في عام 1994 تم تفجير أشهر القضاياة الَّتِي هزت العالم في تسعينيات القرن العشرين وأدان فيها رجال أعمال وساسة فرنسيون بقضاياة اختلاس استحوذوا من خلالها على العديد من الأموال من خلال صفقات مشبوهة أتمتها شركة "Elf Aquitaine".
هذه الشركة تأسست في أواسط الستينات بأمرٍ من الجنرال "شارل ديغول" لانه كان يرى أن "باريس" لا يُمكنها أن تكون قوة عالمية ما لم تتمتع باستغلال جميع منابع النفط والطاقة في افريقيا وكان هذا علي يد مستشاره الشخصي "Jacques Foccart" وهو كان مؤسس ما يعرف "france-afrique ".
وقد عملت هذه المؤسسة على انشاء شبكات نفوذ استطاعت عبرها "باريس" أن تبسط هيمنتها ونفوذها على مستعمراتها القديمة بإفريقيا وكثيرا ما كان يلقب Foccart "ملك إفريقيا في الإليزيه " وحتى إن لم يظهر كثيرا على الساحة السياسية الفرنسية إلا أنه عمل في الظل في فترة "ديغول"
وFoccart كان يتبع استراتيجية تمثلت خاصة في تقديم المساعدة للوصول إلى الحكم لأشخاص يعرف عنهم ولائهم الشديد لفرنسا وغير عمليات الاغتيال والتصفية الجسدية لكل زعماء حركات التحرر ولمن عرف عنهم دفاعهم المستميت عن مبادئ الاستقلال "السياسي - الاقتصادي" التام عن قصر الاليزيه.
في نطاق شراكة france-afrique تورطت الجهات الفاعلة الرئيسة في الشركة للتجارة في الأسلحة، فالحرب التي اندلعت في جمهورية "الكونغو" بين الشمال والجنوب في عام 1997م والتي نجمت عن الصراع بين " ليسوبا" المدعوم من شركة OXXY الأمريكية وبين منافسه " نجيسو" المدعوم من Elf Aquitaine.
الشركتين قد رتبوا قروضآ مدعومة بالنفط لتمويل شحنات للأسلحة غير أن بعد وصول ساسو نجيسو إلى السلطة استحوذت شركة "Elf Aquitaine" على أكبر احتياطي نفطي في الكونغو .
لضمان تدفق النفط الأفريقي كان علي فرنسا وضع آلية لحماية الأنظمة الموالية والتخلص من المناوئة، وضمان الانتقال السلس للسلطة عند الحاجة وفي ضوء هذا التحدي قرروا وضع يد الدولة على الشركة بدل تحكم رجال الاعمال الفرنسيين وكان هذا مدفوعًا بأمرين أولهما:
إضفاء طابع رسمي على الشركة بما يسهل التدخل الرسمي لصالحها لدى الحكومات الأفريقية في وجه المنافسة الشرسة للشركات الأميركية والصينية. أما الدافع الثاني فالاطمئنان إلى ضمان استمرار حصولها على النفط الأفريقي الحيوي لاستقلالها في مجال الطاقة والضامن لعدم تأثرها بتقلبات السوق العالمية
ومن بعدها قد ظلت الشركة تخدم التحولات وغسيل الاموال التي كانت تستفيد منها النخب الحاكمة في فرنسا، الرؤساء الأفارقة التي كانت توفر الشركة واستثماراتها المشبوهة غطاءً مريحًا لهم، من أجل تبييض أموالهم وأملاكهم العقارية في فرنسا وأوروبا عموما.
قد تفجرت فضيحة شركة Elf Aquitaine عام 1994 إثرَ كشف لجنة مراقبة عمليات البورصة تمويلاتٍ مشبوهة للشركة ومصرف "Le Crédit Lyonnais" لشركة للنسيج تُدعى "Biedermann" نسبة إلى مالكها Maurice Biedermann الذي سينكشف ضلوعه في الفضيحة.
وقد بينت التحريات "الأولية" وجود شبكة واسعة تمارس الرشوة والتزوير في إجراء تحويلات مالية كبيرة تم جنيها من نشاطات الشركة في أفريقيا، ويتم توجيهها إلى فرنسا عبر مصارف أوروبية خاصة خدمة لرجال سياسية وأعمال فرنسيين وأفارقة،
وقد تسببت تلك الاتهامات بسيل من الدعاوى طاولت اصحاب ارفع المراتب، وكان منهم وزير الخارجية السابق "رولان دوما" كما تبين أيضا أنَّ شركة Biedermann للنسيج كانت ليست إلا واجهة لتبييض الأموال التي تحولها الشركة النفطية لفائدة شخصيات سياسية فرنسية من "اليمين المحافظ -اليمين الليبرالي"
باختصار قد اظهرت التحقيقات مدى تلوث الحياة السياسية الفرنسية بالمال الخارجي القادم من أفريقيا بطرق غير قانونية. وكانت هناك العديد من الاقاويل تشير ان هناك أيادي أمريكية تسببت في اثارة هذا الملف لان في تلك الفترة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة
وذلك كان يعني بالنسبة لفرنسا نهاية مباركة الغرب لدورها كدركي مؤتمن على أفريقيا الفرانكفونية في مواجهة التهديد الشيوعي، وحينها بدأ يُزاحم البيت الأبيض قصر الاليزيه على موارد الطاقة والمعادن في مستعمراتها الأفريقية السابقة.
اتهم في القضية 40 شخصا من رجال أعمال وساسة تم ايجاد في حساباتهم وجودَ تحويلات بملايين الفرانكات الفرنسية من الشركة. كما وجد في حساب وزير خارجية الرئيس الفرنسي "السابق" (فرانسو ميتران) رولان دوما في حسابه لخاص مبلغ 15 مليون فرنك فرنسي منها ثلاثة ملايين فرنك نقدا
وقد حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات منها واحدة نافذة وغرامة مالية كبيرة. وكشفت التحقيقات ايضا عن علاقة سرية كانت تربط "رولان ديما" بسيدة كانت تستحوذ على حسابات بسويسرا بها أكثر من 50 مليون فرنك فرنسي.
وطالت التحقيقات ايضا الرئيس الأسبق "جاك شيراك" إذ عُثر على تحويلات لشركة Biedermann يُعتقد أنها كانت موجهة لدعم حملته الانتخابية. واعتُقل ايضا Loik Le Floch-Prigent رئيس الشركة النفطية بين 1989 و1993 وحكم عليه بالسجن خمس سنوات بحكم أنّه المسؤول الأول عن الفضيحة.
وبعد أن أُخلي سبيله عام 1996 تم اعتقاله في 2002 مجددا رغم أنه كان حينها مديرا للشركة الوطنية "للسكك الحديدية" وقد دفع تداخل نطاق التحقيقات مع المصالح الإستراتيجية للدولة بإلى رفع صفة أسرار الدفاع عن عدد من الوثائق التي كان القضاة يحتاجون إليها.
وقد تم القبض علي 50 شخصا جديدا علي خلفية القضية وحُكم على 35 منهم بمدد سجن متفاوتة وبإرجاع الأموال التي استحوذوا عليها في سياق الفضيحة التي لم يُغلق القضاء جزءها المتعلق بالرشوة والاختلال المالي إلا عام 2010.
هذه القضية قد كشفت كيف تعمل الدبلوماسية الفرنسية في إطارا "مافيويا"، في الظل بعيدا عن كل رقابة "سياسية - تشريعية" وإنْ كان مراقبون في فرنسا وأفريقيا يعتقدون أنّ شبكات Jacques Foccart لا تزال قائمة ولكنّها وجدت مناهج وآليات أخرى للعمل بشكل أكثر سرية مستفيدة من العولمة
وما تتيحه من أسباب التخفي وسهولة تنقل رؤوس الأموال الأجنبية وإنشاء الشركات متعددة الجنسيات.
وقد انتهت التحقيقات بخصخصة الشركة والاندماج مع شركة "توتال" ورغم ما تعلنه النخب الفرنسية الحاكمة عن انتهاء شبكات Foccart لكن العديد من شواهد تقول عكس ذلك في السياسات التي تمارسها فرنسا في مالي والكونغو وبنين وتوغو والكاميرون، العديد من الدول الفرانكفونية.
جاري تحميل الاقتراحات...