خويلد
خويلد

@5welled

13 تغريدة 87 قراءة Jul 19, 2020
- أين الفضيلة ؟!
#المنفلوطي
فتشت عن «الفضيلة» في حوانيت التجار، فرأيت التاجر لصًّا في أثواب بائعٍ، وجدته يبيعني بدينارين ما ثمنه دينارٌ واحد، فعلمت أنه سارقٌ للدينار الثاني، ولو وُكِلَ إليَّ أمر القضاء ما هان عليَّ أن أعاقب لصوص الدراهم وأُغفل لصوص الدنانير ما دام كلٌّ منهما يسلبني مالي ويتغفَّلني عنه.
أنا لا أنكر على التاجر ربحه، ولكن أنكر عليه أن يتناول منه أكثر من الجزاء الذي يستحقه على جهد نفسه في جلب السلعة، وبذل راحته في صونها وإحرازها، وكل ما أعرف من الفرق بين حلال المال وحرامه أنَّ الأوَّل بدل الجِدِّ والعمل، والثاني بدل الغش والكذب
فتشت عن «الفضيلة» في مجالس القضاء، فرأيت أنَّ أعدل القضاة من يحرص الحرص كلَّه على ألا يهفوَ في تطبيق القانون الذي بين يديه، هفوةً يحاسبه عليها من منحه هذا الكرسيَّ الذي يجلس عليه مخافةَ أن يسلبه إياه !
أما إنصاف المظلوم والضرب على يد الظالم وإراحة الحقوق على أهلها وإنزال العقوبات منازلَها من الذنوب، فهي عنده ذيولٌ وأذنابٌ لا يأبه لها ولا يحتفل بشأنها إلا إذا أشرق عليها الكوكب بسعده فمشت مع القانون في طريقٍ واحد مصادفةً واتفاقًا.
فتشت عن «الفضيلة» في قصور الأغنياء، فرأيت الغنيَّ إمَّا شحيحًا أو متلافًا؛ أما الأول، فلو كان جارًا لبيت فاطمة — رضي الله عنها — وسمع في جوف الليل أنينها وأنين وَلدَيْها من الجوع ما مدَّ أصبعيه إلى أذنيه
ثقةً منه أنَّ قلبه المتحجر لا تنفُذه أشعة الرحمة، ولا تمرُّ بين طياته نسمات الإحسان. وأما الثاني، فمالُه بين ثغر الحسناء، وثغر الصهباء، فعلى يد أيِّ رجلٍ من هذين الرجلين تدخل الفضيلةُ قصورَ الأغنياء؟!
فتشت عنها في كل مكانٍ أعلم أنه تربتها وموطنها فلم أعثر بها، فليت شعري هل
أجدها في الحانات والمواخير، أو في مغارات اللصوص، أو بين جدران السجون؟!
سيقول كثيرٌ من الناس: «قد غلا الكاتب في حكمه وجاوز الحد في تقديره، فالفضيلة لا تزال تجد في صدور كثير من الناس صدرًا رحبًا، وموردًا عذبًا .
وإني قائلٌ لهم قبل أن يقولوا كلمتهم: «إني لا أنكر وجود الفضيلة ولكني أجهل مكانها، فقد عقد رياء الناس أمام عيني سحابةً سوداء أظلم لها بصري حتى ما أجد في صفحة السماء نجمًا لامعًا، ولا كوكبًا طالعًا.»
كل الناس يدَّعي #الفضيلة وينتحلها، وكلهم يلبس لباسها ويرتدي رداءها ويعد لها عُدَّتها، من منظرٍ يستهوي الأذكياء والأغبياء، ومظهر يخدع أسوأ الناس بالناس ظنًّا، فمن لي بالوصول إليها في هذا الظلام الحالك والليل الأَلْيَل؟
لقد سمج وجه الرذيلة في عيني، وثقل حديثها في مسمعي حتى أصبحت أتمنى أن أعيش بلا قلب، فلا أشعر بخير الحياة وشرها، وسرورها وحزنها.
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى
وصوَّت إنسانٌ فكدت أطير !
كتاب 📚 النظرات
لـ مصطفى لطفي #المنفلوطي

جاري تحميل الاقتراحات...