بعد خبر وفاة حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم مع يقين الصحابة بذلك، وثقتهم من بشريته صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم ما تخيلوا أن ذلك الموت سيحدث مصيبة كبيرة، وبلاء مبين، ما صدق الصحابة رضوان الله عليهم إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات حقًّا
فكيف الحياة بدونه؟
وراء من يصلون؟
وإلى نُصح من ينصتون؟
من يعلمهم؟
من يربيهم؟
من يبتسم في وجوههم؟
من يرفق بهم؟
من يأخذ بأيديهم؟
وراء من يصلون؟
وإلى نُصح من ينصتون؟
من يعلمهم؟
من يربيهم؟
من يبتسم في وجوههم؟
من يرفق بهم؟
من يأخذ بأيديهم؟
كارثة وأي كارثة، وأظلمت المدينة، وأصاب الحزن والهم والكمد كل شيء فيها، كل شيء، ليس الصحابة فقط، بل نخيل المدينة، وديار المدينة، وطرق المدينة، ودواب المدينة
إذا كان جذع نخلة قد حن لرسول الله لما فارقه؛ ليخطب من فوق المنبر بدلاً منه، حتى سمع الصحابة لجذع النخلة أنينًا، وما سكن حتى جاء فمسح بيده على الجذع حتى سكن، إذا كان الجذع فعل ذلك ورسول الله فارقه إلى منبر يبعد خطوات معدودات، فكيف بفراق لا رجعة فيه إلى يوم القيامة
والصحابة ماذا يفعلون؟ أتطيب نفوسهم أن يهيلوا التراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
تقطعت قلوب الصحابة، وتمزقت نفوسهم، وتحطمت مشاعرهم، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: "ما رأيت يومًا قطّ كان أحسن ولا أضوأ، من يوم دخل علينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رأيت يومًا قطّ كان أقبح ولا أظلم، من يوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم".
المصيبة أذهبت عقول الأشداء من الرجال، وأذهلت ألباب الحكماء منهم، تاهوا جميعًا حتى وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما أدراك ما عمر بن الخطاب في عقله ورزانته وحكمته وإلهامه
وقف وقد أخرجته الكارثة عن وعيه وقال: "إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي، وإن رسول الله ما مات
يقول ذلك في يقين، هو لا يصدق فعلاً أنه مات ، يقول عمر: لكن ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعن رسول فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات".
وإذا كان عمر كذلك، فكيف بغيره من الصحابة؟
قال أبو سفيان رضي الله عنه، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فقد عظمت مصيبتنا وجلت
عشية قيل قد قبض الرسول
فقدنا الوحي والتنزيل فينا
يروح به ويغدو جبرئيل
وذاك أحق ما سالت عليه
نفوس الخلق أو كادت تسيل
نبي كان يجلو الشك عنا
بما يوحى إليه وما يقول
فقد عظمت مصيبتنا وجلت
عشية قيل قد قبض الرسول
فقدنا الوحي والتنزيل فينا
يروح به ويغدو جبرئيل
وذاك أحق ما سالت عليه
نفوس الخلق أو كادت تسيل
نبي كان يجلو الشك عنا
بما يوحى إليه وما يقول
يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: "لما قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلمت المدينة، حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض، وكان أحدنا يبسط يده فلا يراها، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا".
وبينما هم كذلك إذ جاء الصديق الجبل أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، وجزاه خيرًا كثيرًا عما قدمه لأمة الإسلام، جاء الصديق من السنح (منطقة خارج المدينة) بعد أن وصله النبأ هناك
وإن تخيل أحدنا أن صحابيًّا سوف يموت حزنًا، وهمًّا، وكمدًا لفراق الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا شك أننا جميعًا سنقول إنه الصديق رضي الله عنه، أشد الخلق حبًّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقرب الرجال إلى قلب رسول الله صلى الله عليه
لا شك قد يخطر ببال الناظر للأحداث أن الصديق سيفعل أكثر مما فعل عمر بن الخطاب مثلاً، لكن سبحان الله، إنه الصديق أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسنح، ونزل عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكلم الناس، ودخل المسجد
ومنه دخل إلى بيت عائشة حيث مات رسول الله صلى على حجرها، فتوجه إلى رسول الله، وهو مغطى بثوب، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه، فقبله وبكى، عبرات لا بد منها، نزلت ساخنة حارة على وجنتي الصديق رضي الله عنه، حبيب عمره، ودرة قلبه، وقرة عينه
ثم قال الصديق وقلبه ينفطر: "بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك، فقد متها".
ثم خرج في ثبات عجيب يليق بخير الأمة بعد نبيها، ويليق بأول من سيدخل الجنة من أمة المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم
فوجد عمر في ثورته يتكلم مع الناس، والناس يلتفون حوله يتمنون أن لو كان كلامه حقًّا، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيعود ثانية كما يقول، قال الصديق في ثبات ورباطة جأش عجيبة: اجلس يا عمر.
لكن عمر قد أذهلته المصيبة عن السماع، فلم يجلس، وظل على حاله، والناس وجدوا وزير رسول الله صلى الله عليه وسلم الأول أبا بكر، فالتفوا حول الصديق ينتظرون ما يقول، قال أبو بكر الصديق في فهم عميق وحكمة بالغة:
الصديق يعيش مع القرآن في كل حركة، وفي كل سكنة، ما أروع الاختيار، وما أبلغ الأثر الذي أحدثته الآية الربانية في قلوب الصحابة، يقول ابن عباس رضي الله عنه: "والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها".
أفاق الناس وبدؤوا في البكاء الشديد، كانت الآية سلوى للمؤمنين، وتعزية للصابرين، وجزاء للشاكرين، ووصلت الآية إلى أسماع عمر بن الخطاب رضي الله عنه
يقول عمر رضي الله عنه: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فَعَقِرْت (عَقِرَ: إِذا بقي مكانه لا يتقدم ولا يتأَخر فزعًا أَو أَسَفًا أَو خجلاً) حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض، حين سمعته تلاها علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات.
إنا لله وإنا إليه راجعون، وثَبّت الله الأمة بثبات الصديق رضي الله عنه وأرضاه، واحدة من أعظم حسناته رضي الله عنه، وما أكثر حسناته❤️.
جاري تحميل الاقتراحات...