
لا يعني هذا كله أن يتوقف النضال النسوي وغير النسوي، ولا يعني أن نتوقف عن التنديد بالأفعال الظالمة التي يمارسها الرجال على النساء، بل يعني النظر بحكمة وعقلانية لموازين القوى القائمة.
التحريض الذي تمارسه بعض السيدات المنتميات للطبقات الوسطة العليا، للنساء الأضعف وغير المستقلات ماديا، لا يعني سوى دعوة للنحر والانتحار تقابَل بتضامن إنترنتي في اليوم التالي على شكل هاشتاغات وكلمات فارغة من خلف قطع الزجاج.
زبدة القول أن النظام السياسي الحاكم، هو النظام الأبوي الحقيقي والأول، الذي تتولد عنه بقية الأنظمة الصغرى الأخرى. والنضال لتغييره، من قبل الرجال والنساء، هو الخطوة الأولى للتغيير الاقتصادي والاجتماعي.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جاري تحميل الاقتراحات...