في يوم الجمعة 26 يوليو 2013 احتشد ملايين المصريين في الميادين والشوارع بعد يومين فقط من كلمة قصيرة ألقاها الفريق أول"عبد الفتاح السيسي"ودعا فيها المصريين إلى تفويضه لمواجهة الإرهاب"المحتمل".
لم تستغرق الكلمة دقائق معدودة،ولم يستغرق المصريون أي وقت للاستجابة الفورية لطلب التفويض1
لم تستغرق الكلمة دقائق معدودة،ولم يستغرق المصريون أي وقت للاستجابة الفورية لطلب التفويض1
لكن لماذا توقع وزير الدفاع في هذه الأيام الحاسمة نوعية الإرهاب المحتمل الذي يتطلب تفويضا شعبيا واضحا وصريحا ؟ هل كان يخمن أو يتكهن بما ينتظر مصر على أيدي الجماعة الإرهابية ؟ أم أنها الرؤية الاستراتيجية التي اكتسبها كقائد عسكري 2
الإجابة على هذا السؤال بديهية فالقيادة تتطلب دائما رؤية استراتيجية تتنبأ بمسار الأحداث وتتوقع ردود الأفعال وتضع الخطط والخطط البديلة ، وهو ما يطرح تساؤلا منطقيا عن الرؤية الاستراتيجية للرئيسين الأسبقين الراحلين "السادات" و"مبارك"3
كيف لم تتمكن رؤية "السادات" من توقع استشراء الإرهاب بعد احتضانه للإخوان وتيارات الإسلام السياسي وتشييد بنية أساسية فكرية لهذه التيارات عبر وسائل الإعلام الرسمية المملوكة للدولة؟! 4
ولماذا لم يكن حادث المنصة في 6 أكتوبر 1981 حافزا لمبارك كي يضع استراتيجيته لتفكيك البناء الفكري للجماعات الإرهابية؟! 5
لماذا واصل نفس النهج الذي انتهى بالرئيس السادات إلى المنصة وانتهى به هو شخصيا إلى أن يضع مصيره بين يدي "الإخوان" حين وقف يوماً القيادي الإخواني "محمد البلتاجي" يتحدث بكل عنجهية عن استحالة إخراج "مبارك" من السجن إلا بوفاته . 6
لماذا لم يتوقف "مبارك" الذي شهد بنفسه مأساة حرب 5 يونيو ليفكر في أثر كلمات نجم الدعاة الذي أطلقه السادات وهو يتحدث عن سجوده لله شكرا في هذا اليوم الأسود ؟
ولماذا ترك شخصيات أزهرية ورموز دينية كالشيخ "الغزالي" يكفرون "فرج فودة" علنا حتى اغتياله ثم دافعوا بعد ذلك عن قتلته ؟ 7
ولماذا ترك شخصيات أزهرية ورموز دينية كالشيخ "الغزالي" يكفرون "فرج فودة" علنا حتى اغتياله ثم دافعوا بعد ذلك عن قتلته ؟ 7
ألم يكن كلا الموقفين مؤشرا على تخريب فكرة الانتماء الوطني والتشجيع على الإرهاب ؟
أين كانت الاستراتيجية الفكرية لهذا البلد الذي لا يزال يعاني من تداعيات ذلك الوباء الذي ظل يستشري تحت سمع وبصر الدولة حتى أصبح جزءا من الحياة اليومية للمصريين ؟8
أين كانت الاستراتيجية الفكرية لهذا البلد الذي لا يزال يعاني من تداعيات ذلك الوباء الذي ظل يستشري تحت سمع وبصر الدولة حتى أصبح جزءا من الحياة اليومية للمصريين ؟8
ومن المؤكد أن طلب التفويض ضد الإرهاب المحتمل في 2013 قد تأخر على الأقل 40 عاما تدمرت خلالها البنية التحتية للفكر وتشوهت الهوية المصرية وتساقطت معاني الإنتماء للوطن ليصبح الإصلاح الفوري لهذه المشاكل المتراكمة أمرا مستحيلا 9
وكما تحمل الرئيس "السيسي" التركة المتهالكة للبنية التحتية كشبكات الطرق والعشوائيات تحمل أيضا تبعات خراب البنية التحتية الفكرية التي انتجت الإرهاب و جعلت من التصريح بالخيانة الوطنية مجرد وجهة نظر ورأي يقبل الأخذ والرد .10
كان الإرهاب "المحتمل" في 2013 متوقعا بلا شك ، تماما كالخيانة "المحتملة" التي تبلورت بوضوح مع المواجهة المصرية التركية ، فالمنبع الفكري واحد ، والبنية التحتية واحدة لذلك لن تقرأ في قواميس هذا الفكر مصطلح "الانتماء للوطن" ولن تجد أحداً منهم يفهم أصلا معنى "خيانة الأوطان" .11
وسواءكان أتباع هذاالفكر من الفارين اللائذين ببلاط الخليفةالعثماني أو من القابعين بيننا تحت رداء"الاعتدال"و"الوسطية"فقلوبهم تهتز طرباحين يسمعون إسم"أردوغان"وعيونهم تكاد تدمع من فرط السعادة حين تحملهم أجنحة الوهم إلى حلم الخلافةعندم تصبح مصر ولايةعثمانية تحت حكم الخليفة"رجب الأول"!
وليست المشكلة فيمن اختاروا "الدوحة" أو "اسطنبول" لممارسة خيانتهم العلنية ، لكن الأزمة تكمن في أولئك الذين يعيشون بيننا ويحلمون بلحظة تقبيل أقدام "أردوغان" في قلب "القاهرة" معبرين علناً عن عفونة أفكارهم بطريقة أو بأخرى.13
ستعرفهم من الدفاع المستميت عن الخلافة العثمانية ، ومن حديث بعضهم عن زمن الفتنة بإعتبار أن وصول العدو إلى حدودك الغربية مجرد فتنة بين دولتين شقيقين مسلمتين !14
ستعرفهم في الغمز واللمز على الجيش المصري ، وفي محاولة صرف الأنظار عن "ليبيا" وتوجيهها إلى "إثيوبيا" متجاهلين أننا قادرون على التصدي للجبهتين معاً والتصدي لمن يحركهما أيضا .15
والسؤال هو لماذا يعيش هؤلاء بيننا أصلاً ؟ وكيف يعبرون علانية عن فكرهم الذي لا يعترف بالأوطان ولا يقيم وزناً لراية وطنهم أو تاريخه أو حضارته أو رموزه؟16
نعلم أن هؤلاء مجرد مخلفات نتجت عن عملية تدمير البنية التحتية الفكرية في مصر خلال عشرات السنين ، لكن هذه المخلفات المترعة بالسموم قادرة على تلويث كل تفاصيل الحياة ، وتعكير روافد التغييرالذي ينساب ببطء ليزيل آثار عقود خلت .17
وإذا كانت إزالة هذه المخلفات ضرورة لإصلاح تشوهات الماضي فإن هذه الضرورة تكتسب صفة الحتمية خلال صراع الوجود الذي تخوضه مصر الآن .18
وليس المطلوب هنا إجراءات أمنية تجعل من بعض النكرات أبطالاً ، لكن المطلوب هو إجراءات فكرية ، "ثورة فكرية " تنتزع الجذور الخبيثة من التربة المصرية وتقضي على مقدمات الغزو التركي التي بدأت قبل عشرات السنين .19
نريد أن تأتي بعدنا أجيال تتساءل في استغراب عن سر بقاء هذه الأفكار دون مواجهة جادة وحاسمة ، ولا نريد أن يكتب التاريخ عن هذه الحقبة بأنها كسابقتيها تركت منابع الإرهاب والخيانة الوطنية دون تدخل ،20
فتفويض 2013 الذي كان ضد "الإرهاب المحتمل" يشمل كذلك "الخيانة الوطنية المحتملة" وكلاهما لم يعد محتملاَ بل حقيقةً واقعة لا تُحتمل ، أما التفويض نفسه فلا يزال مستمراً ساري المفعول 21
جاري تحميل الاقتراحات...