أوهو
أوهو

@Ou_Ho

10 تغريدة 180 قراءة Jul 14, 2020
تعالوا (بعيداً عن السياسة وصراعات الأيديولوجيا) أحكي لكم عن علاقة طلاب العمارة في جامعة دمشق بآيا صوفيا.
كان عندنا مدرس لنا اسمه "المهندس المعماري نزيه الكواكبي"، حلبي الأصل وضوحاً، لكنه عاش في دمشق وتخرج من جامعتها سنة 1975.
لم يحصل على الدبلوم أو الماجستير أو الدكتوراه إلا أنه كان قائما بتدريس أكثر المواد حرجاً في الكلية، والتي لا يرغب البقية بتدريسها لصعوبتها ولخلوها من الرياء والمظاهر. بقي عازباً ويتهامس الطلاب عنه "تزوج كلية العمارة" وكان آخر حياته حين درّسنا نزقاً وملولاً وكثير التذمر
من هذه المواد: تاريخ العِمارة 2 للسنة الثانية؛ عن العِمارة الإسلامية والمسيحية المبكرتين (فجر المسيحية البيزنطية، وصدر الإسلام، والأموية، وأشياء أخرى) درسنا طبعا المساجد المبكرة، الحرم المكي والكعبة المشرفة، والحرم النبوي، والحرم القدسي، ومساجد العراق والشام الأولى، وغيرها
وكذلك كنائس تحت الأرض كحنانيا، وكنائس الأراضي المقدسة، القيامة والمهد، والبازيليكا المبكرة: بطرس القديمة التي بنيت على أنقاضها المعروفة اليوم، وبولس خارج الأسوار، وفيتالي في رافينا، وكليمانت في لاتيرانو، وآيا صوفيا وآيا إرينا في اسطنبول.
وبالطبع القصور والحمامات الأموية في بلاد الشام، الجامع الأموي وقصر ابن وردان، وقصير عميرة، والحير، وحمام الصرح.
كذلك. وكنائس المدن المنسية المبهرة في سوريا التي أندم أن لم أزرها عام 2010 مع الأصدقاء؛ قلب اللوزة، وسرجيليا، وقلعة سمعان
أسلوب التدريس يعطيكم صورة عن عراقة الأستاذ نزيه، سردٌ قصصي مع slide projector؛ جهاز عتيق لتقنية إسقاط من نمط ما قبل الكمبيوتر، مع شرائح صغيرة عليها الصور؛ صور عتيقة جداً تضيء على الجدار في المدرج الصغير المظلم، ويشجعنا أن نأخذ الملاحظات رسماً، لا كتابةً!
في الامتحان، أربعة أسئلة أو خمسة، وعدة أبنية هي الأكثر احتمالاً لترد بينها، الجامع الأموي في دمشق، جامع قرطبة، كنيسة كليمنت في لاتيرانو، قلعة سمعان، وغيرها.
وبالطبع؛ بازيليكا آيا صوفيا!
والبازيليكا هي اسم نوع من الأبنية الرومانية العامة قديماً، تطور فيما بعد في العصور المسيحية لأشكال ووظائف أخرى منها الكنائس. وآيا صوفيا، كانت هاجس الطلاب، لصعوبة رسم مقطعها ومسقطها.
وبالطبع يكفيك أن ترسم مقطعها باتقان دون أي كلمة شارحة لتحصل على 25 علامة تامة!
إلى جانب كل هذا، كان على عاتق الأستاذ نزيه تدريسنا الهندسة الوصفية، والظل والمنظور، ومواد أخرى كثيرة تأسيسية درّسها لأجيال سابقة ولم يلحق جيلي أن يدرسه إياها. إضافة لتدريسه في المعهد الهندسي، وكلية الفنون، والمعهد المسرحي.
توفي وحيداً في منزله في حي المهاجرين مع كتبه 15-4-2009
يحفظ جيلنا من خريجي عمارة دمشق آيا صوفيا ومخططاتها عن ظهر قلب، وما زارها منا أحد!
دخلتها أول مرة مصادفة منذ سنوات. وشاهدت مسقط البناء على البوابة فأصابني الحنين، ثم دخلت فذهلت، ومر شريط الذكريات هذا كله فلهجت دون وعي -كما الكثير من زملائي:
"الله يرحمك ويحسن إليك يا أستاذ نزيه"

جاري تحميل الاقتراحات...