16 تغريدة 27 قراءة Jul 12, 2020
يعيش في فقر مدقع كالمتسول، زاهد إلى حد لا يطاق...لذلك اعتقد الحاكم أنه سيتذلل ويتدحرج كما يفعل السفهاء من الرعية
وقف عليه ذات مرة فوجده مستلقيا في العراء الجوع، ثم سأله: بماذا أستطيع أن أخدمك؟
أجابه: أرجوك أن تتحرك لأنك تحجب عني نور الشمس!
إنه ديوجين وعنه سنحكي🌹
الحاكم في القصة هو ألكسندر المقدوني، أما ديوجين فهو فيلسوف شهير عاش في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد، وهو من أكبر رواد المدرسة الكلبية التي تعد من المذاهب الفلسفية والفكرية، والتي يدعوا أصحابها إلى عيش الحياة بشكلها الطبيعي، مع التخلي عن زينتها ومغرياتها
بعد هذه الواقعة التي حصلت له مع الاكسندر المقدوني، يذكر المؤرخين أن هذا الأخير قال: لو لم أكن الاسكندر لوددت أن أكون ديوجانس».
دوجانس يقصد بها ديوجين، ومن هنا نعرف ان هذا الرجل رغم تشرده وفقره كانت له مكانة في بلاط الحكم وذلك لما له من علم وحكمة
حسنا، دعونا الآن نتحدث عن حياة هذا الفيلسوف المثير للجدل، ولعل أول ما نبدأ به هو موطن ولادته الذي كان في سينوب عام 421 قبل الميلاد، ونذكر هنا ان والده كان يعمل في دار سكة النقود، فقام ببعض الإختلاسات لذلك سيتم نفيه إلى أثينا، هناك ستبدأ رحلة ديوجين مع الفلسفة
إذا فصلنا في رحلته للستقرار في أثينا فـإننا سنتيه وتتيه معنا، لأن هناك مجموعة من الأحداث خلقها هذا الرجل قبل استقراره الأخير. لذلك دعنا نكتفي بأن نتحدث عن تعليمه، فأستاذه كان هو أحد تلامذة سقراط، ويدعى ''أنتيثينس'. هذا الأخير الذي واجه العديد من المصاعب لترويض ديوجين في محاضراته
قطعا هو كان كلبيا قبل أن يدخل محاضرات أنتيثينس ، لأن الثابت في المصادر أنه بدأ حياته الكلبية قيل وصوله لأثينا،لذلك دخل في عدة جدالات ومنازعات مع العديد من الفلاسفة منهم أفلاطون، لذلك فإن أنتيثينس رفض أن يكون ضمن تلاميذه في الوهلة الأولى وما كان ليقبل إلا بعد إلحاح غريب من ديوجين
وتروي العديد من القصص أن أستاذه أنتيثينس قام بضربه أكثر من مرة بغية تنفيره، إلا أن ديوجين كان رده دائما:اضربني كما تشاء، لكنك لن تجد أبداً عصاً أصلب من تصميمي على البقاء والاستماع لما تقوله، طالما أنه يستحق الاستماع
ولعل هذا السلوك في حب العلم يعد من أهم مبادئ المدرسة الرواقية
وحتى لا تتوه في هذه المصطلحات الفلسفية، فاسمح لي أن أشرح لك الأمور ببساطة: فالرواقيون يدعون إلى الفضيلة والعلم كأهم الأسس التي ينبني عليها الخير في الحياة...وهذا لحد كبير ما تتقاطع فيه مع المدرسة الكلبية لديوجين ورفاقه، مع إختلاف في تفاصيل أخرى
ولو تقبل مني تحليلي الشخصي سأقول لك: إن الكلبية هي الوجه المبالغ فيه للرواقية التي من أبرز روادها لوكيوس سينيكا الذي قلت لك في الثريد السابق أنه دفع الثمن غاليا عندما نفته السيدة المحترمة ميسالينا
هل فهمت؟
على العموم فلنتابع
حسنا، دعني أقول لك أن ديوجين كان من أكبر دعاة الفضيلة، وقد دعى لمجموعة من المبادئ التي دعى لها سقراط قبله دون أن يدري بذلك...وهذا يعني أن فلسفته كانت فطرية للغاية
وهنا سأحكي لك قصة عن علاقته بالفضيلة لكي أخرجك من هذه الدوامة
كان ديوجين معروفا في أثينا بمصباحه الذي كان يحمله في وضح النهار ويتجول به في شوارع المدينة بحالته الرثة وكانه يتسول...فإذا سأله الناس: لماذا تحمل المصباح؟ يجيبهم: بهذا المصباح أبحث عن الفضيلة..
زفي رواية أخرى: أبحث عن رجل
فبالنسبة له لا توجد الفضيلة في مدينة أفلاطون الفاضلة، أو ربما لا يوجد رجل، فكل من يلقاهم لا يرا فيهم إلى كائنات عديمة الفائدة
وبما أننا ذكرنا أفلاطون فاسمح لي ان أقص عليك قصة أخرى لعلك تفهم أن ديوحين لم يكن مجنونا
كان ديوجين يحضر بعض دروس أفلاطون، وقد كان كالتلميذ المشاغب الذي دائما يفسد الدرس عن عمد بمجادلاته، وقد كان أفلاطون يردد دائما أن الإنسان حيوان دون ريش، بمعنى أن الفرق بين الحيوان والإنسان هو الريش على الجسد
هذ الأمر لم يعجب ديوحين
لذلك وبينما أفلاطون يحاضر أمام طلابه حتى دخل عليه ديوجين بديك نزع عنه ريشه ورمى به بين يدي أفلاطون وهو يسخر منه صارخا: ها هو انسانك..
وهنا لابد أن أخبرك بطريقة عيش ديوجين حتى أنقلك وإلى الفكرة الأساسية لهذا الثريد: ديوجين عاش متشردا، فقيرا، متسولا للرزق من الآخرين...وقد عرف عليه أنه كان يمضي ليله ونهاره في برميل، هناك ينام ويطبخ..وقد بقي على هذا الحال حتى غادر الحياة
هذا الوضع يجعلني ويجعل كل من فهم تفكير هذا الرجل، يتوصل إلى أن الفرق بينه وبين باقي الفلاسفة، هو انهم كانوا يدعون للفضيلة نظريا بيبنما ديوجين نقلها إلى أرض الواقع، وذلك عكس الرواقيين، بل وحتى الكلبيين قبله

جاري تحميل الاقتراحات...