معاوية الرواحي
معاوية الرواحي

@MuawiyaAlrawahi

14 تغريدة 5 قراءة Jul 08, 2020
إن من الناس ــ للأسف ــ من لديه تصور غريب عن العقل الإبداعي، فيقول لك: "عقل جيد لكنه يحتاج لتوجيه" .. وهُنا الفخ الذهني الخطر، هل تتكلم عن وصاية، أم استغلال.
رب ناصح يزعم النصيحة لكنه يمارس وصايته عليك، ورب زاعم للحب يريد أن يستغلك لتخوض معاركه نيابة عنه. ورب حاسد ادعى المحبة.
والمغالطة التي يلجأ لها هؤلاء سهلة الكشف لكن التعامل معها صعب، كالنقد الاجتماعي، المُحافظ يجد في أدوات غيره سلاسة ومرونة فيتولى زمام "توجيهك" كما يزعم، وهُنا تبدأ لغة الوصاية أو "الاستغلال" بمعنى الكلمة، لأن عقلك منظومة خاصة بك ودخوله فيها بشتى الأعذار ليس أكثر من تسلط أو أسوأ.
والذي يقول: "أنت بحاجة لتوجيه" النصح شيء خير ليس به عيب، الأمر والنهي ليس من مهمة الأقران، ما لم يكن في شأن من شؤونهم، فكيف تقول: فلان بحاجة لتوجيه! انظر لخطورة الكلمة، "توجيه" وما وسائل التوجيه؟ هُنا تبدأ فخاخ التسلط بالتجلي، وتظهر شيمة الإنسان القمعي رغم معسول كلامِه.
وإليك مثال، مدمن المخدرات، يعيش نشوة قد تدفعه لعزف وتأليف مقطوعات رائعة، يحل على حياته ضيف ضار بحجة "التوجيه الحسن" وقد أخذ العزف دون النظر لنتائج "منشطاته" فيقول له"ابدع" من الجانب الثاني يحل ضيف جاهل ليقول له اترك الموسيقى لأنها هي سبب إدمانك، وكلاهما ينطلق من حسن النية، والنص.
والأمثلة كثيرة على نزعة التسلط بين الأفراد، مثل الشخص الذي يقول لك أنا أدرى باستثمار نقودك منك، ونصل لنهايات الغي عندما يقول لك أحدهم "سلمني عقلك" فأنا أدرى باستخدامه، وهذه فخاخ الدخول في سهل والخروج منها صعب، الحفاظ على استقلالك في هذه الحياة مهمة وجودية عويصة ورئيسية.
ولهذا دائما ما تسمع مقولة "الوسط الفني زفت" أو "الوسط الثقافي مليء بالوحل" .. هي فعليا تنطبق على أي وسط تنافسي، ولك في صداقة رجال الأعمال خير مثال، أصحاب في المجالس وأعداء في السوق، والأمثلة كثيرة، ومن لم يتعلم الدفاع عن استقلاله بالحفاظ، سيتعلمه بالخسائر.
النصح الخيّر هدية، والناصح المجرّب فاعل خير، أما الذي يفرض عليك منطقه الذهني، ويفرض محدداته، فهو حالة تسلطية خطرة، يمكنك أن تنصحني عن الحداثة لأنك تؤمن بالكلاسيكية، لكن أن تمنعني عنها لأنك كلاسيكي، وهنا يأتي فخ "التوجيه" فهي كلمة قبيحة مبرراتها معسولة وأفعالها ضارة.
وإن وقعت في هذا الفخ، ومضيت فيه؟ فإن أفعالك ستدفعك لرفض ذاتك، وستحار في البحث عن السبب حتى تجده في المفتاح الذي سلمته لغيرك لأبواب عقلك، الاتباع بالمعروف من شروطه احترام الكينونة الفردية، أما الانسياق والتبعية والإمّعيّة فنهايته إما ثورة على الذات أو خصومة قد تكون بلا رجعة.
وهذا حال الكلاسيكي مثلا، عندما يصادر عليك أن تكتب قصيدة نثر، يشترط عليك إمّا أن تتوقف عن الشعر كليا، أو أن تعود إلى القصيدة العمودية، والعكس صحيح مع "مقصّدي النثر" الذين يستنكفون أن تكتب على تفعيلات الخليل، وهكذا دواليك، ما يبدو كنصيحة ليس أكثر من مقدمة لخصومة وعراك.
وفي الختام، عقلك نلك وقلوب الآخرين لهم. من لم يتورط يوما ما في هذا النموذج البشري؟ الأوصياء على عقول الآخرين، المساكين الذين انشغلوا عن عقولهم بعقول غيرهم حتى ظنوا أن قيادة كائن آخر سهلة وبسيطة، قد يصل الحال بالأوصياء إلى أفعال من الكراهية والضرر فقط بحجة "النصح الخير"
وإن خسرت استقلالك الذهني، فقد خسرت من وجودك البشري الشيء الكثير، ومعركتك العودة له لن تكون فقط بالمواجهة مع الآخر الذي "يوجهك/ يستغلك" وإنما بمواجهة صارمة مع نفسك، وبقرارات لن تأتي بدون خسارات. سيتنصل منك الأوصياء عندما تخطئ نصائحهم، أما أنت فإن تنصلت عن نفسك فستصاب بالجنون.
ولذلك يصل مفهوم "القدوة" أو "مثلي الأعلى" إلى نهايات خاسرة ومريرة، فأنت لا تعلم ما في "قدوتك" من حزازات تجاهك، ولا تعلم أن مثلك الأعلى متسلط، أو أسوأ، ربما منافس لك، ويحدث الشر في النوايا الحسنة التي غلف سمّها بالعسل، وهذه لعنة الإنسان التابع أو الإمّعة ما لم يتعلم من خساراته.
ولا تخلو سياسة "التوجيه المشروط" من نهايات قبيحة مثل العداء العاطفي، يرفضك دكتور في الجامعة ويهمشك لأنك حداثي، أو يرفضك أكاديمي حداثي لأنك كلاسيكي، وتجد نفسك في مأساة مع فرض وصاية المدارس، وكم من نابغين دَرَسوا بسبب هذه السلوكيات التي تزعم أنها تريد خيرا ولكنها تفعل شرا.
والتوجيه الحسن موجود، ولكنه من اسمه يؤدي إلى "وجهة" رياضي "توجهه" إلى نادٍ جيد، وعازف "توجهه" إلى أستاذ جيّد، وكاتب "توجهه" إلى كتاب تراه جميلا. وما دام "التوجيه" يقود إلى وجهات جميلة فقد انتزعت منه شيمة المصالح الشخصية السيئة، وأصبحت مصلحة شخصية سامية كأن توجه أحدهم لطبيب ممتاز

جاري تحميل الاقتراحات...