بُسْتَانُ العِلم
بُسْتَانُ العِلم

@Taleb_Elm

31 تغريدة 256 قراءة Jul 18, 2020
سلسلة تغريدات بعنوان:
"لماذا يجب علينا أن نفهم نصوص الوحيين (الكتاب والسُّنة) بفهم الصدر الأول؛ ولا نستقل بفهمنا ؟"
فيها من البيان ما يكفي المنصف
واعلم أن ذكر جميع الأدلة يطول، وخير الكلام ما قلّ و دلّ، ولم يطل فيُمَل
فالباحث عن الحق يكفيه دليل
ومُتّبع الهوى لن يكفيه ألف دليل
١- الحمدلله رب العالمين القائل: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ۖوساءت مصيرا﴾
والصلاة والسلام على نبينا ﷺ القائل: (إنه مَنْ يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيراً، فعليكم بسُنتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين مِنْ بعدي)
٢- إن الاحتجاج بفهم أئمة السلف الصالح، وحثِّ الناس على الأخذ به، والرجوع إليه، ومعرفة ما كانوا عليه من الفهم للدِّين، والاستدلال عليه؛ احتجاج قديم وليس بجديد، وقد تَشَكّل هذا في زمن الصحابة -رضي الله عنهم- ودَعَا إليه عدد من الصحابة ومَن بعدهم، وكلما ظهر جيل ذَكر الجيل الذي قبله.
٣- قال الصحابي عبدالله بن عمر رضي الله عنه: (من كان مُستنّاً، فليستنّ بمَن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خيرَ هذه الأمة، أبرّها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلّها تكلُّفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيِّه ﷺ، فتشبّهوا بأخلاقهم وطرائقهم؛ فهم أصحاب محمد ﷺ، كانوا على الهدى المستقيم)
٤-وقال الصحابي عبدالله بن مسعود: (لا يزال الناس صالحين متماسكين ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ﷺ ومن أكابرهم فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا)
والأصاغر هم كل من ليس له باع في العلم والذين يقولون برأيهم
وقال الصحابي عبدالله بن عباس عن الصحابة: (عليهم نزل القرآن فهم أعلم بتأويله منكم)
٥- فالصحابة هم أئمة الدين بعد نبينا ﷺ وهم أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر؛ لأنهم أقرب الناس عهداً لنزول الوحي والتشريع، وهم الأقرب زماناً ومكاناً في صحبة النبي ﷺ، وهم عرب أقحاح، أهل اللغة والفصاحة، وأهل البيان والبلاغة، وهم الأعلم بمراد الله ﷻ ورسوله ﷺ مِن النصوص الشرعية.
٦- وهناك أسباب تدل على أهمية الرجوع إلى فهمهم وعلمهم لمعرفة حقيقة المراد من النصوص الشرعية، وتقديمه على غيره من الفهوم، وهي خصائص لا تجتمع في غيرهم، ومن أهم هذه الميزات:
* سلامة مصادرهم في التلقي؛ فقد أخذوا الإسلام عن النبي ﷺ مباشرة، وشرائعه مشاهدة، وأحكامه معاينه، من غير واسطة
٧- ومن الأسباب:
* سلامة منهجهم في فهم النصوص وسؤال النبيﷺ عمّا أشكل عليهم.
* سلامة فطرتهم؛ فلم تتلوث بأي شائبة من العقائد والوساوس والأفكار الدخيلة.
* أنهم كانوا أحرص الناس على العمل بما سمعوه، ولا يمكن العمل إلا عن فهم وعلم ودراية.
* أنهم أعلم الناس بلُغة القرآن، لغة العرب.
٨- ومن الأسباب:
* أن الصحابة شهدوا الوحي والتنزيل، فجبريل ينزل تارة في دار هذا وتارة في دار ذاك، وهذا أورثهم مزيد فهم لا يشاركهم فيه غيرهم
* أنهم أعظم الناس عقلا وفهما وحسّا وإدراكا، وأزكاهم وأنفذهم بصيرة. فالعلم نور يقذفه الله في قلب أوليائه المتقين، ولا أتقى من صحابة النبي ﷺ
٩- لذلك جاءت نصوص الوحيين بالأمر بالتمسك بنهج النبي ﷺ وصحابته، والسير على خطاهم.
قال تعالى: ﴿ومن يُشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ۖوساءت مصيرا﴾
وقال ﷻ: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق﴾
١٠- وقال النبي ﷺ: (أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمّتِي، فَإذَا ذَهَبَ أصحَابِي أتَى أُمّتي ما يُوعَدُونَ) رواه مسلم في صحيحه
وقال النبي ﷺ: (إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيراً، فعليكم بسُنتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجِذ) حديث صحيح
١١-وقال ﷺ
ما من نبي بعثه الله في أمةقبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لايفعلون ويفعلون ما لايؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن وليس وراءذلك من الإيمان حبة خردل
١٢- وقال النبيﷺ (إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاءٌ وأمور تنكرونها) رواه مسلم
وعندما سُئل النبيﷺ عن الفرقة الناجية من النار قال:(مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)
١٣- والنبي ﷺ بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وأنقذنا الله به من النار
قال ابن عمر: (يا ابن أخي، إن الله عز وجل قد بعث إلينا محمداً ﷺ ولا نعلم شيئاً، فإنما نفعل كما رأينا محمداً ﷺ يفعل)
قال أبو ذر: (لقد تركنا محمداً ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما)
١٤-ثم إن التابعين وتابعيهم قد حصل لهم من العلم بمراد الله ورسوله ما هو أقرب إلى منزلة الصحابة ممن هم دونهم؛ وذلك لملازمتهم لهم، واشتغالهم بالقرآن حفظاً وتفسيراً، وبالحديث رواية ودراية، ورحلاتهم في طلب الصحابة وطلب حديثهم وعلومهم مشهورة معروفة، والأخبار في ذلك مستفيضة
وهنا بعضها:
١٥- وقد شهد ﷺ للتابعين ومن تبعهم بالخيرية، قال النبي ﷺ (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) متفق عليه
وهذه الخيرية خيرية علم وإيمان وعمل.
وهم يصرحون بأن أفضل علمهم وعملهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم وعمل الصحابة. فهم يرون الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب.
١٦- ونحن لا ندّعي العصمة لآحاد الصحابة فضلاً عن ادّعائها للتابعين وغيرهم. وليس قول أفراد الصحابة حجة مطلقة معصومة دائماً. فلا عصمة إلا للأنبياء والرسل. ولكننا نقول أن اجتماعهم هو المعصوم، لقول النبي ﷺ (إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة) والمراد إجماع العلماء، ولا عبرة بإجماع العوام
١٧- فإن الفهم الصحيح لنصوص الكتاب والسُّنة هو الفهمُ الذي كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- بمجموعهم، وما اتّبَعه عليه التابعون وأتباعهم.
ومما نُدين الله به، أن فهمهم بمجموعهم لا يُخالف الكتاب والسُّنة، وكُلّ فهم للكتاب والسنة يخالف ما كانوا عليه بمجموعهم، فهو فهمٌ خاطئ لا محالة.
١٨- فليس فهم الصحابة مُستقل عن دلالة النصوص، وليس هو فهم خاص يكون بذاته واجب الاتباع، بل إن فهمهم لا يخرج عن مقصود الشريعة، لذلك فإن كل فهم يخالف فهمهم الذي اجتمعوا عليه فهو باطل.
فمن المحال أن يحرمهم الله ﷻ الفهم الصحيح للدين وهم خير الناس ثم يُوفق إلى فهمه الصحيح من جاء بعدهم
١٩- ومن يظن أن التسليم التام للوحي تعطيلا للعقل فقد أخطأ. فالتسليم للوحي ليس تعطيلاً للعقل؛ وإنما تعظيماً لخالق العقل. فالصانع أعلم بما صنع. ولا شك أن الله لم يخلق عقل الإنسان ليُعَطِّله، ولكنه لم يُنزل الوحي لِيُقَدّم عليه العقل، استخدم عقلك لكن لا تُعَارض به من خَلقك وخَلق عقلك
٢٠- وباجتماع العقل والنقل تُعرف الحقيقة الشرعية، وإذا تعارضا قُدِّم النقل على العقل. لأن النقل عِلم الخالق، والعقل عِلم المخلوق.
وقد يكون الرجل من أذكى الناس؛ ويعميه الله ﷻ عن أظهر الأشياء، وقد يكون من أبْلَد الناس؛ ويهديه لِمَا اختُلف فيه من الحق بإذنه. فلا حول ولا قوة إلا به.
٢١- فلا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا هم أعرف بالشريعة منهم. وإن أخطأ أحدهم فهو معذور مأجور، لا نُقلده ولا نُجرّحه.
ولو وقع بين بعضهم اختلاف في التضاد فلا يكون قول بعضهم حجة على بعضهم الآخر، بل يُرَدُّ ما اختلفوا فيه إلى الكتاب والسُّنة، ويرجّح ما رجّحه الدليل
٢٢- وكثير من الناس يزعمون اتّباع الراجح بين أقوال العلماء وأنهم حريصون على دينهم. بينما واقعهم أنهم يبحثون عن الرخص والتساهل في أقوال العلماء ثم يأخذون به. وهؤلاء لا يبحثون عن الحق، بل يبحثون عمّا وافق هواهم. متجاهلين أن تتبع رخص العلماء يفسد الدين. وقد قيل: "من تتبع الرخص تزندق"
٢٣- والعجيب أنهم يقولون: (النبي ﷺ ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما)
وهذا فهم سقيم، فاليُسر هو تطبيق الأحكام الشرعية كما جاءت في كتاب الله ﷻ وسنة نبيه ﷺ، من غير تشدد يحرم الحلال، ولا تميّع يُحلّل الحرام.
ومن اليسر:
* المريض يفطر
* المسافر يقصر الصلاة
* من لم يجد ماء يتيمم
٢٤- وليس اليُسر تتبع رخص العلماء والأخذ بالأسهل. فهذا تنصل من التكاليف الشرعية. والواجب على الشخص أن يختار من الأقوال أرجحها من حيث الدليل إن كان أهلاً للنظر والموازنة. وإن لم يكن فعليه أن يُقلد أوثقهم في نفسه علماً وديناً ووَرَعَاً. لا أن يأخذ أيسرهم ويظنه حجاباً بينه وبين النار
٢٥- وأما الذين يقولون (لا إنكار في مسائل الخلاف) وجعلوها ذريعة في سدّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فهؤلاء لا يعرفون حقيقة هذه المسألة، إما لجهلهم وإما رغبة في اتباع أهوائهم من غير إنكار عليهم.
ولو أننا قلنا بأن المسائل الخلافية لا يُنكر فيها على الإطلاق، ذهب الدين كلّه!
٢٦- والمسائل الخلافية أقسام وأنواع، منها ما هو سائغ ومنها ما هو شاذ، ومنها قوي ومنها ضعيف، وغير ذلك
فكون الإنسان العامي يرى قولين ويظن أن هذا خلاف وهو لا يعرف مرتبته ثم يقحم نفسه في أحدهما ويتبعه فهذا من أخطر الابتلاءات التي انتشرت في هذا الزمن
فلله المشتكى على ما وصل بنا الحال
٢٧- ومن أخطر أنواع الابتلاءات في هذا الزمن، هَوَان النصوص الشرعية وأحكام الدين على كثير من النفوس. فتجد كل واحد يتكلم برأيه، ويظن أنه بقوله (أتوقع، أظن، أعتقد) أنه يسلم من القول على الله بغير علم، وأنه إذا أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر، وهذا من أبشع صور الافتراء على الله عز وجل
٢٨- فلا يحل لأحد أن يفسر آية من كتاب الله أو حديث للنبيﷺ وهو لايعلم معناه وإنما يفسره بالظن والتخمين، لأن الأمر خطير. لأنك إذا فسرت آية إلى معنى من المعاني فقد شهدت على الله بأنه أراد كذا وكذا. وإذا فسرت حديث للنبي ﷺ وشرحته فقد شهدت على النبي ﷺ أنه أراد كذا وكذا. وهذا خطر عظيم
٢٩- ولا شك أن الأمة تمر عليها النوازل، ويحتاج المسلمون إلى معرفة حكم الله فيها، في أمور لم تكن في الأزمنة السابقة، كمعاملات البيوع الإلكترونية، والتلقيح الصناعي، والهندسة الوراثية، وغيرها.
فمن كان أهلاً للاجتهاد، وفق شروط الاجتهاد المعلومة، وجب عليه إرشاد الأمة.
وهذه هي الشروط:
٣٠- وفي الختام أقول:
ما خرجنا لنعيش في هذه الدنيا كما تعيش البهائم؛ نأكل ونشرب وننام فقط، بل لِكَي نعد الزاد للآخرة. فإن أردت الفوز والنجاة فاسلك طريق الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه. الذين يتنعمون في قبورهم، وسبقونا إلى الجنة
إن سلكت طريقهم فهنيئا لك
وإن تركته فلا تلومن إلا نفسك

جاري تحميل الاقتراحات...