في بداية معالجتك للكتابة، وفي أوّل ممارستك للإبداع، يحسن أن توجِد لنفسك سابقًا متقدّمًا تترسَّم أثره، وتنسج على منواله، وهذا ما يُعرف بالتّقليد والمحاكاة، وهما غير مذمومين في البداية؛ لكونهما سبيليْن ممهّدتيْن إلى مصيرٍ متّسمٍ بالتّحرّر والاستقلال...
... ولا يسلم كاتبٌ من هذا التّقليد إلّا إذا كان عبقريًّا وهبَه الله أسلوبًا يتفرّد به، غير سالكٍ طريقةَ أحدٍ من قبل التّفرُّد، مثلما كان العلّامة أبو فهر محمود شاكر؛ فأسلوب هذا الإمام الجليل في الرّسالة التي كتبها إلى مصطفى صادق الرّافعيّ وهو فتًى أخضرُ في الثّانية عشرة من عمره..
... هو الأسلوب الذي ردّ به على أسئلة صديقه يحيى حقّي وقد بلغ السّتّين، وأسلوبه في كتاب (المتنبّي) وهو في السّابعة والعشرين من سني حياته، لا يباين أسلوبه في (نمط صعب ونمط مخيف) وقد اشتعل رأسه شيبًا، وطريقته في تحقيق إمتاع الأسماع للمقريزيّ وهو في أوائل تجربة التّحقيق...
... لا تخالف نمطه في تحقيق طبقات فحول الشّعراء وقد أمسى إمامًا في هذا الباب، وطبّق صيتُه أرجاء الدّنيا المتراحبة، يُوفد إليه، ويُستفاد منه، ويقتدي به العلماء قبل الطّلّاب.
ومن مثلُ أبي فهر! إنَّ من لم يُفطر على شاكلته من الكتّاب، فعلى الله يعتمد، ثمّ بالتّقليد يعتضد حتّى يلين له عصيّ القلم، ويستقيم معوجُّه، فيقلّد أديبًا في التّعبير والتّحبير، أو فقيهًا في البيان والتّحرير، أو عالمًا من العلماء في التّحليل والتّقرير...
... ولكن لا ينبغي أن يستريح مطمئنًّا إلى هذا التّقليد أبد حياته، بل عليه أن يتحرّر من رِبْقتِه المحكَمة شيئًا فشيئًا، حتّى يثبت له أسلوبٌ موسومٌ بروحه، صادقٌ على نفسه، نابعٌ من حسِّه، يُعرف به بين جمهرة الكتّاب والأدباء.
#محمّد_موسى_كمارا
#محمّد_موسى_كمارا
جاري تحميل الاقتراحات...