21 تغريدة 216 قراءة Jul 14, 2020
عاش ستمئة عام، له نصف جسم، لا عظم ولا عصب، فقط العنق والكتفين والجمجمة التي يطوى منها إلى ترقوته كما يطوى الثوب، قعيد لا يتحرك فيه شيء إلا لسانه
له رجل واحدة، يد واحدة، ونصف رأس
هذا أيها السادة وصف لأغرب وأقوى كاهن عرفته الجزيرة العربية قبل الإسلام
عن الكهنة قبل الإسلام سنحكي
لاشك تعرف هند بنت عتبة، تلك التي هي أم معاوية بن أبي سفيان
لكن ربما لا تعرف انها كانت متزوجة من رجل آخر قبل أبي سفيان، وقد كان اسمه الفاكه بن المغيرة
إذا عرفت هذا فاعلم أن هندا ليست هي موضوعنا بل هي الطريق التي بها سنمهد للحديث عن الكهنة والكهانة قبل الإسلام
في مجموعة من المصادر نجد زوج هند السابق الفاكه بن المغيرة كان يفتح بيته لعابري السبيل، وقد حدث يوما أن كان غائبا فجاء عابر سبيل فأدخلته هند وأمرت من معها في البيت بخدمته....
لما عاد الفاكه إلى البيت استشاط غضبا واتهم هندا بالزنى مع رجل آخر
هند لم تتقبل الاتهام، واعتبرته ضربا مبرحا في شرفها وهي من هي بين نساء قريش، لذلك أخبرت والدها الذي كان من أسياد القبيلة...الذي هو الآخر وجد في الاتهام تجريحا في كرامته...لذلك أخذ معه هند وتوجه إلى اليمن
هناك سيعرض القضية على أحد الكهنة حتى يعرف الصحيح في الموضوع
دخل عتبة وهند دار الكاهن، ثم جلست وسط مجموعة من النساء، فقام الكاهن واخذ يضرب على أكتافهن حتى وصل إلى هند فقال لها: ''قومي غير زانية، ولتلدين ملكا اسمه معاوية''
كان هذا الكلام صادما لعتبة، فهو لا يعرفهما ولا يعرف سبب تلك الزيارة، فكيف له أن يتنبأ بهذه الامر؟
المهم، عند عودة هند كان الفاكه قد تأكد من براءة زوجته، فجاء راغبا في صفحها ومسامحتها على ذلك الاتهام، لكنها رفضت ودفعته وهي تقول: ''إليك عني، إني لأرجو أن يكون هذا من'' غيرك
وهي تقصد الطلاق، لتتزوج رجلا أخر وهو أبو سفيان فولدت منه، ليصبح هذا الأخير ملكا في القادم من الأعوام
هذه الرواية موجودة في عدة مصادر، كل يحكيها بطريقة مختلفة فيضيف وينقص، لكن ما يهمنا فيها هو الدور الذي كان يلعبه الكهنة في المجال الروحي والديني عند القبائل العربية قبل الإسلام....فأن يرحل عتبة وهند من مكة إلى اليمن من أجل كاهن إنه لأمر يستحق أن نقف عنده بالتحليل والمناقشة
لنتابع الآن قصة أعرى أطقر تعبيرا ودلالة، مثبتة في كثير من المصادر، وتتعلق بعبد المطلب جد الرسول الكريم، فقد أنذر أنه لو رزق بعشرة أبناء ليكونوا له عصبة في قومه ويرفعون من شأنه، فسيذبح أحدهم قربانا للآلهة
وفعلا أنجب عبد المطلب عشرة أبناء, وقد حان وقت الوفاء بالنذر للآلهة
عبد المطلب وهو من هو في قومه، لا يمكن أن يرجع في كلامه، لذلك جمع ابناءه وعقد القرعة بينهم، فكان عبد الله هو الذي تم اختياره بالقرعة حتى يكون مصيره الذبح
هذا الأمر أثار حفيظة باقي الأبناء الذين رفضوا نهائيا أن يذبح أخوهم عبد الله، كما ان أخواله من بني النجار استاؤوا للأمر
عبد المطلب واصل اصراره وعزمه على ذبح عبد الله أمام هبل، إلا أن سادة قريش تدخلوا واتفقوا معه على السفر إلى كاهن في يثرب ليجد لهم المخرج...
هناك سألهم الكاهن: ''كم فدية الرجل منكم؟''
فردوا: عشرة من الإبل...
فجلس يفكر ثم جاءهم بالحل
قال الكاهن: ارجعوا إلى بلادكم، وقرّبوا عشراً من الإبل واضربوا عليها وعلى صاحبكم القداح فإن خرجت القرعة على صاحبكم فزيدوا عشراً، حتى يرضى ربُّكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربُّكم ونجا صاحبكم وكانت عنه فداء".
وفعلا هذا ما حصل ونجى عبد الله من الذبح
من القصتين نفهم المكانة التي كان يتمتع بها الكهنة في المجتمع العربي قبل الإسلام، فقد كانوا يتمتعون بموهبة خارقة اختلف العلماء في تفسيرها، فهناك من يزعم أن لهم حضوة لدى السماء، وهناك من ربط ذلك بتعاقدات مع الجن، في حين أن بعضهم تحدث عن كائنات غيبية معهم في اتصال دائم
وهم فعلا موهوبون، فالكاهن كان يتمتع بالحكمة والفراسة والذكاء، وكانت له قدرة على الإقناع وتركيب القول المسجوع المنظم
أما حول نبوءاته فهو في الغالب على اتصال بحني او تابع يأتيه بالأحبار ويسترق السمع من السماء
هذه البراعة سنجدها بشكل قوي عند الذي وصفناه في بداية هذا الثريد، وهو سطيح الغساني، فهو كاهن من أخطر الكهنة وأكثرهم فراسة وتأثيرا عند العرب رغم أن جسمه لم يكن مكتملا، وقضى عمره وهو قعيد على الأرض لا يحرك إلا لسانه، ولا يتململ إلا ليطوي ضهره اللين، ولذلك سمي بسطيح
قال ابن عباس رضي الله عنهما : " لم يكن شيء من بني آدم يشبه سطيحا، إنما كان لحما على وضم، ليس فيه عظم ولا عصب إلا في رأسه وعينيه وكفيه، وكان يُطوى كما يُطوى الثوب من رجليه إلى عنقه ولم يكن فيه شيء يتحرك إلا لسانه"
وقال الفيروز آبادي: سطيح، كاهن بني ذئب، ما كان فيه عظم سوى رأسه، وزاد الزبيدي: كان أبدا منبسطا منسطحا على الأرض لا يقدر على قيام ولا قعود، ويقال: كان يطوى كما تطوى الحصيرة ويتكلم بكل أعجوبة
سطيح هذا مرعب في كهانته وفراسته، حتى انك لا تتخيل أن هذا الجسد المهترئ سيصدر منه نبوءات لم يسبقه لا أحد، فكان أول من تنبأ برسول سيبعث في مكة، كما هو مثبت في قصته مع ملك اليمن ربيعة بن مضر عندما طلب منه تفسيرا لحلم مقلق أوجعه في المنام
حينها تنبأ بأن اليمن سيحتلها الأحباش السود بعد موت الملك بستين عاما او سبعين، ثم يخرجون ليحكم بعدهم سيف بن دي يزن، ثم يستمر حكمه حتى يقطعه نبي زكي يأتيه الوحي من الله العلي، وهو من ولد عدنان بن فهر بن مالك بن نضر يكون له الملك في قومه إلى آخر الدهر، ثم يأتي يوم البعث
ما تنبأ به سطيح وقع بالفعل، وهذا ما ينطبق على جميع توقعاته وتنبؤاته الكثيرة...وقد كان مقصدا للناس من كل انحاء جزيرة العرب، والغريب أنه قبل أن ينطق المرء بحاجته ينبئه بها وبتفاصيل الغرض الذي جاء من أجله، حتى ذهب كثير من الناس إلى اعتباره جنيا في هيئة انسان، خصوصا أنه عاش ستة قرون
الحديث عن عجائب وغرائب سطيج الغساني يحتاج منا يوما بأكمله ولن ننتهي، وهو نفس الأمر ينطبق على كثير من الكهنة الذين أثروا في التاريخ الروحي والعقائدي العربي قبل الإسلام،
أما بعد الإسلام فأن أمرهم بقي محيرا، وصاروا مصدر خلاف حول تصنيفهم من الإنس أو الجان
هذا الموضوع يحتاج إلى رجعة أخرى، لأنه أعمق من أن نعالجه في هذا الثريد

جاري تحميل الاقتراحات...