K.Diallo ☭
K.Diallo ☭

@nyeusi_waasi

31 تغريدة 3 قراءة Jul 06, 2020
زمان كنت بستغرب لمي كنت بقرا علي اغلب منتجات الشركات الرياضية "صنع في فييتنام أو سيرلانكا"، وعبارة أخرى "صناعة يدوية". كنت بسأل ما السبب الذي يجعل دولة صناعية تلهث وراء العمل اليدوي.
مكنتش بلاقي أجوبة بسبب اخفاء السياقات الاجتماعية والاقتصادية التي تم إنتاج هذه السلع فيها.
لغاية ما اكتشفت السبب الذي يجعل هذه الشركات الأمريكية تبحث عن العمل اليدوي الرخيص في العالم الثالث، وتخلق في المستهلك الذي يرغب في شراء سلع ليست في قيمتها الاستعمالية، بل في قيمته الرمزية التي تكمن في ماركته العالمية الشهيرة.
إن هذه المنتجات، إذا صنعها العامل الأمريكي فلن تتمكن الشركة من تحقيق أرباح عالية، لأن أجر العامل الأمريكي هو من أعلى الأجور في العالم، كما أن هناك قيوداً قانونية ونقابية وضرائبية على تشغيل العمالة في أمريكا. أما في العالم الثالث فيصبح رأس المال الأمريكي أكثر حرية.
لا يزال الربح يتحقق باستخدام العمالة الرخيصة. لكن ما الذي جعل العمالة الفييتنامية رخيصة؟ إن العامل الفييتنامي يعيش بالفعل على دولارين في اليوم، إذ يستطيع أن يشتري طعامه وطعام أسرته بهذين الدولارين؛ لأن الوجبة الأساسية للفييتنامي هي الأرز،
وإنتاجية الأرز هناك عالية ووفيرة وتستطيع إطعام الملايين بأقل التكاليف؛ وباقي الخضروات كذلك رخيصة؛ بل إن الفقير في فييتنام إذا خرج ليمشي على حافة أحد الأنهار سوف يجد أنواعاً عديدة من النباتات الصالحة للطعام، مطروحة على قارعة الطريق مجاناًَ،
وإذا كان لديه شبكة فيستطيع إلقائها في النهر ويخرج منها سمكاً يكفيه طعاماً ليومه. ومعنى هذا أن أسعار ضروريات الحياة في فييتنام، والوفرة الغذائية هناك، هي التي تمكن الشركة الأمريكية من توظيف عمال بدولارين؛ في حين أن العامل الأمريكي لا يستطيع شراء طعام يومه بدولارين.
وهذا ما يجعل تكاليف تجديد إنتاج قوة العمل في العالم الثالث رخيصة، أي تكاليف الغذاء والإعاشة التي تمكن العامل من البقاء على قيد الحياة لليوم التالي. الوفرة الغذائية وقلة أسعار الغذاء إذن هي ميزة نسبية تستغلها الشركات الأمريكية لصالحها.
هذه المنتجات اسعارها باهظة، لكن كم يبلغ أجر العامل الفييتنامي الذي صنعه بيديه؟. من 30 إلى 50 دولار في الشهر، أي بمعدل دولارين في اليوم. يعد أجر العامل الفييتنامي من أدنى الأجور في العالم؛ إذ يتراوح ما بين 39 و70 دولار في الشهر حسب نوعية النشاط.
فأدنى الأجور للعمالة الفلاحية وتبلغ ما يعادل 39 دولار في الشهر، تليها أجور العامل في المشروعات الوطنية، تليها الأجور في المشروعات الأجنبية. وأعلى الأجور للعمالة الماهرة في المشروعات الأجنبية وتبلغ 70 دولار في الشهر؛ وهذه العمالة الماهرة هي القادرة على تشغيل الآلات؛
أما العامل الذي يصنع منتجات الشركات الأمريكية فهو غير ماهر لأنه يعمل بيديه ولا يشغل آلة؛ ولذلك لا يتعدى أجره 60 دولار في الشهر. وحسب التصنيف العالمي للعمالة فإن العامل غير الماهر هو الذي لا يتعامل مع الآلة أو الصناعة ذات التكنولوجيا العالية.
وبالتالي فالعامل الذي يصنع المنتجات الجلدية عامل غير ماهر حسب التصنيف العالمي. قياس المهارة بالقدرة على التعامل مع التكنولوجيا مغالطة كبيرة؛ ذلك لأن المهارة الحقيقية في العمل اليدوي. دائماً ما تقلب علاقات الإنتاج الرأسمالية الواقع رأساً على عقب.
إن العمال المشتغلين في صناعة هذه السلع هم العمال غير الماهرين من وجهة نظر التقسيم الرأسمالي للعمل، لكنهم هم الذين ينتجون السلعة التي تفخر بها الشركة الأمريكية لأنها يدوية الصنع؛ السلعة التي تحوز على قيمة أكبر من قيمة السلعة المنتجة عن طريق الآلة.
الصناعة اليدوية هي الصناعة الماهرة عن جدارة، فالآلة لا تستطيع حتى الآن أن تشتغل على تفاصيل دقيقة في المنتج النهائي وهي الخاصة بالتشطيب الذي هو معيار الجودة الآن، ؛ إذا لم تكن العمالة اليدوية مهمة وذات شأن فلماذا نقلت الشركات الأمريكية نشاطها إلى آسيا حيث العمالة اليدوية الرخيصة؟
هنا تكمن المفارقة: أفقر عمال العالم يصنعون بأياديهم سلعاً لأغنى المستهلكين في العالم؛ العامل يتلقى أدنى أجر في العالم، والمستهلك يدفع سعراً من أعلى الأسعار في العالم. واليد الخفية التي تلعب خلف الستار وتقوم بدور الوسيط اللامرئي بين العامل الفقير والمستهلك الغني تسمى الرأسمالية.
فلا جديد تحت النظام الرأسمالي، إذ محتفظ بنفس أسلوبه الذي كانت يعمل به منذ قرنين من الزمان. وهذا ما يفند كل النظريات الاقتصادية المعاصرة القائلة بأن تغييراً جذرياً قد حدث للرأسمالية في الخمسين سنة الأخيرة. لم يحدث أي تغيير
بل كل ما حدث هو أن قانون الميزة النسبية قد جرت عليه تحولات، لكنه لم يتوقف عن العمل. إن القوانين الاقتصادية الحاكمة لأسلوب الإنتاج الرأسمالي ثابتة منذ القرن ال19.
إن الأجر الذي يبلغ دولارين في اليوم لا تدفعهما شركة صغيرة في دولة نامية، بل تدفعهما مؤسسة صناعية أمريكية عملاقة عابرة للقارات. ومعنى هذا أن الرأسمالية العالمية لا تزال تستخدم نفس أسلوبها القديم في تحقيق الأرباح،
أي أسلوب تحقيق الربح عن طريق الإقلال من أجر العامل؛ ولا يزال أجر الكفاف سائداً داخل الرأسمالية (لا خارجها كما ذهبت كثير من الدراسات الاقتصادية طوال القرن العشرين)، لا في الدول الصناعية المتقدمة بالطبع بل في العالم النامي الذي أصبح داخلاً في إطار رأس المال العالمي نتيجة العولمة.
وتحقيق الأرباح عن طريق الإقلال من أجر العمال كان يسمى قديماً بــــ"إنتاج القيمة الزائدة المطلقة" . والذي أطلق هذه التسمية كارل ماركس، في كتابه "رأس المال". القمية الزائدة هي القيمة التي يضيفها العامل على القيم الأصلية للمواد الخام والآلات المستخدمة والطاقة ورأس المال.
فالعمل يشتغل على عناصر الإنتاج صانعاً منها منتجاً جديداً يحوز على قيمة أكبر من قيمة تلك العناصر. والعامل لا يتلقى بالطبع هذه القيمة الزائدة بل يتلقى أجره فقط، ويستحوز صاحب رأس المال على القيمة الزائدة التي تكون الأساس الذي يتحقق منه الربح والفائدة والإيجار العقاري.
والقيمة الزائدة المطلقة هي التي تتحقق بالإقلال من أجر العامل أو إطالة يوم العمل إلى ما بعد الحد الضروري لإعادة إنتاج قوة العمل مع تثبيت أجر العامل. أما القيمة الزائدة النسبية فهي التي تتحقق عن طريق زيادة إنتاجية العمل بالتكنولوجيا.
اعتقد كثير من الاقتصاديين الليبراليين أو الأكاديميين أن أسلوب إنتاج القيمة الزائدة المطلقة قد انتهى، وأن الأسلوب الوحيد لإنتاج القيمة الزائدة أصبح عن طريق رفع الإنتاجية؛ لكن ثبت خطأهم؛ ذلك لأن الرأسمالية تحقق الأرباح دائماً بالإقلال من الأجور، وأحياناً كثيرة بتسريح العمالة.
لا تزال الرأسمالية معتمدة على إنتاج القيمة الزائدة المطلقة، عن طريق نقل صناعاتها إلي دول العالم الثالث ذات الأجور المتدنية.
هذه المنتجات أنتجتها رأس المال الأمريكي في العالم الثالث، رأس المال العابر للقارات والمحيطات، الذي يستطيع الاستثمار في أي مكان. يستطيع رأس المال الأمريكي دخول العالم الثالث وتوظيف عمالة آسيوية أو أفريقية؛ لكن هل يستطيع عامل/ة العالم الثالث دخول أمريكا والعمل هناك؟
هل يعطي نظام العولمة الرأسمالية نفس الحرية لرأس المال وللعمل على السواء؟ لا بالطبع. فهناك قيود على الهجرة لأمريكا، وقيود على العمالة الأجنبية داخل أمريكا. وهذه هي حقيقة العولمة السائدة: إنها تعطي حقاً في الحركة لرأس المال فقط ولا تعطي نفس الحق للعمال.
إن رأس المال وحده هو الذي تعولم، أما العمل فلا. والحق الذي يأخذه رأس المال لنفسه لا يعطيه لعماله. إنها عولمة النقود، عولمة المادة، لا عولمة الإنسان. ولذلك فالعولمة الحادثة الآن ليست عولمة متساوية ولا عادلة. لكن كيف يمكن للعمال أن يحصلوا على الحق الذي قصره رأس المال على نفسه؟
إن رأس المال لن يمنح ما يتمتع به من حقوق للعمالة من نفسه طواعية. العمال هم الذين عليهم أخذ هذا الحق بأنفسهم؛ وربما يستجيبوا في يوم ما لنداء "يا عمال العالم اتحدوا"!!. لكن رأس المال هو وحده المتحد الآن، فهو على وعي بمصالحه ويخطط لها، ولديه آلياته في العمل وأجهزته الإدارية الدولية:
صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية. أما العمل فليست لديه آليات الفعل والتخطيط الدولية التي لرأس المال؛ كما أنه ليس على نفس درجة وعي رأس المال بمصالحه المشتركة عابرة القوميات. ماذا كان سيحدث لو كان العالم مفتوحاً للعمال كما هو مفتوح الآن لرأس المال؟
كان سيحدث ما يمكن أن نسميه عولمة عمالية، عولمة للقوى العاملة البشرية، وهي بالطبع عولمة إنسانية. لكن ما الذي يقف عقبة في طريق عولمة قوى العمل البشرية؟ رأس المال نفسه هو الذي يقف عقبة في طريق عولمة العمل. فهو يعطي الحق لنفسه في الاستثمار أينما ووقتما يشاء؛
إنه يعطي لنفسه الحق في تحقيق أرباح عالية من العمالة في العالم الثالث، وفي الوقت نفسه يمنع هذه العمالة من الاستفادة من سوق العمل الأمريكي.
لقد أصبح الحق السائد الآن هو حق رأس المال في الاستثمار، حق المال في أن يولِّد المزيد من المال، حق الأغنياء في أن يزدادوا غنى؛ أما حق الفقراء في أن يعملوا ويطعموا أنفسهم وأولادهم فقد انزوى بعيداً؛ لكنه موجود مثل النار تحت الرماد، ويمكن أن يُبعث من جديد.

جاري تحميل الاقتراحات...