على شاطيء "النيل الأزرق" وقف الإثيوبي ذو الأربعة والأربعين عاماً يحدق في المياه مذعوراً بينما تعالت خلفه أصوات جماهير صاخبة تقترب شيئا فشيئا ، 1
إلتفت ناحية الأصوات فتعرف فيها على نبرة الأوهام العميقة التي زرعتها الحكومات الإثيوبية السابقة حين جعلت من بناء سد على النهر حلماً وطنيا ومفتاحا لجنة إثيوبية على الأرض تنعم فيها بلاد المجاعات التاريخية بالرخاء ورغد العيش2
تردد "آبي أحمد" قبل أن يُقدم على وضع قدمه في الماء فإما السباحة في نهر لا يدرك عمقه ولا ما تخفيه مياهه وإما أن تقترب منه حشود الجماهير الخائضة في أوحال الوهم لتلقيه في المياه 3
في هذه اللحظة الفاصلة إذا بيد تلقي إليه بعوامة لتحثه على نزول النهر بلا خوف ، وهنا استجمع "آبي أحمد"شجاعته وتمسك بالعوامة وقفز إلى النهر ، وهنا أدرك فعالية العوامة التي حملته فوق مياه النهر ليبتعد كثيرا عن الشاطيء .4
تأمل"آبي أحمد"الشعار الذي يغطي العوامة متمثلا في"نجمة داوود" الكبيرة التي تحمل رؤوسها رموزا غامضة كوجه"أردوغان"وعلى جبهته شعار جماعة الإخوان ورمز آخر لحبة"موز"مغموسة في الدماء بجانب العلم الأمريكي في منتصف النجمة ولم يندهش حين لمح أعلاما لدول غربية وشرقية أخرى على سطح "العوامة"5
شعر "آبي أحمد" بالإنتشاء وقد اقتنع أن "العوامة" المنقذة تمثل تحالفا دوليا متماسكا يستطيع به اجتياز النهر ليعلن انتصار الأوهام الإثيوبية وقطع شريان الحياة عن مصر.6
لكن شيئا ما جعل "آبي أحمد" يشعر بالذعر وقد أحاطت به مياه النهر من كل جانب ، فقد لا حظ أخيرا أن "العوامة" مثقوبة ، وأنها تتأرجح به فوق مياه النهر الهادر لتجعل منه ألعوبة ، مجرد ورقة مساومة في أيدي قوى دولية وإقليمية يمكنها إغراقه في أي لحظة.7
أدرك آبي أحمدأن حساباته الساذجة لم تضع في الاعتبار القدرات الدبلوماسية المصرية التي قادته بهدوء وحنكة إلى زاوية ضيقةيصرخ فيها بهيستريامذكراً العالم بأنه صاحب"نوبل"للسلام فتنير الأضواء الكاشفة لتظهر يداه ملطخة بدماءعشرات الإثيوبيين الذين راحوا ضحية الاحتجاجات على مقتل مطرب معارض
في وسط النهر الأزرق متعلقاً بالعوامة المثقوبة يجد "آبي أحمد" نفسه بين حصار الديبلوماسية المصرية في آخر خطواتها قبل أن تسلم الملف الإثيوبي لجهة أخرى وبين أوضاع داخلية مضطربة يعتليها زعيم المعارضة "جوهر محمد" استعداداً لاسقاطه في أي انتخابات مقبلة 9
المأزق الداخلي للنظام الإثيوبي يتفاقم مذكراً الجميع بهشاشة التركيبة السكانية في بلاد "الحبشة" 10
فرغم إعلان الحكومة الإثيوبية تأجيل الانتخابات البرلمانية المقبلة ، قرر إقليم "تيجراي" إجراء انتخاباته البرلمانية منفرداً ، وهو الإجراء الذي يجعل إطلاق مسمى "دولة" على التجمعات السكانية في "إثيوبيا" مصطلحا لا يتصف بالدقة11
ومن يشاهد أداء مندوب إثيوبيا في مجلس الأمن يدرك على الفور أن مفهوم "الدولة" اكبر بكثير من مجرد رفع علم أواكتساب عضوية في الأمم المتحدة ، فالرجل الذي عجز حتى عن المراوغة لم يكن يمتلك سوى كلمات أقرب للهذيان12
في الوقت الذي قدم وزير الخارجية "سامح شكري" نموذجا لمكانة الدولة المصرية ممثلة في مدرستها الديبلوماسية العريقة ليسقط بذلك ورقة التوت عن عورة السياسة الإثيوبية التي تم توظيفها فقط للنيل من مصر و تشتيت جهودها بين الغرب و الشرق والجنوب13
، وهو ما قد يدفع "آبي أحمد" للتساؤل عن جدوى التشبث بعوامة المؤامرات التي قادته إلى وضع يمنح مصر غطاءً دولياً عند أي تصعيد محتمل ، لكن نزول النهر ليس كالخروج منه ، والخطوات التي تخطوها في حقول الالغام السياسية لا يمكن التراجع عنها 14
وهنا يكمن مأزق االحكومات الإثيوبية المتعاقبة التي تتصور أن السياسة ليست إلا لعبة تجمع بين المؤامرات و الخداع و التسويف ،15
لذلك تصور "آبي أحمد" أن مخالفة بنود "إعلان مبادئ سد النهضة" في 2015 ستمر مرور الكرام تحت حماية من يحركه ويوجهه ويموله ، لكن الواقع أن هذا الإعلان التاريخي كان الأساس الذي قاد "آبي أحمد" ونظامه إلى موقف لا يحسد عليه 16
وبين إحتجاجات عرقية "الأورومو" وضغوط المعارضة و الحصار الديبلوماسي المصري ، يجد "آبي أحمد" نفسه في وسط النهر حيث لم تفلح "العوامة" المثقوبة المزركشة برموز "أهل الشر" في العبور به إلى بر الأمان ،17
ليبق أمام رئيس وزراء إثيوبيا اختياران إما الاستسلام للغرق والخروج من المشهد السياسي ، أو محاولة التمسك بعوامته حتى اللحظة الأخيرة عندما تلتهمه تماسيح النيل .18
جاري تحميل الاقتراحات...