57 تغريدة 291 قراءة Jul 08, 2020
بمناسبة الحديث عن الرق:
المعروف أن الرق في الإسلام هو نفسه ما يسمى اليوم ب POWs أو أسرى الحرب، كل ما في الأمر أن المسلمين لا يحتفظون بهولاء في معسكرات خاصة أو سجون ترهق كاهل الدولة اقتصادياً وفي الوقت نفسه تصيب هولاء الأسرى بالاكتائب والأمراض النفسية،
والمسلمون أيضاً لا يرغبون في ترك الحبل على الغارب لهولاء وتركهم بحرية كاملة في المجتمع المسلم، فالذي حدث هو اندماج مقيد، أو حرية مشروطة بقيود معينة، فالرقيق كان يحق لهم الزواج والعمل والتجارة والتملك لكن كل هذا ضمن إطار معين وبإذن المسؤولين عنهم،
وهذا يشبه ما لو أن أمريكا قررت اليوم مثلاً خصخصة معسكر غوانتانامو وغيره من المعتقلات لأسرى الحرب واعطاء هولاء الأشخاص لشركات لتتكفل بهم مقابل العمل مثلاً، الفرق فقط في المسميات.
الإسلام لا يسمح بالرق الا كعقوبة على الكافر المحارب. و السماح بالرق كعقوبة لا إشكال عقلي أو شرعي فيه، بل هو مسموح في أمريكا نفسها في عصرنا الحديث!
اقرؤوا عن مزرعة العبيد في لويزيانا الأمريكية التي لا زالت تضم حتى هذه اللحظة آلاف العبيد المساجين الذين يعملون بلا رواتب!
أو اقرؤوا عن الـ chain gangs (يوجد كتاب يصفها في عنوانه بأنها slavery by another name).
youtube.com
وهذه الممارسات بالمناسبة كلها قانونية ودستورية تماماً كما ينص على ذلك التعديل الثالث عشر من الدستور الأمريكي! الذي يقول أن جميع أشكال العبودية والخدمة الإجبارية يجب أن تمنع في كافة أراضي الولايات المتحدة إلا كشكل من أشكال العقوبة على جرم ارتكبه الشخص فهنا يجوز ممارسة ذلك عليه!
و هذا هو التعديل الثالث عشر في الدستور الأمريكي نصاً:
“Neither slavery nor involuntary servitude, except as a punishment for crime whereof the party shall have been duly convicted, shall exist within the United States, or any place subject to their jurisdiction.”
يتحدث التعديل بشكل واضح على أن العبودية والتشغيل الإجباري لا يمكن أن ينطبق إلا كعقوبة على جريمة، وهذا استثناء واضح except يجيز ذلك على المساجين الأمريكان
وهذا بعينه ما يحدث في نظام الرق في الإسلام!
لاشك أن المجرم المسجون يفضل أن يكون له حق العمل والزواج والتحرك في المجتمع الأمريكي كما هو حال الأرقاء في الإسلام، بدلاً من أن يقبع في زنازين مترين في مترين ويضيع من أعمارهم بضعة عقود بين قضبان حديدية يسمونهم سوء العذاب!
أما من يظن أن العبودية - كنظام استعباد ظالم و ليس كعقوبة على المجرمين - انقرضت في هذا العصر الحديث، فهو واهم!
يقول أحد الإخوة المقيمين في الغرب:
نعم يوجد عبيد اليوم بالمعنى الحرفي للكلمة، ويباعون ويشترون، الشيء الوحيد الناقص هو أن الأسياد هنا لا يستخدمون هذه الكلمة ويستخدمها غيرهم.
على مقربة من منزلي فتيات بلغاريات ورومانيات يتحدثن بشكل جيد إلى حد ما لكن بلكنة واضحة، تسألهن هل أنتن سعيدات بهذا العمل؟ (تعرف ما أعنيه) فيقلن وهل يكون سعيداً من يعتليه يومياً ما لا يقل عن عشرة أشخاص مخمورين لا يعرفهم المرء؟!
تسألهن: وما الذي يجبركن على هذا؟ فإحداهن تقول خُدعت، والأخرى تقول خوفاً على عائلتي فهم يعرفون بيتنا في بلغاريا، ويقلن أن أكثر أفراد الشبكات التي تتاجر في هذه الفتيات بيعاً وشراءاً هم من أبناء جلدتهن وأحياناً من نفس القرية لذا يعرفون من أين تؤكل الكتف.
وبالمناسبة ليس النساء فحسب من يقعن ضحية لتجارة العبيد هذه، يوجد أيضاً رجال ولكنهم يستغلون في أعمال أخرى كغسل السيارات وما شابه ذلك.
هي عبودية لا تختلف عن كثير من أشكال عبودية الأمس إلا في الإسم. من أحدثك عنهن لم يخترن العمل في هذا المجال بإرادتهن بل بالخديعة، تماماً كما كان يفعل بعض تجار العبيد قديماً،
وهذا يسمونه اليوم كنوع من التلطيف أو تخفيف قوة المصطلح بالـ unfree labor أو forced labor لكنه كما هو واضح من الإسم خارج عن الإرادة ويجبر عليه المرء اجباراً وبالإكراه، أما الذين يعملون في هذه المجالات بكامل إرادتهم فهولاء لا يطلق عليهم victims.
قديماً كان تاجر العبيد يقول للفتى في أدغال الكونغو هل تريد رؤية البحر؟ تعال معي لآخذك إلى ممباسا أو ماليندي لترى المدن الساحلية الجميلة والأسواق العظيمة وفرص العمل الكثيرة،
فيتفاجأ الفتى بأنه وقع ضحية لعملية خداع ويتم تسليمه إلى سمسار آخر ويصبح عبداً مجبوراً على ممارسة أعمال لا يرغب في ممارستها مقابل بضعة لقيمات يقمن صلبه ومكان قذر ينام فيه، ولا يستطيع العودة إلى بلده ولا رؤية أهله.
فتاة قروية مسكينة في إحدى قرى رومانيا أو بلغاريا يراها أحد أعضاء مافيا تجارة العبيد من أهل بلدها، فيلتقط لها صوراً بالخفية ويرسلها لأصحابه في غرب أوروبا فيصدرون له الموافقة بالشروع في العملية فيدون معلومات عائلتها بتفاصيل دقيقة،
ثم يحاول إقناعها بأنه توجد وظيفة لها في الدولة الفلانية، ويتم تزوير أوراقها الرسمية - لأن أغلبهن يأتين دون السن القانوني، غالباً في سن 16 - وعندما تصل إلى الدولة الهدف يتم بيعها إلى سماسرة الدعارة
ويتم إجبارها على هذا العمل وإسكانها في أماكن قذرة ويتم الاستيلاء على أوراقها الرسمية ومنعها من العودة إلى بلدها مع التهديد بالإضرار بعائلتها.
أليست هذه هي العبودية بعينها؟!
استمع إلى هذا القـ ـواد الإسباني في امستردام ووصفه لطريقة صيد ضحايا العبودية من قراهن دون أن يعلمن بحقيقة ما ينتظرهن:
youtube.com
فرق كبير بين حياة هولاء العبيد المساكين وبين الرقيق الذين كانوا في عائلتي مثلاً قبل بضعة عقود (ولا زالت علاقتنا بنسلهم وطيدة وممتازة حتى اليوم).
فقد كانوا يأكلون معنا مما نأكل ويلبسون كما نلبس ويخرجون معنا في المناسبات ويشاركون في الاحتفالات كأنهم جزء من العائلة - وقد كانوا هكذا بالفعل - والشيء الوحيد الذي يجعلك تعرف أنهم رقيق وليسوا من أبناء العائلة هو أشكالهم بالإضافة إلى بعض الاحترام الزائد الذي يبديه صغارهم،
أما كبار السن وكبيرات السن فيهم فكان لهم من الأمر والنهي ما ليس لبعض أبناء العائلة أنفسهم! (أحدهم كان يمنع قريبي الحر من بعض الأشياء المباحة! وآخر طلبوا منه أن يتولى رعاية مبنى معين فأصبح الآمر الناهي فيه ولا يمكن حتى لشيخ القبيلة أن يفعل شيئاً في ذلك المبنى إلا بإذنه!)
وكانت حياتهم أفضل من حياة الخدم في فنادق الخمس نجوم اليوم في أوروبا! و ليست هذه مبالغة، صحيح أن الزمن كان مختلف والحياة بشكل عام كانت متواضعة، لكن الخادم اليوم لا يمكنه تناول الطعام على نفس مائدة النزلاء، في حين أن هولاء كانوا يأكلون معنا ومع ضيوفنا!
بالمناسبة، هذا الكلام ليس نظرياً في كتب الفقه، بل هذا كان الواقع في أغلب المجتمعات الإسلامية واقرأ كتب الرحالة والمستشرقين الأوروبيين.
حتى في بداية الأربعينيات من القرن المنصرم لما زار فيصل بن عبد العزيز - وكان حينها أميراً - نيويورك وسكن في فندق والدورف أستوريا اصطحب معه عبده الأسود "مرزوق"،
وارتاع القائمون على هذا الفندق ليس فقط لأن الأمير أجلس العبد معه على نفس الطاولة ليأكل معه نفس الطعام، بل لأن قاعة ويدغوود في ذلك الفندق لم يدخلها من قبل أي شخص أسود ولو كان مواطناً أمريكياً حراً بل وأجداده محررون منذ عقود!!
نظام الرق في الإسلام نظام رحمة رغم أنه نظام عقوبة، و هذا من عجائب التشريه الإلهي و من حكمة سماح الله بإسترقاق الكفار المحاربين.
و من أهم مظاهر الرحمة في عقوبة الرق أنها باب من أبواب الهداية لأنه يعين الرقيق من غير المسلمين على الاحتكاك بأهل الإسلام في أدق تفاصيل حياتهم فيصبحوا منا، كما حصل للغالبية العظمى من الرقيق في تاريخ الإسلام وبعضهم صاروا من كبار علمائنا وفقهائنا وقادتنا العسكريين بل وأمراء وحكام.
و هذا المقصود بحديث: "أن أناساً من أمتي يقادون إلى الجنة بالسلاسل"!
أما عن السرايا فلا يوجد شيء اسمه إجبار على ممارسة الجنس أو بيع الجسد في علاقة شرعية بين رجل وامرأة في جميع شرائع أهل الأرض إلى ما قبل عقد أو عقدين فقط من الزمان! (وفي بعض الدول إلى الآن)
هناك شيء اسمه conjugal rights، كما جاء في الإصحاح السابع من رسالة بولس لأهل كورنثوس الأولى:
"لا سلطة للمرأة على جسدها فهو لرجلها، وكذلك الرجل لا سلطة له على جسده فهو للمرأة".
وهذا عند الغربيين خاص بعلاقة الزواج فقط لأنه لا يوجد عندهم تسري شرعي، وعند المسلمين خاص بكل علاقة شرعية بين الرجل والمرأة، نكاحاً كانت كما في زواجه صلى الله عليه وسلم بصفية مثلاً أو تسرياً كما في تسريه صلى الله عليه وسلم بمارية.
يعني ما دام الرجل والمرأة بينهم علاقة شرعية، فيحق لكل منهما الاستمتاع بالآخر فهذا حق للطرفين، مع الانضباط بالآداب الشرعية كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقعن أحدكم على امرأته كما تقع البهيمة، وليكن بينهما رسول. قيل: وما الرسول يا رسول الله؟ قال: القبلة والكلام".
وقوله امرأته يشمل الزوجة والسرية، فكلاهن امرأته، فلا بد من المداعبة والملاطفة قبل الاتصال الجنسي. أما الإكراه على الجماع فلابد أن ينتج عنه ضرر نفسي أو جسدي، و قاعدة الإسلام الذهبية هي: "لا ضرر و لا ضِرار".
أما الجارية التي لا تريد جماع سيدها فتستطيع أن تطلب منه حريتها و تذكّره بالأجر العظيم لعتق الرقبة في الإسلام، فإن رفض أن يعتقها لوجه الله تستطيع أن ترغمه على عتقها بنظام المكاتبة.
((فكاتبوهم إن علمتم فيها خيرا)) والفعل كاتبوهم فعل أمر والأمر للوجوب بشرط حسن السيرة والسلوك فلا يكون العبد كفيروز قاتل عمر مثلاً أو شخصاً مريباً مشبوهاً!
قال الإمام ابن حزم في المحلّى بالآثار:
"وأمْر الله تعالى بالمكاتبة وبكل ما أمر به فرض، لا يحل لأحد أن يقول له الله تعالى افعل، فيقول هو لا أفعل"
يقول ابن حزم: "فهذا عمر وعثمان يريانها واجبةَ، ويُجبر عمر عليها ويضرب في الامتناع عن ذلك، والزبير يسمع حمل عثمان الآية على الوجوب فلا ينكر على ذلك، وأنس بن مالك لما ذكر بالآية سارع إلى الرجوع إلى المكاتبة وترك امتناعه. فصح أنه لا يُعرَف في ذلك مخالف من الصحابة رضي الله عنهم".
والذي يقصده ابن حزم هو ما ذكره أنس بن مالك عندما قال أرادني سيرين - وكان غلامه - على المكاتبة، فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب فذكر له ذلك، فأقبل علي عمر بالدرة فقال كاتبه وتلا قوله تعالى: ((فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا)).
طيب ماذا إذا كان العبد ليس لديه المال للمكاتبة؟
من عجائب الشرع الإسلامي ومحاسنه تكلمة الآية وهي قوله تعالى: ((وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)) والفعل آتوهم فعل أمر والأمر للوجوب!
تصور، يعني هو من يطلب المكاتبة وأنا من عليه أن يدفع إن لم يكن لديه مال!
سأل ابن جريج فقيه الحجاز عطاء: أواجبٌ علي أن أكاتبه؟ فأجابه عطاء: ما أراه إلا واجباً، وذكر حديث أنس بن مالك مع سيرين.
اذا افترضنا أن مدة المكاتبة (تجميع المال لإستعادة الحرية) تستمر لسنتين مثلاً مع الجارية التي لا تريد جماع سيدها، فهل معنى هذا أنها مضطرة لأن تصبر سنتين حتى يمتنع عنها سيدها؟ لا!
اذا أعطته له أول دفعة من المبلغ المقرر (مثلاً: دفعت له 10 دنانير من أصل 100 دينار) يجب على سيدها الامتناع عنها و لا يحق له لمسها.
من أهم الكتب التي تكلمت عن استمرار العبودية في عصرنا الحديث:
amazon.com
amazon.com

جاري تحميل الاقتراحات...