د. عبدالله الشمراني
د. عبدالله الشمراني

@shamrani45

8 تغريدة 34 قراءة Jul 09, 2020
[أنا وأزِقّة المافيا]
المرحلة الابتدائية، من المراحل الجميلة في حياتنا، بحلوها ومرّها.
ومن مرّها ما حصل لي وأنا بالصف الخامس الابتدائى.
خرجت مرة بعد صلاة العشاء، ألعب مع أولاد الحارة، فمرت سيارة أجرة ونزلت منها فتاة كبيرة أعرفها، تتردد على بيتنا، وتسكن (الحُفرة).
وهي منطقة معروفة، أسفل حارتنا، ومشهورة بعصابات المخدرات، مع وجود بعض العوائل المحترمة (الفقيرة)، لرخص المكان.
نادتني من بين الأولاد لمعرفتها بي وبأهلي: حبيبي عبدالله أنت أستيف أوستن (بطل أمريكي في زماننا) صح؟ قلت بحماس: نعم.
قالت: خلاص حبيبي ياللا معي ساكنّي بروح بيتنا في الحفرة.
العقل والمنطق والحكمة تقول لي لا تنزل الحُفرة ليلا.
لكن بعد ندائها لي أمام الأولاد (حبيبي + أستيف)، ما وسعني إلا إجابة طلبها.
في ذلك الموقف ظهرت لي فتوة تجاوزت هياط (باب الحارة).
قبضَتْ بيدها اليمنى على يدي الشمال، وسرنا بسم الله.
طول الطريق وهي تحدثني حديث النساء مع الأطفال..
بطيبة ورقة، لكن بصوت مرتفع، وهذه طريقة الخائف حين يسير في مكان مّظلم ومُوحش.
لم أشعر بخوف أبدا، وأنا أسير معها بين الأزقة المرعبة.
وصلنا بيتهم في عمق الحُفرة، فتحت أُمها الباب، وشكرتني الفتاة، ثم دخلت بيتها وأغلقت الباب.
وبقيت وحدي عند باب بيتهم، لا أحرّك ساكنا.
ذهبتْ فتوة باب الحارة، وذهبت قوة استيف الخارقة، وشعرت بخوف شديد.
الآن أنا بمفردي في الحُفرة ليلا، المكان مظلم وموحش، وهي منطقة مخدرات ومجرمين، وعمري ١١ سنة، فدخلت في نوبة بكاء شديدة.
لم يكن أمامي إلا طرق باب الفتاة، ولكن كبريائي منعني (بصراحة متفشل)، فمكثت عند بابهم وقتا طويلا.
فجأة سمعت والدة الفتاة بصوت بكائي، وفتحت الباب (وي عبدلله أنت لس هنا ما روحت بيتكم؟)
فهدأتني ثم أخذتْ بيدي إلى بيتنا.
وعند بابنا رجوتها بخجل: (تكفين لا تقولين لبنتك إنك لقيتني أبكي عند الباب!) فانصرفَتْ وهي تضحك.
تدور الأيام وتمر السنين، وننتقل من حارتنا الشعبية، إلى حيًّ حديث.
وانتقلتُ من جدة إلى الرياض للوظيفة، ويشاء الله أن أمرض فأدخل المستشفى، ويقررون لي عملية عاجلة، وتنجح بفضل الله.
وأنا في غرفة النقاهة، يأتيني اتصال على هاتف الغرفة، فأرد عليه وإذ به فتاة الحُفرة نفسها.
علمت بخبر مرضي من أهلي، لاستمرار التواصل بينهم، فاتصلت لتسلم، وتطمئن على صحتي..
ودعت لي بدعوات مباركة، ثم ذكرتني بقصة الخُفرة، وأنها لا تزال تذكرها، وهي في العمر دون أمي بقليل.
انتهت القصة..
وأردت من خلالها بيان قوة التلاحم الاجتماعي بين بيوت الأحياء الشعبية القديمة، وهذا ما لم نجده اليوم بين بيوت الأحياء الحضرية المتمدنة والمتعلمة والراقية والمنفتحة!

جاري تحميل الاقتراحات...