عبدالرحمن المنذري
عبدالرحمن المنذري

@abdurahman109

36 تغريدة 32 قراءة Jul 11, 2020
بسم الله نستعين ونتوكل
(١)
"أياصوفيا
نُشرت سنة ۱۹٦٦
كانت الدولة العثمانية ثالثة الدولتين الكبيرتين: الأموية والعباسية، تسلمت الحكم والوطن الإسلامي رقع ممزقة ومِزَقٌ مرقعة، فوحّدت صِبغته ومدّدت رقعته، وضمت إليه بلادا لم يبلغها فتح عقبة ولا قتيبة ولا طارق،
حتى رفرفت راية الهلال
(٢)
على ما بين الأهواز والنمسا وأدرنة وصنعاء.
وهال دول النصرانية أن يلوح هلال الدولة المسلمة فوق الصلبان وأن يعلو على رنين النواقيس صوت الأذان، فاجتمعت كلها عليها ودأبت الدهرَ الأطولَ عاملةً على حربها، وأعانها عليها نفر منها، ظواهرهم مسلمة وبواطنهم كافرة، هم جماعة الاتحاديين...
(٣)
وهم من يهود سلانيك الذين اتخذوا الإسلام جِنّة يسترون بها كفر قلوبهم،خرجوا على السلطان عبدالحميد وافتروا عليه الكذب وصوّروه بغير صورته،فأخذنا الصورة التي صوروها وصدقنا الفرى التي افتروها.وما نقموا منه إلا أنه كان-على سوء أسلوبه في الحكم-مسلمة عامة لرفعة الإسلام ووحدة المسلمين.
(٤)
ثم جاؤوا للأمة الواحدة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي يجمع الإسلام بين عربيّها وعجميّها وهندیّها و کردّها فقالوا (ترك) فقال المقلدون من العرب (عرب)، فقال الفرس (فرس) والأكراد (كُرد)، فانقسمت الأمة الواحدة أممًا واستحالت قوتها ضعفًا، وكان بأسها على عدوها فصار بأسها بينها،
(٥)
وكان ذلك ما يريد أعداؤها. ثم دخلوا الحرب التي لم يكن للعثمانيين فيها ناقة ولا جمل فأضاعوا بها الدولة وأضاعوا المسلمين.
ولما تحقق لأعداء الإسلام الأمل الذي أملوه قرونا طوالا وبلغوا ما كانوا يبتغون وهَوَى هذا الصرح العظيم صرح الخلافة الثالثة...
(٦)
، هزّت الفرحة أعداء الإسلام هزة سقطت منها الأقنعة وجوههم فبدوا على طبيعتهم، وجهروا بالعداوة وأظهروا الشماتة، وكتب صحفي نصراني كان في الشام تلك الأيام مقالة حشوها السم وملؤها اللؤم ، عنوانها : « مات الرجل المريض »، وتألمنا منها ولكن ما تكلمنا.
(٧)
فلما قام مصطفی کمال متظاهرًا بالدفاع عن عزة الدين وكرامة المسلمين، ووثبت معه تلك النفوس المؤمنة من أهل الأناضول فحاربوا مجاهدين في سبيل الله، وطَرَدوا اليونان من إزمير وأخرجوا الحلفاء من البلاد وبنوا النصر من أنقاض الهزيمة، انقلبت الآية، فكانت الفرحة للمسلمين و...
(٨)
الغصة في قلوب الكافرين ، فكتب الأستاذ معروف الأرناؤوط رحمه الله مقالة عنوانها «بعث الرجل الميت»، كانت إحدى روائع ذلك ذلك القلم العبقري.
ومرت الأيام فظهرت الخوافي وبرزت المخبّآت، فإذا الرجل ينزعُ عنه جلد الغازي مصطفی کمال ويلبس جلد أتاتورك،...
(٩)
ويأخذ في محاربة الإسلام ونقض بنائه في بلاد الترك حجرة حجرة وحل عُراه عروة عروة، حتى وصل إلى « أياصوفيا » التي أكرمها الله حين شرف تلك الديار بالإسلام فجعلها مسجدا ، فعاد بها فجعلها متحفا، ولولا الخوف لأرجعها كنيسة!
(١٠)
وروّع ذلك القلوب المسلمة وآلمها وحزّ فيها، وانطلقت تقول فيه الألسنة والأقلام، فكان مما قيل مطلع قصيدة لحافظ إبراهيم ما أتمها ، ولو أتمها لكانت أروع مما قال:
أيا صوفيا حان التفرّقُ فاذكري
عهودَ کِرامٍ فيكِ صلوا وسلّمُوا
(١١)
إذا عدت يوما للصليب وأهله
وحلّی نواحِيَكِ المسيحُ ومريمُ
فلا تنــكري عـهدَ المــآذن إنه
على الله من عهد النواقيس أكرمُ
وكنتُ يومئذ في مكة، فكتبت مقالة نشرت بعدُ في الرسالة (سنة ۱٩٣٥) كان مما قلت فيها : إن تلك العصبة لم يَشْفِ غیظ قلوبها كل ما صنعته بالإسلام...
(١٢)
وما أنزلته بأهله، فعمدت إلى بيت من بيوت الله تقام فيه شعائر الله فجعلته بيتا للأصنام ومثابة للوثنية! أماتت فيه التوحيد وأحيت فيه الشرك، وطمست منه آيَ القرآن وأظهرت فيه الصور والأوثان. لم تَضِقْ بها الأرض حتى ما تجد مكانا لمتحفها هذا إلا المسجد الجامع،...
(١٣)
ولكن النفوس الملحدة ضاقت بهذا المسجد، وأحس أصحابها كأن هذه المآذن في عيونهم وكأنّ هذه القبة على ظهورهم، وغشيت أبصارهم من نور الله فأرادوا ليطفئوه بأفواههم ويمنعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، فعُطّلت الصلاة في أياصوفيا فلا تقام فيه صلاة بعد اليوم...
(١٤)
وسكت المؤذن فلا يدعو في مآذنها إلى الله ولا يصعد بالتهليل والتكبير ، ونأى عنها المؤمنون فلا يدخلونها إلا مستعمرين باكين، يندُبون فيها مجد الإسلام وعظمة الخلافة وجلالة السلطان. وذل فيها المسلمون وصاروا غرباء عنها، وهم أصحابها وأهلوها، وعز فيها المشركون،
(١٥)
وشعروا أن أياصوفيا قد خُتمت فيها صفحة الإسلام باسم أتاتورك كما فتحت باسم محمد الفاتح. أياصوفيا التي صيح في مآذنها (۸۷۲۳٥٠) مرة (حي على الصلاة ،حي على الفلاح ،الله أكبر الله أكبر ،لا إله إلا الله)، فاصطف فيها المسلمون خاشعة أبصارهم، مؤمنة قلوبهم ، ساكنة جوارحهم...
(١٦)
قد وضعوا الدنيا تحت أقدامهم ودر آذانهم وأقبلوا على الله بخشوع وإخلاص، فجزاهم بما خشعوا وأخلصوا قلوبا استنارت بالإيمان وعمرت بالیقین، كان القلب منها وهو يخفق بين جوانح صاحبه أكبر من الأرض وهي تجري في ملكوت الله، فملكوا بهذه القلوب الأرض وفتحوا بها العالم.
(١٧)
أياصوفيا، التي بات فيها المسلمون (۱۷٤٤٧٠) ليلة، ولهم في جوفها دَوِيٌّ بالتسبيح والتكبير والتهليل کدوي النحل، وما في أرضها شبر لم يكن موطئ قدم مصلٍّ أو مجلس قارئ أو مقام ذاكر أو مقعد مدرس أو سامع، ولم يكن يحصي إلا الله كم خُتِمَ فيها من ختمة وكم ألقي فيها من درس،
(١٨)
وكم ذُكر فيها الله وكم أقيمت فيها الصلاة!
أياصوفيا التي يشهد كل حجر فيها وتشهد أرضها وسماؤها ، وتشهد قبتها المشمخرة وتشهد مآذنها السامقة، ويشهد الناس ويشهد الله وملائكته، أنها بيت من بيوت الله وحصن من حصون التوحيد ودار من دور العبادة.
(١٩)
أياصوفيا تعود للجبت والطاغوت وتحمل الصور والأصنام ، ويخسرها الإسلام والشرق ليربحها الكفر والغرب؟! لقد أُرِيقت حول أياصوفيا دماء زكية وأُزْهِقت في سبيل أياصوفيا أرواح طاهرة، من لدن معاوية (يوم حاول المسلمون فتحها لنور الإسلام يقودهم مسلمة بن عبد الملك) إلى عهد الفاتح...
(٢٠)
إلى عهد عبد الحميد؛ أفراحت الدماء هدرة وذهبت النفوس ضیاعا، وعادت بعد سبع وثمانين وأربعمئة سنة وكأنه لم يذكر فيها الله ولم يتل فيها القرآن ، ولم يقف في محرابها الأئمة ولم تتجاوب مآذنها بالآذان؟!
(٢١)
لقد بنى المسلمون هذا المجد على جماجمهم، وسقوه بدمائهم، وحموه بسيوفهم، ثم وقفوه على الإسلام. أفيأتي في ذيل الزمان من يعبث بالوقف ويهزأ بالدماء ويلعب بالجماجم، ثم لا يردعه رادع ولا يعظه واعظ؟!
(٢٢)
وانتهت المقالة، ولكن لم ينته العقل من التفكر ولا القلب من التحسر. لقد كنا نرد كذب أقوال أعدائنا بصادق أفعالنا ، يقولون ونفعل، فهل صاروا يفعلون ولا نملك نحن إلا الأقوال؟!
(٢٣)
وانتظرت أن تنجلي الغمة فأكتب مقالة مثل مقالة معروف ، ولكن الغمة لم تنكل بل ازدادت شدة؛ لقد كرت السنة بعد السنة والخطب يعظم والكفر يقوى، والمؤمنون ينتظرون الفرج فلا يلقونه، حتى شك الضعاف وارتاع أصحاب اليقين وقالوا: متى نصر الله؟ من يقف في وجوه هؤلاء الطغاة والدولة لهم،
(٢٤)
ومال الأمة معهم، وسلاحها الذي اشترته بمالها وأعدته لمحاربة عدوها وضعوا أيديهم عليه، ثم وجهوه إلى صدور الذين دفعوا ثمنه يرغمونهم به على ترك دينهم والخروج من إسلامهم، وهم إنما اشتروه ليحموا به الدين ويدفعوا به عن الإسلام؟ لقد صال هؤلاء الطغاة وجالوا، ووقفوا وحدهم في الميدان..
(٢٥)
يتحدون الشعب الأعزل العاجز،ينادون: هل من مبارز؟فكيف يبارز المدجج بالسلاح المؤيد بالمال من لا مال لديه ولا سلاح؟أترد الرصاص الصدور أم هل تدفع الأسنة النحور وكدت أيأس،لولا أن ذكرت أن اليأس حرام في نظر الإسلام وأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
(٢٦)
لما كدنا نيأس فتح الله لنا باب الفرج. كنا نظن أنه لا يستطيع أحد أن يقف في وجوه هؤلاء الملحدين لأن معهم السلاح ومعهم الدولة ومعهم المال، فأراد الله أن يري الناس أن النصر ليس بالسلاح ولا بالدولة ولا بالمال ، بل بالإخلاص لله والعمل ابتغاء وجهه، فبعث من يقف في وجوههم.
(٢٧)
لم يبعثه قائدا معه الجند ولا زعيما له الأعوان ولا غنيا عنده الملايين، بل شيخا ليس عنده شيء من ذلك كله، ولكن عنده ما هو أكبر من ذلك كله، عنده الإيمان. وحمل الشيخ(يعني الشيخ سعيد النُّورْسي) مشعل «النور» فأقبل عليه الشبان...
(٢٨)
، الشبان الذين عمل الملحدون من نحو خمسين سنة إلى الآن على نزع الإسلام من قلوبهم، بمناهج المدارس ومقالات الصحف والقوانين والنظم والترغيب والترهيب، حتى إذا ظنوا أنهم قد نجحوا وأنهم وصلوا، وأنهم نالوا ما أملوا وبلغوا ما تمنوا وحسبوا أن الإسلام قد مات في تركيا الجديدة...
(٢٩)
ألهم الله شيخا واحدًا أن يقول كلمة الإسلام بإخلاص، فإذا هو يهدم في يوم واحد ما بنوه في خمسين سنة، وإذا الإسلام ينبعث حيا قوية، لا في نفوس الشيوخ والعجائز الذين أدركوا عهد ما قبل الجمهورية، بل في نفوس هؤلاء الشبان النوريين.
(٣٠)
وسَرَت دعوته کما تسري أشعة الفجر الأولى في ظلمة السحر ومشت کمشي البُرء في أوصال المريض، قوية ولكنها خفية، حتی إذا حان موعد الفجر الأول بدت للعيان على يد مندریس وصحبه، فعاد المسلمون إلى المساجد ورجعوا إلى القرآن، وعز الدين، وسمع المسلمون في تركيا الأذان...
(٣١)
إن فجر مندريس كان الفجر الأول، ولا بد أن تعقبه ظلمة طفيفة هي ذيل سجف الليل. لقد جمع الكفر قوته ووثب مثل وثبة الديك المذبوح ، فظنها الرائي من بعيد علامة الحياة ، وإنها لأمارة الموت. لقد ذهب في هذه الوثبة مندريس رحمه الله، ولكن ضیاء الفجر لم يذهب.
(٣٢)
فيا أيها القراء، إن العاقبة للإسلام؛ إن نور الإسلام لا يمكن أن ينطفئ، وإذا جال الباطل جولة فإن العاقبة دائما للحق. أرأيتم السنديانة الضخمة التي مشت في الأرض جذورها وامتدت في الجو فروعها، يأتي من يقطع غصنة من غصونها أو يعمل فأسه في ساقها حتى يظن أنه قد اجتثها من فوق الأرض
(٣٣)
وأنها لن تنبت أبدًا؟ إنها تنام قليلا حتى ينمو من حولها الكلأ (العشب) وتعلو الحشائش حتى تغطيها، فإذا هي تنشق عن فرع جديد يظهر صغيرا ضعيفا كأنه بعض ذلك الكلأ، ولكن يجف الكلأ ويموت ويبقى هذا الفرع، حتى يقوى ويعلو ويصير دوحة جديدة باسقةَ الذُرى وارفة الظلال.
(٣٤)
هذا هو مثال الإسلام؛كلما كاد له أعداؤه وحاولوا أن يطفئوا نوره انتفض فعاد أقوى مما كان،وكلما حاقت به الشدائد والمحن كانت له حياة جديدة.فثقوا بأن العاقبة للتقوى،وليعلم كل عدو للإسلام أن العاقبة للإسلام، وليؤمل المبتلون المعذبون بنصر الله في الدنيا ويثقوا بحسن ثوابه في الآخرة.
(٣٥)
إن الليل مهما طال لا بد له من آخر، وستطلع شمس الإسلام على النفوس فتكسف فيها شموع المذاهب والنحل والأباطيل، وتجيء عصا موسى فتَلْقُفَ تهاويلَ السّحر، ويصحو النائمون فتمّحي مشاهد الرؤى وتذهب أضغاث الأحلام"
كتبه: الأديب الكبير علي الطنطاوي
منقول بتصرف.
#اياصوفيا

جاري تحميل الاقتراحات...